السادس من أكتوبر ٧٣.. ذكريات.. ثم واقع

05/10/2016 - 1:36:30

بقلم - أمينة شفيق

لم أكن فى القاهرة فى السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣،


كنت فى زيارة لسوريا بدعوة من المعهد العربى للثقافة العمالية، كانت حركة الثقافة العمالية نشطة فى كل البلدان العربية فى ذلك العقد، وفى يوم السادس من أكتوبر تحديدا كنت إحدى ركاب أتوبيس ينقل المسافرين من دمشق إلى اللاذقية، كنت قد زرت دمشق عدة مرات فى السابق، ولكنى لم أكن قد زرت مدينة اللاذقية الساحلية ذات التاريخ المعروف، كنت راغبة فى زيارة اللاذقية وتحديدا لأقطع الطريق الجبلى الذى لابد لأى مسافر أن يقطعه لزيارة قلعة صلاح الدين فى اللاذقية، كنت أعرف أن صلاح الدين الأيوبى قد شيد ثلاث قلاع، واحدة فى اللاذقية والثانية فى جزيرة فرعون فى خليج العقبة ثم الثالثة على جبل المقطم فى القاهرة، هذه القلعة التى نتباهى بها وبمعمارها وبمآذنها.


وتعبر القلاع الثلاث بمواقعها عن العبقرية العسكرية لهذا القائد الكردى الأصل.


كان الطريق من دمشق إلى اللاذقية يقطع فى حوالى ست ساعات، يمر من خلالها بجزء من الأراضى اللبنانية ثم بعدد من البلدات السورية الزراعية، ولأن المسافة تستغرق كل هذا الوقت أغمضت عيناى واستسلمت لذلك النوم الذى تتخلله وتقطع تواصله النشرات الإخبارية والأغانى السورية الصادرة من المذياع الذى صمم السائق الإبقاء عليه منطلقا وبصوت عالٍ.


وفجأة استيقظت على «زغرودة» سورية، «زغرودة» ممتدة معروفة لأذنى منذ فترة الوحدة بين مصر وسوريا، تنطلق من سيدة تجلس مع عائلتها فى مؤخرة السيارة، ثم وجدت الركاب يتحركون نحوى يحتفون «مبروك يا مصرية.. مبروك»، لم أكن قد تنبهت للخبر الذى انطلق من مذياع السائق والذى حمل إلينا البيان العسكرى الأول الذى أعلن عن عبور القوات العسكرية المصرية القناة وبدء الاشتباكات الهجومية المصرية حول خط بارليف، منذ تلك اللحظة حتى وصولنا إلى اللاذقية لم تهدأ حركة الركاب الذين استمروا يرقصون وتزغرد نساؤهم ويهتفون بحياة حافظ الأسد وأنور السادات.


لحظتها أحسست أن كل الغضب المختزن فى صدرى قد زال، مسح خبر العبور ذلك الغضب وشعرت أنى فى أشد الحاجة للتواجد فى القاهرة وفى مؤسستى الصحفية التى أعمل بها ومع زملائى فى نقابة الصحفيين ومع أعضاء مجلسها الذى كان يرأسه الراحل النقيب الصحفى الكاتب عبد المنعم الصاوي.


لم يكن الغضب لأسباب شخصية، وإنما كان لأن الرئيس السادات قد أقدم فى بداية عام ١٩٧٣ على عزل ٦٤ صحفيا وكاتبا من عضوية الاتحاد الاشتراكى العربى وإحالتهم إلى التقاعد، من بين هذا العدد من الصحفيين والكتاب خمسة أعضاء منتخبين فى مجلس النقابة، وكنت منهم، ومعهم عدد من أعمدة الصحافة المصرية، أحمد بهاء الدين، ود. لويس عوض، وأحمد عبد المعطى حجازي، وأحمد حمروش، ولطفى الخولي، ويوسف إدريس، وعادل حسين، وصلاح عيسى، ومحمد سلماوي، وعايدة العزب موسى، ومحمد عودة، وآخرين، صحفيون وكتاب من كل التيارات السياسية بحجة مساندتهم لحركة الطلبة التى اندلعت فى جامعة القاهرة مطالبة بتحرير سيناء.


