الدكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع السياسى والعسكرى ... حزينة لأن الجيل الحالى لا يعرف قيمة أكتوبر

05/10/2016 - 1:34:51

حوار : فاطمة قنديل

لم يكن تحقيق النصر فى حرب أكتوبر ١٩٧٣ بيد الجيش فقط ، صحيح أنه كان الضلع الأقوى والأساسى فى تحقيق هذا النصر على أرض الواقع ولكنه كان يستمد هذه القوة من الشعب المصرى الذى كان متضامنا ومتوحدا معه صانعا بداخل أفراده روحا كلها إصرارعلى تحقيق النصر وتحرير الأرض من العدو بأى الثمن حتى لو كانت أرواحهم هى ذاك الثمن .
وأهم عنصر فى هذا الشعب هو الشباب بمن فيهم من قوة وحماس مثلوا ظهيرا قويا مساندا للجيش حينها ، ولكن هل يُقدر الشباب الآن حجم النصر الذى تحقق فى ٧٣ ، وما أشبه الليلة بالبارحة فهل يعى دوره الآن ويقوم به بما أننا فى حالة حرب فعلية لا تقل عن حرب ٧٣ .
تجيب عن هذه الأسئلة الدكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع السياسى والعسكرى بكلية الآداب جامعة الزقازيق


بداية صفى لنا حال الشباب أثناء حرب أكتوبر ودورهم فيها ؟


الفترة منذ هزيمة ٦٧ وحتى حرب ٧٣ كانت فترة غنية جدا فى حياة الشعب المصرى والانتصار لم يبدأ فى أكتوبر ٧٣ ولكن بدأ فى معركة رأس العش التى وقعت بعد ٥ يونيه ٦٧ بأسبوعين وتلتها حرب الاستنزاف التى كانت عبارة عن ملحمة ومقدمة طويلة رائعة للنصر فى حرب ٧٣ .


وأتذكر أنه منذ عام ١٩٦٧ وحتى ١٩٧٣ كل من تم تجنيده من الشباب خدموا فى الجيش ٦ سنوات كاملة حتى من كانوا حاصلين على درجة الماجستير والدكتوراة ، وكان هناك إقبال كبير جدا من الشباب على الالتحاق بالتجنيد للمشاركة فى الحرب انطلاقا من شعورهم بالمسئولية تجاه وطنهم ، وخلال هذه الفترة لم تُسجل حالة واحدة للتهرب من التجنيد .


أما بالنسبة للبنات فمن بعد هزيمة ٦٧ مباشرة كانت بنات الجامعة يذهبن لطلب التدريب على إطلاق النار والرشاشات ومدفع بورسعيد وصُنع القنبلة المولوتوف وكانت معنا فى التدريب الفنانة صفاء أبو السعود حيث كانت وقتها طالبة فى معهد السينما.


كنا كشباب سواء ذكورا أو إناثا نسعى للمشاركة فى الحرب بأى طريقة وقررنا الوقوف فى ظهر الجيش كجيش شعبى يتقن فنون القتال ، وتم اختيار ملاعب كلية الزراعة بجامعة القاهرة كمقر للتدريب وتم تدريبنا على مدفع الكلاشينكوف وعلى القنبلة المولوتوف الذى كان يسمى “مدفع بورسعيد” وتم اختبارنا بالذخيرة الحية وكنا حريصين على النجاح وإثبات الجدارة .


فى هذه الفترة كنا نعيش حالة كبيرة جدا من الثقة فى أنفسنا وفى جيشنا رغم المساحة الجغرافية التى استولت عليها إسرائيل فى سيناء وتهجير مدن القنال لكن المجتمع المصرى كان متماسكا ومتلاحما مع الجيش بدرجة كبيرة جدا لدرجة أن الجيش نفسه أصبح يتمنى تحقيق أمنية الشعب فى الحرب واسترداد الأرض.


ما السر فى هذه الروح وتأييد الشباب والشعب للجيش؟


هذا تاريخ حى معاصر ورأيناه بأنفسنا فى فترة الحرب بحيث كانت هناك حالة ذوبان كامل بين الجيش والشعب لدرجة أنه فى الشارع الذى كنت أسكن فيه بالعباسية فقدنا طبيبا كان مجندا ومازال مفقودا حتى الآن وكان عندنا شخص آخر أسير ، جميع شباب الشارع كانوا يجلسون كل ليلة لكتابة خطابات وإرسالها للأسير عبر الصليب الأحمر ، فى هذه الفترة كنا نعيش حالة من الحماس والتى أشعلتها فينا بشكل رئيسى أغانى صلاح جاهين التى كانت ترصد كل جرائم إسرائيل من أول مدرسة بحر البقر وأغنية شادية الدرس انتهى لموا الكراريس حتى مصنع عمال أبو زعبل.


