لحظات لا تُنسى

05/10/2016 - 1:38:11

بقلم: فريدة الشوباشى

كنا فى باريس عام ١٩٧٣ زوجى الكاتب الراحل على الشوباشى وابننا نبيل وأنا،،وكانت فى زيارتنا شقيقتى فايزة..لم يخرج أى حديث للمصريين ،منذ هزيمة يونيه،عن «يوم الثأر واستعادة الأرض..وبينما الحوار ساخن ومتدفق رن جرس التليفون،ورفع على السماعة،وإذ بوجهه يصبح فى لون الدم وهو يردد،بالفرنسية، «نعم» أو بتساؤل : فعلا؟.. ثم يمتقع وجهه بصورة مفزعة..استمر المشهد بضع دقائق وعيوننا معلقة بتعبيرات وجه على ونحن نسأل بلهفة: إيه.. فى إيه؟..


لمعت عيناه بالدموع وهو ينطق بكلمة طال انتظارنا لها،بالكلمة السحرية التى جعلت دقات القلب تتسارع وكأنها ترقص فى فرح صاخب  ،..»عبرنا !».. ثم انتفض خارجا للالتحاق بوكالة الأنباء الفرنسية التى كان يعمل بها واستدعته من يوم عطلته لمتابعة الحدث الهائل..انفجرت أنا فى نوبة بكاء حاد،وصاحت أختي: انتى بتعيطى ليه ؟..مش ده اليوم اللى كنتى بتتمنيه؟..استمرت نوبة البكاء الذى لم أعرف وصفها حتى الآن،حادة إلى حد لم أعهده فى حياتي،هل هى لأن الفرحة بالعبور لا تعادلها فرحة فى الوجود وربما انفردت بالأمل فى نجاح العبور والخوف ،لا قدر الله،من إجهاضه؟..ربما.. هرعنا نحو التليفزيون نتابع الخبر الذى تصدر كافة النشرات وفى جميع القنوات..الجيش المصرى عبر القناة وحطم خط بارليف ،الذى وصفته إسرائيل بأنه عصيٓ حتى على القنبلة النووية.!!.كان هناك شبه إجماع فى وسائل الإعلام الفرنسية ،و «تحليلات الخبراء» على أن العبور لن ينجح فى تحقيق أهدافه وأن «هزيمة عربية !؟» ترتسم فى الأفق !!! لم أكن أنام سوى ساعات قليلة وأنا أتابع بكل كيانى تطورات الوضع،إلى أن بدأ الاعتراف بالتسرع فى التنبؤ بفشل القوات المصرية ،والعربية ،إشارة إلى القوات السورية،فى اقتحام خط بارلييف وتخطى القوات الإسرائيلية فى الجولان..توالت التحقيقات الصحفية وريبورتاجات التليفزيون ،لنقل الوضع،فأجرى أحد كبار المحللين السياسيين وأظنه،جان بيير جولان،فى اليوم السابع للحرب،نقدا ذاتيا على الهواء وهو يعترف بأنه ،تشكك فى البيانات العسكرية المصرية،ظنا منه أنها نسخة مكررة من بيانات ٦٧ ،وأبدى البعض دهشته من كون شوارع القاهرة مكتظة بالمصريين والمحلات مفتوحة،وكأنه لا حرب هناك،بينما ،شوارع تل أبيب شبه خالية من المارة،وظهر رجل إسرائيلى يبكى أمام كاميرات التليفزيون..واحدة من أكبر المجلات الفرنسية كتبت على لسان إسرائيليين ،وقعوا فى الأسر ،»لقد عاملنا السوريين ببسالة ووحشية ،وعاملنا المصريين ،ببسالة وفروسية،وذلك بعد أسابيع عدة من العبور..لقد كنا نلتقى مع مصريين وعرب فى عاصمة النور ولا حديث لنا إلا ،محو آثار الهزيمة،والتى هزمناها مبدئيا ،بالفعل   مساء التاسع من يونيه ،عندما رفضنا إملاءات أمريكا وإسرائيل وتمسكنا بقيادة عبد الناصر ..وكنا ندرك ،أن مساء التاسع من يونيه ،هو أول خطوة فى طريق العبور والبداية الواضحة لحرب الاستنزاف الأسطورية،والتى قال عنها مسئول إسرائيلى كبير فى المخابرات،وذلك فى منتصف التسعينات ،بأنها الحرب «الأشرس والأطول والأوجع» من كل الحروب التى خاضتها إسرائيل مع العرب..وأعتقد أن خروج الشعب بالملايين مساء التاسع من يونيه ،مزق مشروع تفتيت مصر ،ومن ثم تركيعها واستسلامها،وتتويج إسرائيل على عرش الوطن العربي،حيث لو لم يخرج هذا الشعب بملايينه، لا كانت حرب الاستنزاف ولا كان  العبور،بل، لا قدر الله،كان مخططا أن يكون نتنياهو أو غيره من رؤساء إسرائيل ، فى القصر الرئاسى المصري.!! إنه نفس الشعب الذى ثار فى الثلاثين من يونيه،ومزق ما سُمى بمشروع الشرق الأوسط الكبير،والذى اقترحه وزير الخارجية الأمريكى الأسبق،هنرى كيسنجر عندما أعلن بكل صفاقة:إن أكبر ضمان لبقاء إسرائيل فى المنطقة العربية ،هو تفتيت المنطقة إلى دُويلات عرقية وطائفية !!..لقد ظل الأعداء يعزفون على «دونية» الشعب المصرى ويتحدثون عن هزيمة يونيه ،وكأنها آخر المطاف دون أدنى إشارة إلى العبور الذى أوقع زلزالا مدمرا فى إسرائيل وأزاح فى طريقه أكذوبة الجيش الذى لا يُقهر !!..وكذلك يتصنع هؤلاء ،الحسرة،وكأننا الدولة الوحيدة التى تعرضت لهزيمة عسكرية فى العالم،ولم تتجرع الهزيمة دول كبرى مثل ألمانيا وفرنسا وأمريكا واليابان وغيرها..فى ذكرى العبور العظيم فى أكتوبر عام ٧٣ ، تحية للجيش المصرى الذى خرج من رحم شعب ،عبر فى الآونة الأخيرة ، ثلاث مرات..مرة بعبور  الهزيمة فى يونيه  ٦٧ وبعدها عبور القناة فى ٧٣ الذى أعاد لمصر الكرامة الوطنية ،وكذلك العبور الأسطورى لإفشال مخطط  تفتيت مصر،الشيطاني، فى يونيه ٢٠١٣