«دار الهلال» تصدر طبعة جديدة من درة أعمال جمال حمدان «٦ أكتوبر فى الاستراتيجية العالمية».. وثيقة الحرب

05/10/2016 - 1:55:08

عرض وتحليل: محمد حبيب

أصدرت دار الهلال طبعة جديدة من كتاب «٦ أكتوبر فى الاستراتيجية العالمية» للمفكر الكبير الراحل الدكتور جمال حمدان، وذلك بمناسبة الذكرى الـ٤٣ لنصر أكتوبر المجيد.


الكتاب يقدم الكثير من التفاصيل عن حرب أكتوبر، ليس على الجبهة المصرية فقط وإنما أيضا على الجبهة السورية التى ينسى البعض أنها كانت تحارب جنباً إلى جنب مع الجبهة المصرية، كما يستعرض الكثير من الآراء والتحليلات المصرية والعالمية والإسرائيلية للحرب وتطوراتها، ويرد بالوثائق والمعلومات على كل الأكاذيب والادعاءات المتهافتة التى تقلل من الانتصار العربى فى هذه الحرب، وتدعى أنها حرب تحريك وليست حرب تحرير، أو أن الثغرة جعلت الجيش الثالث محاصرا وأن إسرائيل على بعد كيلومترات من القاهرة، وأشنع تلك الادعاءات هو انتصار إسرائيل فى هذه الحرب كما تدعى بعض القيادات الصهيونية!


هذا الكتاب - بحق- هو وثيقة تاريخية عن حرب أكتوبر، يشرح الدكتور جمال حمدان ببراعة وبنظرة واعية متفحصة ملامح هذه الحرب، مقدماتها وخططها، يومياتها وأبطالها، مراحلها العسكرية البارزة ومساراتها، تحليل نتائجها وتأثيراتها، ليس فقط على المستوى الوطنى والعربى وإنما على المستوى الدولى، فأصداء أكتوبر وأضواؤه ملأت الدنيا ولفت الكرة الأرضية فى كل أرجائها وزلزلت الكثير من النظريات والبديهيات العسكرية والاستراتيجية وأيضا السياسية والاقتصادية.


صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام١٩٧٤ بعد أقل من عام على الحرب، ويقع فى حوالى ٤٥٠ صفحة من القطع المتوسط، وهو عبارة عن ١١ فصلاً، الفصل الأول يتناول أرض المعركة.. سيناء التى يصفها جمال حمدان بأنها «قدس أقداس مصر»، يُشرح المنطقة جغرافيا ومناخيا ويقدم التركيب المكانى والطبيعى للمنطقة التى تصل مساحتها لنحو ٣ أمثال مساحة الدلتا.


ثم يدخل الكاتب فى المعركة التى يسميها بأنها معركة التحرير الكبرى، والتى نجحت فى كسر الغرور الإسرائيلى، وقضت على الأسطورة التى لا تُهزم، كل ذلك تم عن طريق القدرة العربية الذاتية ومن التخطيط والتصميم والإرادة العربية.


يرى الكتاب أن أركان الاستراتيجية العربية فى الحرب أربعة أركان، هى المبادأة والمفاجأة والحرب الشاملة والحرب الطويلة.


فلأول مرة تتعرض إسرائيل للهجوم ولا تبدأ هى بالهجوم، وهذا الموقف الدفاعى للعدو كان نصف الهزيمة بالنسبة له، فالمهاجم هو الأقدر على فرض إرادته وهو الأقرب إلى النصر والأكثر تدميراً للعدو حتى إن لم ينتصر.


فالمبادأة أصابت إسرائيل بالارتباك وجعلتها تجمع الاحتياطى فى ٦ساعات بدلاً من ٤٨ ساعة فعمت الفوضى قوات الدفاع الإسرائيلى.


انتقال العرب الواعى والدائم إلى الهجوم لم يربك فقط كل استراتيجية العدو بل هو ينسفها فى الصميم، لأنها قائمة على افتراض وقوف العرب على الدفاع أو فرضه عليهم أساسا وباستمرار.


العنصر الثانى فى استراتيجية الحرب هو المفاجأة، وهو مكمل وامتداد جوهرى لعنصر المبادأة.


