الإسلاميون.. وحرب أكتوبر المجيدة

05/10/2016 - 1:32:53

بقلم: أحمد بان

فى تاريخ الصراع العربى الصهيونى تبقى محطة ٦ أكتوبر ١٩٧٣ العاشر من رمضان ١٣٩٣،نقطة فاصلة ترتفع فيها رايات المجد الذى رفع المصريين والعرب إلى عنان السماء ،بعد أول نصر حققه العرب على الصهاينة عبر تاريخ ممتد من هذا الصراع ،ورغم أن هذا اليوم هو مصدر عز وفخار لكل عربى ومصرى شهد هذا النصر أو عاشه أو حتى لم يكن من معاصريه ،من تلك الأجيال التى ولدت بعد النصر العظيم ،فإن الجميع يبدى اعتزازه بهذا النصر وقائده الرئيس الراحل أنور السادات ،الذى دخل التاريخ من أوسع أبوابه قائدا مظفرا أمسك باللحظة وحقق هذا النصر فى ظروف من عدم التكافؤ وفى محيط داعم لهذا الكيان اللقيط إسرائيل ،وصدق الله العظيم إذ يقول «وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله»


لكن هذا النصر الذى يعد محل إجماع ،تباين الإسلاميون فى النظر إليه بين من اعتبر الحرب مجرد اتفاق جرى بين السادات وكيسنجر لتمهيد الطريق للسلام ،وبين من شكك فى النصر واعتبره قتالا محدودا ،معتقدا أنه تم وقف الجيش عن التقدم قطعا للطريق عليه نحو مزيد من الانتصارات ،وتحرير فلسطين كل فلسطين من البحر إلى النهر ، شهدنا فى ذكرى مرور أربعين عاما على نصر أكتوبر المجيد وفى العام ٢٠١٣،كيف أصرت جماعة الإخوان على التظاهر فى هذا اليوم الذى يحتفل فيه المصريون بأول نصر على اليهود ،فلم تتحدث عن النصر على الأعداء فى هذا اليوم ولم تترك المصريين يهنأون بالاحتفال بتلك الذكرى الغالية ،بل رددت مظلوميتها الجديدة بتدشين مصطلح مجزرة ٦ أكتوبر، لتشوش على وعى المصريين انتصاراتهم القومية ،وربما كان استهداف الإخوان لتلك الذكرى محل تساؤل ،الأمر الذى لم يحول النصر فى الوعى الجمعى فقط إلى ذكرى حزينة ،بل يسعى فى وضوح لاستهداف الذاكرة الوطنية والقومية بذكريات تنسخ أعياد الأمة ومناسباتها، ليصبح التاريخ تاريخ الجماعة ومشروعها وليس تاريخ الوطن أو الأمة ، ليس سرا أن الإسلاميين لا يؤمنون بالوطن ويدعون إلى خلافة تتجاوز الأعراق والأجناس ،لذا يتسق مع منطقهم صياغة تاريخ جديد يطمس تاريخ الأمم والشعوب، ومفاصل هذا التاريخ ومحطاته المشرقة ،ليبقى تاريخهم الذى يعتبر رابعة العدوية محطة تتصل بغزوات الرسول ،والصراع بين الحق الذى يدعون تمثيله والباطل الذى نقف جميعا فى ساحته من وجهة نظرهم ،تلك النظرة الحدية التى تقسم العالم إلى أشرار وأخيار فسطاط إيمان وفسطاط كفر ،وهو ذات التقسيم الذى تؤمن به داعش وجسدت به تصورها عن الخلافة ،التى ترفع السلاح فى وجه كل الدنيا
يفضل الإخوان أن يعتبروا جمال عبدالناصر قائدا للهزيمة والسادات قائدا للنصر، فى إطار إخلاصهم لأحقادهم إزاء الرجل الذى فهمهم جيدا ونجح فى إنهاء خطرهم حتى رحيله ، لذا يبدو مؤرخوهم حريصين على ترسيخ هذا المعنى فى نفوس الكافة، يقول الضابط حسين حمودة من ضباط الإخوان فى كتابه أسرار حركة الضباط والإخوان المسلمين « هزيمة جيش مصر عام ١٩٦٧ونصر جيش مصر عام ١٩٧٣ حدثان هائلان أدهشا العالم المعاصر، وقد أخذ الباحثون العسكريون من الأجانب يفسرون أسباب