سيبقى السادس من أكتوبر يوم الفرح الأكبر

05/10/2016 - 1:31:33

بقلم: محمد الحنفى

إلى إخوانى وأبنائى من الأجيال التى لم تعاصر يوم الفرح الأكبر.. يوم العزة وعودة الروح واسترداد الكرامة والثأر وتحرير وتطهير الأرض من عدو غاشم، مغرور تصور أنه صاحب جيش لا يُقهر ونسى أن فى مصر خير أجناد الأرض.. وشعب وفى أبى لا ينكسر أبدًا.. فلقنوه درسا لن ينساه مدى الحياة، وانتصروا فى حرب هى الأهم فى تاريخ الحروب الحديثة والمعاصرة، نعم حقق الجيش والشعب نصرًا لا تزال تنحنى له الرءوس وتنبهر به الجيوش مهما فاتت السنون، ففى يوم السادس من أكتوبر العظيم عام ١٩٧٣ سجل الجيش المصرى التاريخ بحروف من ذهب.


ثلاثة وأربعون عاما مضت على يوم النصر الأكبر، ولا تزال فرحته تغمر قلوبنا وتعطر نفوسنا وتصدح فى آذاننا جيلا خلف جيل، من عاصروه ومن لم يعاصروه.


اسمحوا لى أن أستهل مقالى بكلمات أغنية الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى «تعيشى يا ضحكة مصر» التى لخصت حالة الشعب المصرى منذ نكسة يونيه عام ١٩٦٧ حتى يوم النصر فى السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣، العاشر من رمضان عام ١٣٩٣ هجرية ووظفها ببراعة المخرج الكبير على عبد الخالق فى فيلمه الرائع «أغنية على الممر» :


أبكى.. أنزف.. أموت


وتعيشى يا ضحكة مصر


وتعيش يا نيل يا طيب


وتعيش يا نسيم العصر


وتعيش يا قمر المغرب


وتعيش يا شجر التوت


أبكى.. أنزف.. أموت


وتعيشى يا ضحكة مصر


***


وتلاميذ المدارس


والنورج اللى دارس


والعسكرى اللى دايس ع الصعب عشان النصر


يا مراكب.. يا صواري.. يا شوارع.. يا حواري.. يا مزارع.. ياصوامع.. يا مصانع.. يا مطابع.. يا مينا.. يا كباري.. يا منادر.. يا بنادر.. يا منازل.. يا بيوت..


أبكى.. أنزف.. أموت


وتعيشى يا ضحكة مصر


هكذا كان حالنا بعد هزيمة ٦٧، لا خنوع ولا خضوع ولا استسلام مهما كان الثمن، ومهما كان حجم المعاناة.. وحتى ندلف إلى بوابة هذا النصر العظيم ونثمن قيمته، دعونى أعرج قليلًا على حالنا بعد نكسة يونيه، جيش منهزم، سلاح مدمر، شعب منكسر، غليان ما بعده غليان ورغبة حميمة فى الثأر، حالة من الخزى والذل والمهانة لم نعشها من قبل، رءوس مطأطأة، قلوب موجوعة.. مجروحة، ليل مظلم، عزوف عن كل شىء، إحباط غير مسبوق، حرب دعائية مغرضة موجهة من عدو أراد أن يقضى على روحنا المعنوية وتجعلنا نشكك فى قدرات جيشنا العظيم على استعادة الأرض والثأر من الصهاينة الأوغاد، ناهيك عن مخططات جبارة لإسقاط الروح المعنوية لرجال قواتنا المسلحة، والترويج لنظرية الجيش الإسرائيلى الذى لا يقهر، وخط بارليف الحصين الذى أقيم بطول الساحل الشرقى لقناة السويس بهدف منع عبور قواتنا المسلحة للقناة.