المفاجأة تمت من خلال عدة عوامل أولها السرية المطلقة وعملية الخداع الاستراتيجى للعدو والتمويه حسب تخطيط كفء طويل المدى. والعامل الثالث هو التوقيت. توقيت الحرب كان قد تم اختياره بذكاء، ففى هذا الوقت كان التأييد العالمى وصل الذروة واكتملت عزلة العدو ومعسكره دوليا بدرجة كبيرة، ثانياً: خريف أكتوبر المصرى ربيع تقريباً، أنسب توقيت للحرب هو سبتمبر - أكتوبر بعيدا عن حرارة الصيف وبرودة الشتاء القارسة، كما أن القناة تختل بالأمواج فى الشتاء.


ثالثاً: أنسب يوم تعطل وبطالة فى دورة حياة العدو اليومية «يوم كيبور» آخر موعد يتوقع العدو الهجوم منا شهر رمضان لكن لها معنى دينى كبير وحافز للجهاد والفداء. رابعا: أن ٦ أكتوبر أنسب يوم للعبور تقل فيه سرعات التيارات داخل قناة السويس ويصل مدى المد والجزر إلى حده الأدنى فلا يعوق العمليات الهجومية وإقامة المعابر.


خامساً: آخر ساعة تتوقع للعبور طوال اليوم، إما فى الشروق أو مع الغروب لكن الخطة اختارت قلب النهار وفى وضحه.


العامل الثالث فى استراتيجية حرب أكتوبر هو الحرب الشاملة: فهى كانت حربا كاملة مطلقة منذ أول لحظة دون مرحلة انتقال بين حالة اللاحرب والحرب، فهى حرب شاملة تعنى الاستكمال الشامل والأمثل لكل أسلحة القوات، هجومية ودفاعية، برية وجوية وبحرية، وذلك لتحقيق الهدف العسكرى من المعركة وهو هزيمة قوات العدو فى سيناء والهضبة السورية والاستيلاء على مناطق ذات أهمية استراتيجية تهيئ الظروف المناسبة لاستكمال تحرير الأراضى المحتلة بالقوات المسلحة، لفرض الحل السياسى العادل للمشكلة.


العامل الرابع فى استراتيجية أكتوبر هو الحرب الطويلة، فاقتصاد العدو لا يتحمل إطالة التعبئة العامة إلا أسابيع معدودة، بعدها تصاب حياته الإنتاجية بالشلل، ولا يستطيعوا مواصلة الحرب أكثر من شهر ولولا التدخل الأمريكى الذى أنقذه من الهزيمة الحتمية والكاملة. فوزير الدفاع الإسرائيلى ديان كان يقول دائما «ينبغى إنهاء المعركة خلال ساعات بحيث لا تكلفنا غاليا فى الأرواح والمعدات».


وبعد أن ينهى الكاتب تحليل الاستراتيجية فى الحرب ينتقل إلى مراحلها وتنفيذها، مؤكدا على أن معركة أكتوبر واحدة من أكبر معارك التاريخ العسكرى الحديث وأنها لا تقل عن الحرب العالمية الثانية، وأن ملحمة أكتوبر قطعة مذهلة من الاستراتيجية الممتازة فى جميع مراحلها التى يقسمها إلى ثلاث مراحل، المرحلة الأولى وهى الأسبوع الأول من المعركة وهو أسبوع النصر والمرحلة الثانية وهى وقفة التعبئة واستمرت لمدة ٤ أيام أما المرحلة الثالثة والفاصلة فكانت معركة الدبابات الكبرى وهى أيضا استغرقت أسبوعا.


أسبوع النصر، يشمل محطات هى العبور ثم اجتياح خط بارليف، وإقامة رأس الجسر على الضفة الشرقية، ثم القاعدة الأرضية فى الضفة الشرقية.


ويؤكد حمدان على أن سلاح المهندسين كان سلاحا رابعا للقوات المسلحة مع البرية والبحرية والجوية، نجح هذا السلاح فى التغلب على ثلاثية الموانع الطبيعية والهندسية، هى القناة وخط بارليف والساتر الترابى، وعبر ١٥ ألف شخص من هذا السلاح الضفة الشرقية بعد ساعتين فقط من الانطلاق.. وأن العبور كان مفتاح النصر وخاتمة الهزيمة.


فى أسبوع النصر جاءت الضربة الجوية الكبرى وانطلقت ٢٤٠ طائرة فى وقت واحد نجحت فى شل الجهاز العصبى للعدو، وقتها المدفعية ضربت أهداف العدو.. للتمهيد النيرانى الجبار للعبور وتغطية إقامة رءوس الجسور على الضفة.