الهزيمة النكراء التى لم يسبق لها مثيل فى تاريخ البشر منذ أن خلق الله الإنسان ( تأمل هذا الوصف الكاشف لما فى نفوسهم إزاء ناصر )، ويدهشون من النصر الرائع الذى حققه جنود مصر فى حرب رمضان أكتوبر ٧٣ العدو واحد (إسرائيل ) والشعب واحد ( شعب مصر ) والسلاح واحد فى الحربين ،سلاح سوفيتى مع جند مصر سنة ١٩٦٧ هزموا به شر هزيمة ونفس السلاح السوفيتى مع جند مصر ١٩٧٣ نصروا به نصرا لم يتوقعه أحد فى العالم ،لا الروس توقعوه ولا الأمريكان ولا الأوربيون ولا بنو إسرائيل ولا العرب ولا حتى بعض المصريين، والفترة الزمنية بين الهزيمة والنصر ست سنوات وأربعة شهور، وهى ليست بزمن فى تاريخ الشعوب وتحت أى مقياس علمى عصرى لا يمكن أن تكون النتائج كما حدثت « لم يأت الرجل على حرب الاستنزاف التى انطلقت بعد أقل من شهر من النكسة ،ولا على مشاهدها من معركة رأس العش أو إغراق المدمرة إيلات ومعارك بالوظة ورمانة وكمائن الشط وشرق الدفرسوار والسبت الحزين وغيرها من المعارك، فضلا عن عمليات نوعية مثل إغراق الحفار كينتنج فى السنغال لم يتحدث مؤرخ الإخوان عن ذلك كله بل عد سر الهزيمة وسر النصر بالقول « فى عام ١٩٦٧ كان جمال عبدالناصر يحكم مصر من خلال أجهزة سرية أشاعت الرعب والهلع فى شعب وجيش مصر، وعقب ثورة ١٥ مايو ١٩٧١ قضى على حكم الإرهاب فى مصر وتحول نظام الحكم فى مصر من نظام ديكتاتورى استبدادى إلى نظام انتهى فيه تكميم الأفواه وبدأت مصر تتنسم الحرية وتمارس حرية الرأى والفكر « وبالرغم من إنصاف الإخوان للسادات ،وهو المشهد الذى أكدته تلك الشهادات وغيرها إلا أن الجماعة التى كانت تعلم بخطة اغتياله رغم عدم مشاركتها قتلة السادات ،ورغم أنه هو من فتح لها مجال العودة للمجال السياسى والدعوى ،فقد تركت الأمور تجرى كما هو مخطط لها من قبل الجماعة الإسلامية والجهاد ،اللذين اشتركا فى خطة الاغتيال حيث كانت الجماعة الإسلامية ترى أن شروط الجهاد الشرعى لا تتوافر فى حرب أكتوبر، والتى من أهمها القتال خلف قائد مسلم وقد كانوا يكفرون السادات ولا يعتبرونه قائد الحرب وصاحب النصر الوحيد على الصهاينة ،لكن موقف أحد شيوخهم وهو الدكتور ناجح إبراهيم كان مختلفا إذ أظهر ندمه على المشاركة فى تلك الجريمة ،واعتبر أن قتل السادات أعظم جريمة ارتكبها الإسلاميون وأن الرجل حقق وفق إمكانات وسياق عصره ما يحفر له مكانة مقدرة ،وأن الحركة الإسلامية خسرت بقتله مناخا من الحريات وحرية الدعوة غير مسبوقين، لكن مرسى وجماعته وفى الاحتفال بذكرى نصر أكتوبر فى العام ٢٠١٢ أبوا إلا أن يظهروا معتقدهم الخاص ،ففى استاد القاهرة لم يدع قادة النصر العظيم ليكرمهم ،مكتفيا بتكريم زوجة الرئيس الراحل السادات بينما جلس قتلة السادات فى الصفوف الأولى فى مشهد دال على الذهنية الإخوانية ،التى تصورت أن السلطة الجديدة قادرة على أن تغسل يدها وتاريخها من دم السادات ،وتحاول أيضا إظهار مرسى باعتباره رئيسا لكل المصريين ،حريصا على التقرب من المؤسسة العسكرية من جهة ونكاية فى اليساريين والقوميين من جهة أخرى ،باعتبار أن السادات عذبهم مقارنة بناصر الذى قربهم وشاركوه فى الحكم