كنت أعلم فى ذلك اليوم، السادس من أكتوبر ١٩٧٣، أن السادات قد أصدر قرارا بالعفو عن الكتاب والصحفيين وعودتهم إلى أعمالهم فى مؤسساتهم فى الثامن والعشرين من سبتمبر، ولكنى كنت لا أزال أشعر بكم من الغضب من قرار العزل والإحالة إلى التقاعد، لم يكن غضبى قد زال نهائيا خاصة أن السادات كان قد لقبنا بـ «الفاسدين والمنحرفين».


فى لحظة سماعى خبر العبور ثم التفاف المسافرين حولي، شعرت بحالة تسامح مع ذاتى ومع رئيس الدولة ومع الحكومة ومع كل أحبائى وغير أحبائى من المصريين، وتوجهت إلى مرافقى فى الرحلة وطلبت منه أن أتجه إلى القاهرة بدلا من اللاذقية، فاعتذر لأن مطار القاهرة مغلق أمام حركة الطيران المدنية وطلب منى أن أنهى رحلتى للاذقية فى يومين بدلا من أربعة، ثم اتجه إلى دمشق انتظارا للتوجه إلى القاهرة، قضيت يومين فى المدينة الساحلية فى الفندق وبجانب المذياع وفى حوارات مطولة مع القائمين فى فرع المعهد فى اللاذقية، ولم يكن لى حظ زيارة قلعة صلاح الدين التى كان لى حظ زيارتها عام ١٩٩٩.


بعد يومين وصلت إلى دمشق ومنها إلى بيروت ثم إلى بنى غازى بالطائرة لأتجه الى القاهرة فى سيارة قادها سائق ليبى لمدة أربع وعشرين ساعة متواصلة، كانت حركة الطيران فى مطار القاهرة لا تزال متوقفة.


وجدت القاهرة كما تركتها قبل خمسة عشرة يوما، حياة عادية للغاية، القاهريون منتظمون فى أعمالهم العادية، وفى حركتهم فى الشارع، ولم أجد أى ضجيج أو ارتباك فى حركة النقل والمرور، كل الذى لمحته هو ارتفاع فى «بونديرة» التاكسي، تركتها تبدأ بستة قروش وعند وصولى من دمشق وجدتها ارتفعت إلى اثنى عشر قرشا، عرفت أن الأسعار تحركت، وتأكدت من ذلك بعد وصولى إلى بيتي، أبلغنى زوجى بالتحريك الذى أدخل على كل السلع الأساسية.


وعندما سألت زوجى عن رد فعل الشعب أجاب « تقبلناها، إحنا فى معركة مصيرية.. الناس تحركت بكل هدوء واقتناع، هو تحرير الأرض ببلاش».


بعد جلسة قصيرة مع أسرتي، استأذن زوجى للذهاب إلى نقابة الصحفيين للمشاركة فى أعمال ونشاطات وأعمال مجلس النقابة، كان الراحل عبد المنعم الصاوى قد استجاب لاقتراح تقدم به عدد من الصحفيين للمساهمة فى المعركة، فأصدرت النقابة جريدة اسمها «المعركة» من ورقتين كتب فيها كل الصحفيين والكتاب وخاصة الذين كانوا قد عزلوا سابقا وأحيلوا للتقاعد وكانت توجه يوميا إلى الجبهة، كانت «المعركة» تعكس ذلك التصالح الوطنى الذى تم بين الرئيس السادات وبين نقابة وجموع الصحفيين بعد صدور قرار العودة عن قرار العزل والإحالة للتقاعد فى سبتمبر.