- مضخات المياه نجحت فى شق ٨٥ ثغرة فى الساتر الترابى أزيل فيها ماكان يحتاج إلى عمل ٢/١ مليون رجل فى الساعة، وإقامة ١١ كوبرى ثقيل، ١٠ للمشاة، ٥٠ معدية وذلك كله فى بضع ساعات.


- الدفاع الجوى وصواريخ سام ٦، ٧ اصطادت طائرات العدو وأوقعتها بمعدل ٣ من كل ٥ طائرات مما جعل القيادة العبرية تقرر عدم اقتراب طائراتهم من القناة لمسافة ١٥ كم شرقها.


- السيطرة على خط بارليف، يقول حمدان إن هذا الخط القوى الذى أنفق العدو فى تحصينه وتسليحه سنين عدداً (أكثر من ثلاث سنوات) وملايين بلا عدد (أكثر من ربع مليار دولار)، ما يعادل نصف تكلفة السد العالى، ثم أنفق أكثر من ذلك فى الحديث المخيف عنه كجزء من الحرب النفسية الرادعة، هذا الخط سقط فى أيام بل ساعات وبالتحديد فى ست ساعات، لقد هدمت القوة المصرية العارمة فى ست ساعات مابناه العدو المفتون فى ست سنوات، كل سنة بساعة.


ويضيف حمدان: لقد كانت ملحمة اكتساح خط بارليف صراعاً بين الشجاعة والمناعة، شجاعة المقاتل البحتة ومناعة الأبراج المثيرة، مثلما كانت مواجهته بين فلسفة الخطوط الزاحفة المتحركة ونظرية الخطوط المحصنة الثابتة، وفى الحالتين تغلبت الأولى على الثانية.. تغلبت الإرادة على الأرض، والانسان على السلاح، وأصحاب الأرض على الغاصبين.


- لم يطلع فجر ٧ أكتوبر حتى كان ٨٠ ألف جندى بكامل أسلحتهم انتقلوا إلى البر السينائى وتوغلوا لمسافة ٨كم وهذا فى حد ذاته نصر عسكرى بأى مقياس.


الأسبوع الأول من القتال أسبوع تأديب للجيش الإسرائيلى، ووصفه ديان بأنه «أخطر أسبوع فى حياة إسرائيل كدولة». عجز على جانب العدو، وإعجاز على الجانب المصرى، فقد اكتسح الهجوم المصرى خطوط العدو ومزق صفوفه وحقق انتصارات مذهلة وسيطر تماماً على ميدان المعركة.


هذا الأسبوع.. كسر العمود الفقرى للجيش الإسرائيلى والدور الأكبر لسلاح المشاة الذى هو نجم المعركة وبطلها الحقيقى.. معركة بين دبابة وفرد بصاروخ ويفوز الفرد، بين الفرد وطائرة مصفحة وسقوط الطائرة. وقد بلغ عمق القاعدة الأرضية المحررة فى نهاية المرحلة نحو ٨ إلى ٢٥ كم.


وقفة التعبئة


بعد أسبوع النصر حدث هدوء نسبى فى حدة القتال ولم تدخل القوات إلى المضايق التى يسميها حمدان «مفاتيح سيناء الاستراتيجية»، فضلت القيادة إنزال أكبر قدر من الخسائر بالعدو من حالة الثبات على دفع القوات وزجها فى العراء بلا غطاء أو ساتر هندسى يحميها من العدو الجوى.


لكن لتخفيف الضغط على سوريا اضطرت قواتنا يوم ١٤ أكتوبر إلى تطوير هجومها وشن هجوم واسع النطاق فى مرحلة سابقة لأوانها، وحققت الخطوة أغراضها فى إرغام العدو على سحب الكثير من قواته من الجبهة السورية حتى عادت قواتنا إلى قاعدتها الأرضية حرمانا للعدو من أى فرصة يتصيدها بطيرانه واستدراجا لهجماته المضادة إلى مقتل محقق فى نطاق شبكة صواريخنا.


تم الهجوم بجزء من القوات المدرعة والميكانيكية وسط تأمين جوى.. وكانت هذه العملية مناورة توازن مع الجبهة السورية من جهة ونوعاً من التمهيد المسبق للتطوير الأساسى القادم لهجومنا شرقاً من جهة ثانية ثم حلقة وصل بين الوقفة التعبوية ومعركة الدبابات الكبرى الوشيكة من جهة ثالثة.