عبر كرم زهدى عن ندمه لاغتيال السادات بقوله « إنه يعتبر الرئيس السادات شهيدا مات فى قتال الفتنة ،وأن الزمان لو عاد به وبالجماعة إلى عام ١٩٨١ لما أجاز قتله بل لعمل على منعه « بينما قال طارق الزمر « إن قتل الرئيس الراحل السادات كان نتيجة طبيعية ،وأن تصرفاته هى التى تسببت فى قتله مضيفا أن السادات هو من قتل نفسه ،ولو عاد بى الزمن لما دعمت قتل السادات وكنت عملت على إقصائه بطريقة سلمية شعبية»


يبدو موقف الجهاديين من نصر أكتوبر والسادات أكثر حدة ووضوحا ،حيث يقول عبدالمنعم منيب الجهادى السابق فى العام ٢٠١٤ على موقع طريق الإسلام السلفى


فى سياق ما يعتقده رفعا لوعى الشباب بحقيقة السادات ،منكرا دوره فى حرب أكتوبر»وأما قيام السادات بحرب أكتوبر وتحقيق النصر فيها، فإن هذا الأمر على عظمته العملية فهو كسابقه أجبر عليه ،لأنه من الثابت تاريخيًا أنه اتصل بكيسنجر وطالبه بحل سلمي للصراع مع إسرائيل ،فأرسل له ردًا مفاده أنه في ظل الأوضاع الإستراتيجية الراهنة فإن أحدًا لن يعبأ بالسعي لحل الصراع، ومن ثم فهم السادات أنه لا سبيل للوصول للتفاوض مع إسرائيل إلا بتغيير الأوضاع الإستراتيجية عبر عمل عسكري ومن هنا اضطر للحرب رغمًا عنه،


و لذلك سمى كثيرون (وأظن أن السادات ممن أطلقوا هذا المصطلح في مناسبات معينة) حرب أكتوبر بحرب تحريك الموقف.


أما كل الأجواء الاحتفالية التي تعالج به المناسبة منذ الحرب، وحتى الآن فهي ناتجة عن الانفعال الوطني المتعطش لأي إنجاز حتى لو كان إنجازًا وهميًا متفاعلًا في ذلك مع الآلة الإعلامية التي تحركها أجهزة الحكم لأهداف معينة.


فضلًا عن أن إدارة المعارك على الأرض اتسمت في كثير منها بالعظمة ولكن هذه العظمة إنما تنسب لأصحابها من القادة الذين أداروها فعليًا وكلهم ماتوا ولم يتبق منهم أحد اليوم وعلى رأسهم سعد الدين الشاذلي (رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة وقتها وقبلها)، ومحمد عبد الغني الجمسي (رئيس عمليات القوات المسلحة وقتها). أما جر الآلة الإعلامية هذه العظمة لإسباغها على كل من يلبس البدلة الميري الآن حتى ولو كان طفلًا صغيرًا وقت حرب ١٩٧٣ فهو دجل ومن يتبع هذا الدجل فهو أبله.ثم يكمل بالقول»أنا كتبت هذا الموضوع القصير الآن على عجل (في ظل ضيق الوقت) لأني شعرت أن الشباب الآن لا يفهمون حقيقة عصر السادات ،لأنهم لم يعيشوه كما أنهم واضح أنهم لا يقرءون مصادر جيدة توضح لهم الأمر وينساقون وراء المعالجات السطحية والضحلة التي تتناول الموضوع» وهكذا تصبح تلك الكتابات الضحلة هى عين الحكمة والتفصيل العادل لأعظم حدث مر بالعرب والمصريين عبر تاريخهم


ليس غريبا هذا التباين بين الإسلاميين فى النظر إلى حرب أكتوبر، تلك المناسبة الوطنية العظيمة والتى يجمعهم فيها احتقار النصر والتقليل منه ومن آثاره، واغتيال قائده من قبل البعض منهم ومباركة الآخرين وصمتهم على قتله ، وكما قتلوا السادات حاولوا قتل كل مناسبة وطنية تعزز انتماء هذا الشعب إلى ترابه الوطن، وإلى هويته الراسخة التى حاولوا مسخها بشعاراتهم ومناسباتهم التى يحاولون من خلالها طمس هوية هذا الشعب، وتعويده احتقار تلك المناسبات والذكريات لحساب ذكريات أخرى وتاريخ آخر


وبالرغم من كل تلك المساعى تبقى حرب أكتوبر محطة للعز والفخار الوطنى على امتداد الأجيال، فلا يمكن الاستعاضة عنها بأى محطة أونصر آخر فى تاريخنا المجيد ،الذى يبقى عصيا على التزييف أو الدجل الذى تتقن غيره تلك الجماعات .