وأغانى ٧٣ كان فيها فرح شديد وتعبيرها عن الفرح كان عاليا جدا مثل أغنية عبد الحليم للأبنودى صباح الخير يا سينا رسيتى فى مراسينا وكل شغل الفن كان الحرب والفن وحالة البهجة التى عمت الأمة وكانت حالة يندر أن تعيشها الشعوب .


وكان كل شخص سواء على مستوى القيادة أو على مستوى الجندى أو على المستوى الشعبى جميعهم فى حالة من التوحد حين رأيناه نحن اطمأننا أكثر لأن هنا الحرب كبيرة ونحن نعلم أنه ليست إسرائيل فقط هى التى تضربنا ولكن كانت إسرائيل وما وراء إسرائيل كما كان يقول الرئيس جمال عبد الناصر ، وعندما توقفت الحرب وتم عمل هدنة والتفاوض مع إسرائيل كان المصريون فى حالة من الغضب شعبا وضباطا وجنودا ضد فكرة التوقف وعلينا أن نستمر حتى لو أخدت سنين.


والآن عندما تحدث حرب فى مكان ما الناس تهرب من هذا المكان إلى مكان آخر فى حين أن بعد هزيمة ٦٧ وحتى حرب ٧٣ عبد الرحمن الأبنودى ذهب إلى السويس وأقام فيها وعمل ديوان “وجوه على الشط” .
وهنا لابد أن نذكر أنه فى هذه الفترة اختفت الجرائم مثل السرقات وغيرها لأن حتى المجرمين كانوا يشعرون بالمسئولية تجاه وطنهم وهذا له تفسير فى علم الاجتماع السياسى أنه عندما تكون الجماعة فى خطر تزول أية خلافات ويكون هناك نوع من التوحد على المصير المشترك وهذا ما نطلق عليه الضمير الجمعى يكون فيه الفرد أكثر ذوبانا فى لحظة الخطر .


والضميرالجمعى نحن جميعا نحاول أن نرضيه بأفعال طيبة وحتى المنحرفين عنه مثل اللصوص فى هذه اللحظة يكونون فى قلب الضمير الجمعى ويتفادوا أنانيته المعتادة وتذهب عنهم كل سمات الأنانية والشريرة وتنتهى الفردية وتبدأ الجماعية وتصبح الناس حريصة على أن تحقق ما تراه الجماعة بمنتهى التلقائية وبدون أى توجيه .


وإذا رسمنا الضمير الجمعى على هيئة دائرة مثلا ولها مركز فى المنتصف وهو الجيش ونحن متناثرون على الدائرة ومواقعنا مختلفة ولكن أكثر الناس التصاقا بقلب الضمير الجمعى هو الجيش وفى نقطة الارتكاز يقع الشهيد الذى تنتفى تماما فرديته ويذهب لنقطة أننى لست مهما والمهم هو أن تستمر الكتيبة وأن المجتمع يكون فى أمان وعلى سبيل المثال رأينا بعض الطائرات وهى تسقط تبتعد عن المناطق السكنية وهم يموتون لأنهم يشعرون بالمسئولية حتى أثناء موتهم كما رأينا أيضا العام الماضى الجندى البطل محمد أيمن شويقة الذى حضن الإرهابى وانفجرا معا .


فى رأيك هل الأجيال الحالية من الشباب تعى جيدا الحجم الحقيقى لنصر أكتوبر أم لا ؟


هذا السؤال يمس الجرح بصورة كبيرة ومباشرة ، فنحن الآن نتحدث عن ٦٧ و٧٣ نمارس إحياء للذاكرة ، وأنا أحكى ذاكرة المجتمع من خلال ذاكرتى الفردية لأننى كنت شاهدة على هذا العصر ، ولكن للأسف من السبعينيات وبعد الحرب بدأت تسقط فرصة إحياء الذاكرة وكان هناك تعمد فى ذلك بحيث قالت إسرائيل للرئيس السادات “من تحت الترابيزة” فى الجلسة التى تمت فى كامب ديفيد أن هناك أغانى تحرض على الحرب ونحن الآن نوقع معاهدة سلام وهذه الأغانى تشعل حماس المصريين ضدنا وطلبت منه أن يكُف عن إذاعة هذه الأغانى الوطنية وهو ما حرم جيلا كاملا من ١٢٥٠ أغنية وطنية كانت فى حد ذاتها كنزا لأن الأغنية الوطنية تثير حماس الشعب وتوحده وتعتبر سجلا تاريخيا ووثائقيا وكانت تقوم بدور تربوى أيضا ، وعندما ألغيت ألغى معها أيضا فرصة الإنسان البسيط الذى لم يذهب لمدارس ولم يتعلم وكان يتعلم من هذه الأغانى“.