يقول حمدان: يمكن تشخيص هذه المرحلة بأنها كانت مرحلة من «الهجوم الدفاعى» على الجانب المصرى ومن الدفاع الهجومى على الجانب الإسرائيلى.


معركة الدبابات الكبرى


المرحلة الثالثة فى الحرب هى معركة الدبابات الكبرى والتى فاقت معركة العلمين وستالينجراد فى الحرب العالمية الثانية، وبدأت هذه المعركة ١٥ أكتوبر حتى ٢٥ أكتوبر، وهذه المعركة هى التى تحدد نتيجة الحرب، وأخذت المعركة فى أيامها الأولى مسارا محدداً لصالحنا بصورة قاطعة، وضد العدو الذى بدا انهاكه واستنزافه جليا وراح يعلن العدو استعداده لقبول وقف إطلاق النار بشروط بادية الافتعال لحفظ ماء وجهه وإخفاء هزيمته الحقيقية، فجأة بدأت الامدادات الأمريكية تتدفق على العدو بمعدل صارخي وبغير حساب، فوق جسر جوى، وآخر بحرى حشدت له أمريكا أحدث ما فى ترسانتها من أسلحة متطورة لم يسبق قط استخدامها، هذه الامدادات هددت مخزونها الاستراتيجى الأمريكى من كثرتها، أسلحة بطواقم أمريكية كاملة.. هذه الأسلحة حدت من فاعلية صواريخنا التى كانت متفوقة ضد الدبابات والطائرات.


لقد دخلت أمريكا المعركة مباشرة بكل سفور وتحد، حوالى ٥٠٠ دبابة.. معركة مصرية - أمريكية أكثر منها مصرية - إسرائيلية، لكن هذا التحدى جعل القوات المصرية ترد بهجوم مروع وكبد العدو خسائر رهيبة.


وهكذا أطال التدخل الأمريكى القتال، وربما أفقد القوات المصرية هامشاً ضيقاً من نطاق الأرض المحررة، ومع ذلك فإن هذا التدخل غير مصير المعركة بالكاد أو هو بالتقريب حيد نتيجتها إلى نوع من التعادل، ولولاه لنالت إسرائيل هزيمة محققة كانت جديرة بحسم بقية الصراع إلى حد كبير.


الموقف النهائى فى يوم ٢٢ أكتوبر: المنطقة المحررة فى سيناء ساعة وقف إطلاق النار تشمل الشاطئ الشرقى لقناة السويس برمته بعمق يتراوح بين ١٢ و١٧ كم شرقاً - بمساحة ٣٠٠٠ كم مربع عدا ثغرة ضيقة فى الدفرسوار.


الثغرة


من الجوانب المهمة فى الكتاب تناول حقيقة الثغرة فى الدفرسوار ووضعها فى نطاقها بدون تهويل أو تهوين، يقول الدكتور جمال حمدان «إسرائيل تحت ضغط المعركة وتدهور موقفها حاولت فتح جبهة جديدة لتخفيف الضغط عليها ونقله إلى مؤخرة القوات المصرية، على أمل أن تقلب معادلة القوة فى الميدان».


لجأت إسرائيل إلى سلاحها الأثير.. وهو استراتيجية الاقتراب غير المباشر التى تقوم على الاختراق ثم التطويق فالتصفية، والتى مارستها فى حرب السويس(١٩٥٦) وحرب يونيو من قبل. وهذا تم بمساعدة طائرات التجسس الأمريكية، بعد أن فشل العدو فى التسلل فى بورسعيد والإسماعيلية، لجأ إلى الدفرسوار عن طريق طائرات الهلكوبتر وبعض المدرعات المصرية التى استولى عليها وكانت قواتنا هناك محدودة، وأقام شبكة قواعد صواريخ أرض جو مضادة للطائرات.


يؤكد حمدان: من الوجهة الاستراتيجية، فإن من المحقق رغم النجاحات التكتيكية والميدانية التى حققها الاختراق، أن حجم العملية لم يكن بالذى يمكن أن يغير مجرى الحرب أو يقرر مصيرها. ومن الثابت عجز إسرائيل عن توفير قوات أكبر للعملية.