ومن ثم كان على القيادة العامة للجيش بدء فترة جديدة فى القوات المسلحة من أجل إعادة بناء الروح المعنوية للضباط والأفراد على جبهة القتال، وتأهيلهم مرة أخرى للحرب المنتظرة لتحرير الأراضى من أيدى العدو المغتصب، وبالفعل تم وضع خطة للإعداد النفسى والمعنوى للمقاتلين من خلال هيئة التوجيه المعنوى، وبالتعاون مع عدد من أشهر المراسلين العسكريين على جبهة القتال من أجل التوعية العامة للضباط والجنود، واستعادة الثقة فى المقاتل المصرى، الذى كان لابد من تأهيله نفسيا ومعنويا، وبالفعل نجحت القيادة العامة للقوات المسلحة فى رفع مستوى الوعى الثقافى لرجالها وجنودها، وتم التركيز على آيات الجهاد والاستشهاد، فى القرآن الكريم، وتقديم وجبة إذاعية قوية للجندى على جبهة القتال لرفع روحه المعنوية، ثم كانت حرب الاستنزاف التى لم تقل أهمية عن حرب أكتوبر أبدًا والتى من خلالها تمت إعادة بناء القوات المسلحة عسكريا ومن قبلها عودة الثقة فى استعادة قدراتها القتالية والفنية وبين مساء التاسع من يونيه١٩٦٧ وظهر السادس من أكتوبر ٧٣ كانت الملحمة الكبرى لشعبنا العظيم: ملحمة إعادة بناء القوات المسلحة، ملحمة قهر الهزيمة، وبناء الاقتصاد القوى بريادة قطاعنا العام, ومعركة إدارة الصراع السياسى على المستويين الإقليمى والدولى ومعركة إعادة وحدة الموقف العربى واتخاذ قرارات الصمود والتصدى فى قمة الخرطوم عام ١٩٦٧.
فخلال ثلاث سنوات ونصف خاض الجيش المصرى أروع ملاحم بطولاته, وكان الشعب من وراء الجيش يسانده ويدعمه ماديا ومعنويا لانتزاع المستحيل واسترداد سيناء.


لقد كانت حرب الاستنزاف أو حرب المعجزات أو حرب الألف يوم كما أسماها الصهاينة، أول صراع مسلح يجبر العدو على الاحتفاظ بنسبة تعبئة عالية ولمدة طويلة, وهو ما ترك آثاره السلبية على معنويات شعبه واقتصاد دولته بدرجة لم يسبق لها مثيل فى الحروب.
لقد تضمنت هذه الحرب ٣ مراحل رئيسية.. مرحلة الصمود ثم مرحلة المواجهة والدفاع, وأخيرا مرحلة الردع والحسم.


وبعدها كسرت مصر حاجز الخوف وامتلكت قدرات النصر الذى تحقق يوم السادس من أكتوبر، وتلقت فيها إسرائيل ضربات موجعة من الجيش المصرى الذى ظنت بغرورها، أنها قضت عليه نهائيا قبل ستة أيام فقط من استرداد الجيش المصرى قدرته على المواجهة وعلى النصر نحو ما تأكد فى معركة رأس العش.
لقد أثبتت حرب الاستنزاف أن الشعب المصرى وزعيمه وجيشه قادرون على التعافى سريعا ليخرجوا من مرحلة الهزيمة ويبدأوا حربا طويلة بدأت بمرحلة الصمود بعد ستة أيام فقط وانتهت بمرحلة الردع في٨/٧/١٩٧٠


وبين الصمود الذى كانت مهمته عدم تمكين العدو من الحصول على مزيد من الأراضى المصرية, والردع الذى كانت مهمته تكبيد العدو خسائر فادحة فى المعدات والأرواح حتى يطالب هو بالهدنة، كانت هناك مرحلة المواجهة والدفاع التى قامت على فلسفة المواجهة غير المعلنة من خلال التدمير والتخريب والقبض على أسرى والحصول على أكبر قدر من المعلومات عن العدو لتكون هذه المعلومات أهم مفاتيح النصر وليكون الأسرى خير شاهد على قدرة المقاتل المصرى على تحقيق النصر وثقته فى نفسه وفى سلاحه وفى قيادته.


من هنا كانت الطرق معبدة، بعد جهود مضنية لبناء القوات, وجهود امتلاك السلاح، وإعداد الخطط، والأهم من ذلك كله جهود بناء الجبهة الداخلية من اقتصاد قوى يقوده القطاع العام وشعب يحتفظ بإصراره على تحقيق النصر.