وليس ما سبق فقط بل وتغيرت مناهج التعليم ومناهج التاريخ وألغيت التربية الوطنية ، “ وعندما وقعنا معاهدة السلام أصبح الحديث فى المناهج الدراسية عن الهزيمة فى سطر والانتصار فى سطر وعن معاهدة السلام فى ١٠ سطور بحيث أصبحنا نُعظم من المعاهدة ونتجاهل النصر العظيم الذى بدونه لم نكن حررنا أرضنا ، إذآ حذفنا الذاكرة من الأجيال الجديدة ليس فقط الذين أعمارهم ١٨ سنة ولكن حتى الذى عمره ٤٠ لا يعى حجم حرب أكتوبر الحقيقى ، فضلا عن إعلام متراخ وبائس ساهم أيضا فى تشويه الذاكرة .


ولى كتاب بعنوان “الذاكرة الاجتماعية” يتناول كيف يتم عمل ذاكرة لمجتمع من المجتمعات وعلى سبيل المثال أوربا كانت تصنع ذاكرة ملفقة وتدعى أن لديها أبطالا وتذكر بطولات وهمية والأخطر أن فى أوربا كانوا ينعشون الذاكرة الملفقة والمزورة وإسرائيل كانت تصنع ذاكرة عكسية وتصنع أبطالا وماضيا وهميا غير موجود من الأساس لكى تعمل كيانا قوميا ، كما أن كل دول أوربا كانت فى أول الأمر شراذم متفرقة وبريطانيا أصبح اسمها المملكة المتحدة وتم جمع فيها إيرلندا وبريطانيا وأسكتلندا وهؤلاء لم يكونوا متحالفين بل كانوا «مقطعين بعض» ويقتل بعضهم بعضا ولكن بذكائهم صنعوا حالة من القومية وصُنع ما يسمى بسائل التجانس بالتعليم المشترك فى بريطانيا كلها والنشيد الوطنى المشترك وألمانيا عملت ألمانيا فوق الجميع ، إذن نرى أوربا تصطنع الوحدة والتجانس الثقافى والقومى لكى يكون لديها فى النهاية مواطن ينتمى للوطن كله .


أما نحن فنسير عكس الاتجاه بالرغم من أن سائل التجانس فى الأصل موجود من الدين الإسلامى ومن الثقافة العربية والأبطال الوطنيون موجودون بالفعل ولكننا نجفف هذا السائل ، وأنا أرى أن ذلك جريمة أكبر بكثير من أى هزيمة لأن هذه جريمة فى قلب الأمة وفى جهاز مناعتها .


ومنذ توقيع كامب ديفيد وحتى الآن أين دور الدولة فى إحياء هذه الذاكرة وتوصيلها للأجيال الجديدة ؟


عندما جاء حسنى مبارك للحكم «وكان الخط مايل من قبله» أكمل هو أيضا فى هذا الاتجاه المائل ولم يلتفت أحد إلى تغيير المناهج الدراسية ولا استعدال هذا الاتجاه وظلت الذاكرة تُضرب منذ ذلك الحين وحتى الآن ، وعلى سبيل المثال عندما رأينا الشباب فى ثورة ٢٥ يناير أو فى ٣٠ يونيه نفرح جدا لكننا نعلم جيدا أنه بكلمتين سيكشف حجم الضحالة الفكرية والذاكرة “المضروبة” .


بل والأكثر من ذلك أننا كان لدينا طبقة وسطى ووجودها مهم فى أى مجتمع لأنها تقوم بدور تربوى وتكون قيمها هى السائدة فى المجتمع وهى التى تسيطر على التعليم والمدرس والضابط وعلى الطبيب والمهندس والصحفى...إلخ كل هؤلاء أبناء الطبقة الوسطى التى تسيطر على المجتمع بأكمله تربيه وتهذبه وترسم له خط الدين والتعليم ، هذه الطبقة ضُربت عقب حرب ٧٣ بقوانين الانفتاح سداح مداح “وجريت الطبقة الوسطى بعد ما اتخضت” لأنها ليست فقيرة لكى تقول” إيش يأخذ الريح من البلاط “ولا هى غنية لكى تكون مطمئنة بفلوسها
وعبد الناصر هو من جعلها مطمئنة وواثقة من نفسها بسياساته التى أنعشتها وجعلتها تمتد وتأخذ شرائح من الفقراء ومن الأغنياء حتى أصبحت عريضة وواسعة .
وفى الحقيقة فى كل مجتمعات العالم يهمها الطبقة الوسطى وأوباما طوال الـ٨ سنوات فترة رئاسته كان حديثه حول كيف نحافظ على الطبقة الوسطى التى يسمونها الحلم الأمريكى ، وفى مجتمعنا ضُربت الطبقة الوسطى فى مقتل وأخذت “بعضها وجريت على دول الخليج “ لتعمل ويأتوا بما يصنع الأمان الاقتصادى لهم وهذا كان له أثر قاتل فى المجتمع المصرى لأن الأسرة المصرية تفككت بحكم سفر الأب أو الأم أو الأثنين معا بالإضافة إلى أن الطبقة الوسطى هى التى كانت تربى المجتمع وتهذبه وتعمل الحالة الوطنية والذاكرة مما أدى إلى أجيال لا تعى حجم ذاكرة أمتها بما فيها الانتصارات العظيمة التى تم تحقيقها .