ويتابع حمدان: من هنا نظر العسكريون فى العالم إلى العملية نظرة متحفظة محدودة، فالعسكريون الأمريكيون مثلا كانوا لا يرون فى اختراق غرب القناة القدرة على أن يؤثر تأثيرا جوهريا فى سير المعارك. وفى رأى بعض المراقبين المحايدين أن هذه الثغرة فى ظروفها وبأوضاعها لو كانت أمام أى جيش آخر لغيرت مجرى الحرب، لكن الإسرائيليين عجزوا عن أن يخلقوا منها أكثر من جيب محاصر بسبب تماسك القيادة والقوات المصرية التى اعتبرت العملية فى النهاية مغامرة دعائية سياسية نفسية ولكنها عسكريا محكوم عليها بالاحتواء والفناء.


وبنظرة استراتيجية شاملة يؤكد حمدان: لم يكن الجيش الثالث هو المحاصر، فقط كان جيبين داخل وجود العدو: مدينة السويس على الضفة الغربية، وقوة كبريت على الضفة الشرقية وكلتاهما صمدتا لحصار العدو، دوخته وأعطته درسا مذهلا فى ضراوة المقاومة. وفيما عدا هذا فقد كان العدو هو المعزول والمطوق.


المعركة السورية الكبرى


يتناول الفصل الرابع من الكتاب تطور الأوضاع على الجبهة السورية ويؤكد حمدان أن اشتراك سوريا فى الحرب حفظ التوازن مع العدو على سائر الجبهات وفرضت عليه ضغوطًا مضادة مزقته من الوجهة الاستراتيجية وشتته تشتيتًا، فالجبهتان كانتا بمثابة فكى كماشة وضعت العدو لأول مرة كالبندقة فى الكسارة، ووضعت المعركة كلها بين قوسين من الإرادة العربية بين هذه القوسين تمزق العدو، وانشطرت قواته وتبددت قواه، وراح يلهث من الشمال إلى الجنوب دون جدوى من ذلك.


يقول حمدان إن وحدة المعركة العربية على الجبهتين كانت عاملا أساسيًا فى انتصار العرب وجاءت مصداقا مجددًا وعمليا للقانون الخالد فى صراع الأمة العربية مع أعدائها، ألا وهو أن مصير العرب معلق دائمًا ورهن أبدا بوحدة القوة السورية والمصرية.


سوريا - مصر كانت باستمرار وحدة جيوستراتيجية واحدة، من وضع قدمه فى إحداهما قادته تلقائيًا إلى الأخرى، وهما معا قلب الوطن العربى جغرافيًا وطليعته تاريخيًا.


هذا الكلام الخطير نجد له ظلا كبيرا فى الواقع الذى نعيشه الآن، ولابد أن ندركه فمن وضع قدمه فى سوريا سواء كانت جبهة النصرة أو داعش أو أى من تلك التنظيمات فإنها سوف تصل إلى مصر فالأمن القومى المصرى يمتد إلى الشمال فى سوريا وليس فقط حتى رفح.


نعود للجبهة السورية يقول حمدان: على الجملة فلقد قدمت الجبهة السورية مسرحا قتاليا لا يقل ثقلا وقوة وعنفا، وكذلك اقتدارا عما قدمت الجبهة المصرية وقد أدارت سوريا معركتها هناك بكفاءة. لكن استغل العدو -بخسة- وقف إطلاق النار ليوسع رقعة الأرض التى يحتلها وفى النهاية كان قد استعاد منطقة الجولان ووصل لما كانت قبل ٦ أكتوبر!


النصر لمن؟


يؤكد د.جمال حمدان أن الموقف الميدانى لم يكن قط غامضًا أو ضبابيًا بحيث يسمح بوجهات نظر مختلفة، فالأمور واضحة تمامًا لكن إسرائيل بعد الحرب سوقت معركة دعائية على مستوى العالم لتشويه الانتصار والمكابرة لتزيف لنفسها انتصارًا موهومًا.


لكن الرد على ذلك قبل الدخول فى مسارات الحرب هو الخبر اليومى الذى يخرج من إسرائيل منذ المعركة مادته الأساسية هى الحزن العميق والقلق والخوف من الغد والإحساس العام بالضياع والإحباط، وصراع واتهامات متبادلة بين قادة إسرائيل العسكريين واعترفوا فى البداية بأن إسرائيل أصيبت بكارثة مروعة فى ٦ أكتوبر وفشل فى سيناء.. فكيف يتفق هذا مع ادعائهم الانتصار؟


- الأمر الثانى هو حجم الخسائر فى العدو والذى جاء أكثر، مما خسرته فى المعارك الثلاث لها مع العرب سواء فى الأرواح أو المعدات.