وفى حرب الاستنزاف لقن أبطال الجيش المصرى العدو الإسرائيلى دروسا جديدة وألحقوا به خسائر فادحة بداية من معركة رأس العش التى وقعت أحداثها يوم١ يوليو١٩٦٧, والتى كانت الشرارة الأولى للحرب, عندما حاولت المدرعات الإسرائيلية احتلال مساحات أوسع من أرض سيناء حيث تحركت قوات العدو من القنطرة فى اتجاه مدينة بور فؤاد, فصدتها عن المدينة قوة من الصاعقة المصرية.
ثم كانت معارك القوات الجوية المصرية خلال يومي١٤ و١٥ يوليو١٩٦٧ بطلعات هجومية جريئة ضد القوات الإسرائيلية فى سيناء باتجاه السويس والفردان، وكان ذلك تمهيدا لطلعة طيران قوية خرجت فيها القوات الجوية بكاملها لتضرب فى الجنوب وتوقع خسائر كبيرة فى صفوف القوات الإسرائيلية, أحدثت فيها خسائر فادحة, بل أدت إلى فرار بعض من الأفراد الإسرائيليين من مواقعهم.


وعلى صدى هذه الضربة الجوية الصائبة تقدمت قيادة العدو بطلب وقف إطلاق النار من أمريكا التى كلفت سكرتير عام الأمم المتحدة بإبلاغ الرئيس جمال عبد الناصر تليفونيا بهذا المطلب الإسرائيلى وكان قائد الطيران فى ذلك الوقت هو الفريق مدكور أبو العز.
ولم تتوقف معارك المدفعية والتراشق بالنيران طوال مرحلة الصمود، واستهلكت فيها آلاف الأطنان من الذخائر بمعدل فاق جميع الحروب السابقة، إضافة إلى نشاط أفراد القناصة المهرة, الذين دربوا على قنص أفراد الجيش الإسرائيلى وقادته, سواء فى نقاط المراقبة, أو أثناء تحركهم على الضفة الشرقية للقناة
حتى وقع الاشتباك الكبير الذى ركزت فيه المدفعية المصرية كل إمكاناتها فى قطاع شرق الإسماعيلية يوم٢٠ سبتمبر١٩٦٧, والذى تمكنت فيه من تدمير وإصابة عدد غير قليل من الدبابات الإسرائيلية، ثم كانت الصفعة الكبرى على وجه العدو بإغراق المدمرة البحرية الإسرائيلية إيلات يوم٢١ أكتوبر١٩٦٧, حين تمكنت زوارق صواريخ البحرية المصرية من إغراقها فى منطقة شمال شرق بورسعيد, وشهدت هذه المعركة أول استخدام للصواريخ سطح سطح. وكانت خسارة قوات العدو البحرية فادحة، خاصة أن هذه المدمرة مثلت أهمية كبيرة لها فى ذلك الوقت, كما كانت خسائرها كبيرة فى الأرواح, الأمر الذى دفعها لاستئذان مصر عن طريق الأمم المتحدة فى البحث عن القتلى والغرقى فى منطقة التدمير شمال بورسعيد, واستمرت فى عمليات البحث والإنقاذ لأكثر من٤٨ ساعة بعد أن وافقت مصر على ذلك.


وبعد ثلاثة أيام من تدمير المدمرة إيلات, أى فى الرابع والعشرين من شهر أكتوبر١٩٦٧, وجهت القوات الإسرائيلية على طول الجبهة قصفات نيرانية مركزة ضد مدن القناة ومصانعها وضد المدنيين. وبطبيعة الحال كان رد القوات المصرية الفورى عليها.


لقد اشتملت رؤية القيادة السياسية المتمثلة فى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والتى ترجمها الفريق أول محمد فوزى وزير الحربية وقتها على استراتيجية عسكرية تتلخص فى حرب الاستنزاف على مدى٣ سنوات, واشتملت الاستراتيجية على محورى إعادة بناء الجيش المصرى ماديا ومعنويا وتدريبيا وتجهيزه لمعركة التحرير، والقيام بعمليات عسكرية صغيرة وخاطفة ضد العدو بهدف إعلامه بأن بقاءه على الأرض المصرية يعنى موته! وأيضا للحيلولة دون حصوله على فترة هدوء تمكنه من الاستقرار والبناء وتهويد وابتلاع الأرض المصرية.