عند خروج زوجى قلت له «خذنى معاك، ولكن على الأهرام»، جريدتى التى حرمت من العمل بها طوال فترة عزلى السياسي، كنت بالفعل فى غاية الشوق لدخولها ورؤية زملائى وزميلاتى الأهراميين، فى طريقى من المنزل إلى الجريدة كنت كثيرة التحدث مع البشر العادى لأتعرف على آثار تحريك الأسعار على السوق المصرية وعلى المستهلك المصري، لم تكن أسئلتى تغرى رجل الشارع أو تشجعه على الرد، كل الذى أتذكره أن أحد المارين الذين وجهت إليهم سؤالى رد على «مش حرب تحرير، يعنى نحارب ببلاش»، وهو نفس المعنى الذى تلقيت مضمونه من زوجى عندما كنت فى المنزل، اتجهت إلى جريدتى وعند دخولى إلى المبنى الرئيسى للجريدة لم ينتبه أى زميل أو زميلة إلى وجودي، فالمعركة والعبور ثم إشاعات الثغرة كانت شاغلهم الشاغل.


اتجهت إلى الجريدة وتوجهت مباشرة إلى مكتبة المراجع فى الدور الرابع، ومكتبة المراجع هى المكتبة التى تضم القواميس ودوائر المعارف وكافة الصحف والمجلات المصرية والعربية والأجنبية التى يحتاجها الصحفى فى عمله اليومي.


عدت إلى أعداد الأهرام لأول مرة منذ بدأت المعركة وبدأت أدقق فى قراءتها، من أهم ما لفت انتباهى كان ما نشر وكان لا يزال ينشر عن نشاط السيدة جيهان السادات فى المستشفيات العسكرية للتحية والاطمئنان على الجنود المصابين فى المعركة، قامت السيدة جيهان بحركة مكوكية غير مسبوقة من حرم رئيس الجمهورية، وتأكدت من استمرارية هذه الحركة عندما اتصلت بالراحلة الزميلة الصحفية انجى رشدى للتأكد من رأيي.


لم أتلقَ ردا على مكالمتى التليفونية للزميلة ففهمت أنها فى عمل خارج المنزل.


لقد كانت الزميلة ترافق السيدة جيهان السادات فى حركتها المكوكية فى المستشفيات وحول أسرة الجنود المصابين مرتدية «البالطو» الأبيض الذى يرتديه أطقم الأطباء وكذلك الممرضون، وفى حدود ما أتذكر أن الدكتورة زينب السبكى الأستاذة الجامعية والمسئولة عن بنك الدم المصرى من المرافقات الأساسيات للسيدة حرم رئيس الدولة حينذاك، وكما توقعت كانت الزميلة انجى رشدى مندوبة الأهرام فى هذه الجولات التى تبدأ صباحا لتنتهى عند غروب كل يوم.


والآن وبعد ثلاثة وأربعين عاما من معركة السادس من أكتوبر أذكر ملاحظتين»:


الملاحظة الاولى أن موقف الشعب من تحريك الأسعار عام ٧٣ وفى إطار معركة تحرير الأرض اختلف كثيرا عن ذلك الموقف الذى سجله ذات ونفس الشعب، عندما حرك السادات الأسعار عام ١٩٧٧، فى عام ٧٣ لم يحتاج السادات أى جهد لإقناع الشعب بضرورة تحريك الأسعار، وبعد أربع سنوات من التحريك الأول ثار الشعب على رفع الأسعار، وقيل إن السادات تصور أن رصيده الوطنى الذى تكون من حرب التحرير لا يزال موجودا، وأن الشعب لا يزال يتصور أن معركة تحرير الأرض لا تزال مستمرة، لم يلاحظ السادات أن تغيرات اجتماعية حدثت وأخذت الشعب المصرى بعيدا عن موقفه المؤيد الأول.


الملاحظة الثانية الخاصة بتلك التغيرات الجذرية التى حدثت فى الساحة السورية، فى عام ١٩٧٣ علمت بأخبار عبور القوات المسلحة المصرية للقنال وأنا فى طريقى من دمشق إلى اللاذقية، أما الآن وبعد مرور ثلاثة وأربعين عاما على رحلتى هذه، أتابع الحرب الدائرة فى الوطن الشقيق كما أتابع خروج السوريين فى مئات الآلاف من الجموع نازحين من بلادهم متجهين إلى حيث يجدون الطعام والسكن والأمن.


أتابع كل ذلك وأتساءل هل نتعلم من أخطائنا كقادة وكسياسيين؟.