- الأمر الثالث أنه بعد ٣ أشهر من المعركة وبعد التصلب والعناد من الجانب الإسرائيلى اضطر العدو مرغمًا فى اتفاق الفصل بين القوات إلى القبول بالانسحاب التام لا من الضفة الغربية برمتها وحدها، ولكن أيضًا من نطاق كبير من الضفة الشرقية كذلك.. وهذا الانسحاب هو اعتراف بأن النصر العسكرى الحقيقى فى أكتوبر إنما كان للعرب.. ونصر سياسى، لأن إسرائيل لم تعد فى وضع الذى يفرض إرادته، بل على العكس هى التى ترضخ للإرادة العربية، وهذا النصر هو أولى ثمرات النصر العسكرى فى أكتوبر.


- لقد كان النصر العسكرى فى حرب أكتوبر عمومًا لنا بلاريب، ويمكن الآن بتحديد أكثر أن نضيف ربما بنسبة ٢: ١ بمعنى أن نصرنا يعادل ضعف نصر العدو وأن هزيمته تعادل ضعف هزيمتنا، وفى المحصلة فإن النتيجة العامة ليست ٥٠ - ٥٠٪ أو ٥١ - ٤٩٪ كما يود أن يحددها البعض (الأوربيون)، فلنقل مثلًا ٦٦٪ - ٣٣٪ بالتقريب.


انقلاب استراتيجى


يؤكد جمال حمدان أن حرب أكتوبر أحدثت أكبر انقلاب فى الفكر الاستراتيجى والنظريات العسكرية منذ الحرب العالمية الثانية، فهى ثورة استراتيجية كاملة قلبت معظم مفاهيم الحرب، وغيرت كثيرًا من قواعد الجغرافيا العسكرية.


فالمعركة أثبتت أن العسكرية العربية قد انتقلت ربما لأول مرة مد مرحلة التلمذة الحربية والنقل إلى مرحلة الخلق والابتكار وأبسط دليل أن جيوش العالم بدأت تأخذ عن المعركة كثيرًا من خبراتها ودروسها، وعلى سبيل المثال دشم مخابئ الطائرة المصرية المبتكرة منذ ما بعد يونيه اقتبس منها حلف الأطلنطى الكثير، واقتبس حلف وارسو إضافات الهندسة العسكرية المصرية فى مجال بناء وتصميم قواعد الصواريخ المضادة للطائرات، هناك أيضًا تطوير تعدد ممرات الطائرات وتصميمها وحمايتها، والاستخدام الثورة للمشاة الصاروخية والميكانيكى فى جبهة القناة أصبح نموذجا يحتذيه الجميع.


فالحرب لها تأثيرات ليس فقط فى الجوانب العسكرية والنظريات الاستراتيجية، وإنما كذلك فى توازنات القوى العالمية ومناخ السياسة الدولية وحسابات الصراعات الدولية وزلزلت كثيرًا من المعتقدات السائدة فى كل المجالات السياسية وحطمت كثير من الأوهام التى عششت طويلًا ليس فقط فى عقل العدو ومعسكره، بل وفى عقولنا وأصدقائنا كذلك.


العرب و٦ أكتوبر


يؤكد الكاتب على أن نصر أكتوبر بمثابة بداية عصر النهضة العربى المحدث بعد تلك العصور المظلمة بعد يونيه ١٩٦٧، لقد رد هذا اليوم اعتبار العرب فى العالم وأعاد إقامة تاريخهم على قدميه بعد أن كان قد انكفأ على وجهه ثم انقلب على رأسه.. هو بداية مسبقة للقرن الحادى والعشرين فى تاريخهم الحضارى، بشرط استكمال المعركة والنصر.


«حرب أكتوبر هى أول انتصار عسكرى حقيقى يحرزه العرب فى العصر الحديث»، كما قال الجنرال بوفر.


«هذه الحرب نقطة تحول تبشر بنهاية عصر التدهور العربى، الذى دام أكثر من خمسة قرون» هكذا قال الكاتب الأمريكى إدوارد شيهان عن أكتوبر.