ماذا علينا أن نفعل لكى يصل للشباب الحجم الحقيقى لنصر أكتوبر؟


أولا الشباب متعطش للمعرفة وعلينا جميعا أن نقدم لهم هذه المعرفة وكثيرا ما ألاحظ أن البعض يغير فكرته حينما تأتيه معلومة حقيقية ويكون الحديث من القلب وأغلب الشباب إذا سمعت كلاما له قيمة ستؤثر فيها .


وعندما يذهب الباقون من جيل أكتوبر من ينقل عظمة هذا النصر للأجيال القادمة ، وبما أننا فى حالة حرب الآن لا تقل أهمية عن حرب أكتوبر.


كيف ننقل روح الشباب وتضامنهم وتوحدهم مع الجيش فى أكتوبر للجيل الحالى؟


هذا صحيح وأنا أدرس للشباب فى برنامج إعداد وتأهيل القادة موضوع بعنوان «الذاكرة والأمن القومى» لأن الذاكرة هى جهاز المناعة وقلت للشباب أننا نتقابل الآن فى محطة الزمن أنا الأمس واليوم وأنتم اليوم والغد وبحكم قوانين الزمن فرصتنا فى المقابلة هى الآن واليوم فى هذه المحطة لأننى أسير فى الاتجاه العكسى ولابد أن أقدم لكم كل ما أحمله أو لا يكون هناك أى قيمة لحياتى لأنه لا قيمة لأى جيل إن لم يعلم الأجيال التالية .


يجب تعريف الشباب وتوعيتهم من خلال قنوات معينة أهمها التعليم الذى ينقل لهم الوعى بالتاريخ وبالحرب إذا لابد من الاهتمام بمناهج التعليم والتاريخ ومن الممكن إضافة مواد جديدة مثل الثقافة الوطنية، وفى محتوى المنهج يتم وضع محتوى به كل الأفكار التى يجب توصيلها للشباب لكى يتفاعلوا معها ، بالإضافة إلى الإعلام ودوره لا يقل أهمية عن التعليم بل يزيد سواء الصحافة المكتوبة بمقالات الكُتاب والحوارات والتليفزيون والدراما التليفزيونية والسينما جميعها مصادر للمعرفة التى يتلقى منها الشباب معلوماتهم وطبعآ يتم عمل مواقع على فيس بوك وعلى يوتيوب باعتبارها مصدرا رئيسيا لدى الشباب الآن فى المعرفة . أيضا يتم الاهتمام بالأغنية بدلا من التفاهات التى يسمعها الشباب حاليا ، جيلنا كان يسمع ١٢٥٠ أغنية وطنية هى التى شكلت وجدانه وتوحده مع الجيش ، ولابد من وجود نشاط فنى فيه المسرحية والأغنية وكل مصادر الفن التى تنقل المعرفة غير الطريقة التقليدية وهى التدريس والمحاضرات وغيرها ، والأهم من ذلك هو أن نكون حريصين على من الذى سيقدم هذه المعلومات للشباب وقدرته على التوصيل بشكل جيد .


وأنا ضد إقامة الندوات فى ذكرى الحرب والاحتفال فى اليوم نفسه فقط ولكن يجب التهيئة طول السنة ويوم الاحتفال نترك الشباب يحتفلون بأنفسهم ، لأن الحوار فى الندوات شئ كريه جدا ولا يقبل عليه الناس إلا نادرا ولكن إذا أنجزنا فنا وموسيقى وعلما هذا أفضل كثيرا لأن هذا لا يكون موجها للشباب فى المدارس والجامعات فقط ولكن لجميع الشباب حتى الذى لا يذهب لمدرسة أو جامعة وغير متعلم مثل شباب العمال .


 



آخر الأخبار