على المستوى الوطنى فإن معركة أكتوبر قد شهدت تلاحم خيوط الوحدة الوحدة الوطنية، القاعدة والقيادة، الشعب والجيش، الجبهة الداخلية والميدانية، كما لم يحدث قط من قبل فى تاريخ الصراع.


الحرب هى النار التى تصهر الوحدة الوطنية والنصر هو الأسمنت الذى يلحمها بعد ذلك، أما السبيكة التى صبت وصقلت فخرجت من المطهر صافية نقية من كل الشوائب فهى الشعب بكل أصالته، والكل هو فى النهاية البوتقة العظمى المقدسة، التى نسميها الوطن.


وعلى المستوى العربى، فمع انطلاق المعركة حتى انطلقت الأمة العربية بأسرها فى مد قومى طاغ أذهل حتى العرب أنفسهم.


لقد جاءت المعركة أعظم بوتقة لحقيقة العروبة وجوهرها الأصيل فبرزت القومية العربية حقيقة واقعة ملء السمع والبصر والوجدان والميدان أيضًا.. ذابت الجميع فى جبهة حرب واحدة طولها القومية وعرضها الوحدة، وخارج جبهة القتال وإلى جانبها، فتحت جبهة البترول، فبدأت دول البترول العربية حربًا حقيقية، حرب البترول، بإرادة ذاتية ودون ضغوط من الأشقاء بدأتها، فكانت عونا لنا وعوانًا على الأعداء وأنصاف الأعداء وأرباع الأصدقاء من أدعياء الحياد واللامباليين.


لقد نجحت المعركة فى تسييس البترول وتحويله من سلاح اقتصادى بحت إلى سلاح سياسى مسلط حاسم وجبار.


المعركة أثبتت فدائية المقاتل العربى واستبساله واحترامه وقدرته.. هذا عما فعلته أكتوبر فى الإنسان العربى المقاتل، أما ما حققته على مستوى السياسات العربية فلأول مرة حارب عرب ٦ أكتوبر وهم من يصنعون التاريخ بعد أن ظلوا طويلًا لعبة التاريخ، وتحولت المنطقة من منخفض سياسى إلى منطقة ضغط سياسى مرتفع مؤثر وفعال.


وحل الاحترام والتقدير والإعجاب بالعرب عالميًا، وعروض المشروعات التنموية والمشاركة تنهال على العرب من الغرب وزيارات القادة العالميين للعرب بعد هذه الحرب بعد أن كانت الوجهة هى إسرائيل.


وأيضًا توسع العالم العربى، حيث انضم له دولتان هما موريتانيا والصومال انضمتا للجامعة العربية بعد انتصار أكتوبر.


(آخر الحروب)


وماذا عن تأثير الحرب على العدو يقول حمدان: إنه بعد ٦٧ أصيبت إسرائيل بجنون العظمة وغرور القوة وأصبحت تعربد فى المنطقة كيفما شاءت إلى أن جاءت الساعة الثامنة والدقيقة الخامسة من مساء ٦ أكتوبر، الذى جعل هذا الصرح الشاهق من البارانويا السياسية قد انهار وتقوضت أسسه وجذوره وانهارت الأسطورة وبناتها مرة واحدة فى ٦ ساعات تاريخية غيرت وجه التاريخ، نسفت الماضى بكل سوالبه ونسجت المستقبل بكل آماله، لهذا كان لابد أن يعد ٦ أكتوبر نقطة التحول العظمى فى تاريخ الصراع العربى- الإسرائيلى جميعًا، فإسرائيل قامت على القوة العسكرية وهى شرط البقاء لها وبغير القوة تفقد إسرائيل صميم وجودها.


أنهت حرب أكتوبر «أسطورة إسرائيل التى لا تقهر» وأدخلتها فى أزمة سياسية وتصدعات داخلية وسقط ديان نهائيًا وإلى الأبد، كما أن الميزان النفسى أصبح لصالح العرب، كما أن الحرب دمرت اقتصاد إسرائيل وانهارت نظرية الأمن الإسرائيلى القائمة على التوسع، حيث نالت إسرائيل صدمة كهربائية صاعقة مدمرة.. أثبتت المعركة أن الأمن ليس بالأرض وأن الأرض ليست بالقوة وأن القوة ليست بالسلاح وأن السلاح لايفرض السلام، كما أن السلام لا يُفرض.