وقد نتج أيضا عن هذا الاحتكاك شبه اليومى على مدى حرب الألف يوم مئات القصص الواقعية لدى جنودنا عن ضعف وجبن الجندى الإسرائيلى خاصة فى لحظات الأسر، ومن ثم ساهم ذلك بصورة كبيرة فى رفع الروح المعنوية ليس فقط للمقاتل المصرى بل للشعب كله الذى كان يتابع تلك الأحداث من خلال الصحافة ويستمع لتلك الروايات والشهادات الحية من أبنائه الجنود العائدين من الجبهة. وهكذا تبدل اليأس إلى أمل كبير والنكسة إلى انتصارات متتالية.
وخلال مرحلة المواجهة حدث تغيير نوعى فى طبيعة المجندين عندما فتح الباب أمام تجنيد خريجى الجامعات بناء على طلب من الفريق فوزى والذى قوبل فى البداية برفض من الرئيس جمال الذى كان يرى وفقا لرواية الفريق فوزي- أن الطالب الجامعى الذى يناقش أستاذه ويعارضه كيف له أن ينفذ أوامر قائده فى الجيش, ولكن أثبتت الأحداث أن المجند المثقف أقدر على خوض معركة التحرير من المجند غير المثقف والذى كان يمثل قوام الجيش المصرى حتى١٩٦٧
كذلك أيضا اشتملت عملية إعادة بناء الجيش على قرار تاريخى لعبد الناصر بإنشاء الجيش الثانى الميدانى على الضفة الغربية للقناة والذى كان يرتكز فى القصاصين, وكان له دور كبير فى معارك الاستنزاف ثم فى نصر أكتوبر.
ومن أهم أبطال المرحلة بل وأبطال حرب الاستنزاف البطل إبراهيم الرفاعي, ذلك الأسطورة الذى ارتبط اسمه بالعديد من العمليات الخطيرة وهو قائد( المجموعة٣٩ قتال) تلك المجموعة التى تشكلت من قوات الصاعقة والمخابرات, وكانت مهمتها القيام بعمليات فدائية, أصبحت مصدرا للرعب والدمار على العدو الإسرائيلى أفرادا ومعدات، حتى بات الرفاعى على رأس قائمة المطلوبين من قوات العدو، ولكن ظل البطل حرا يسجل البطولة تلو الأخرى طوال سنوات الاستنزاف ومن بعدها معركة أكتوبر حتى مات شهيدا فى ثغرة الدفرسوار يوم ١٩ أكتوبر
ثم كانت معركة الغواصة البريطانية داكار على سواحل الإسكندرية وداخل الحدود المائية المصرية حين رصدت أجهزة الرادار المصرى فى مساء٢٤ يناير١٩٦٨ تحركات للغواصة(داكار) تلك الغواصة البريطانية التى أهدتها بريطانيا لحليفتها إسرائيل, وقد كان مقررا لها أن تشق البحر المتوسط حتى تصل إلى ميناء حيفا، لكن الغرور الإسرائيلى جعل قائد الغواصة يصدر أوامره باختراق الحدود المصرية فى صلف المنتصر. وهنا اتخذت هيئة عمليات القوات البحرية قرارا بإخراج لنشات مزودة بالصواريخ تمكنت من إصابة الغواصة، والتى أخذت فى الانزلاق إلى أعماق بعيدة حطمتها ولم يظهر منها أثر. وكانت تلك العملية سابقة تدرس فى الكليات العسكرية، باعتبارها كانت المرة الأولى التى يتم فيها تدمير غواصة بواسطة لنشات بحرية.


وتجرعت إسرائيل هزيمتها فى صمت وادعت أن الغواصة تعرضت لعطل ميكانيكى قبل وصولها إلى الحدود المصرية ما أدى إلى غرقها، كما لم تعلن القيادة المصرية مسئوليتها عن غرق الغواصة. لكن إسرائيل اعترفت بتلك الواقعة بعد أكثر من عشرين عاما حين طلبت من الحكومة المصرية في١٩٨٩ السماح لها بالتنقيب عن حطام غواصتها وطاقمها على سواحل الإسكندرية، وهى المرة الأولى التى تقر فيها بغرقها.
وتبدأ المرحلة الثالثة من حرب الاستنزاف والتى سميت بمرحلة الردع والحسم ابتداء من مارس١٩٦٩ حتى أغسطس ١٩٧٠، حيث كانت بمثابة تدريب ميدانى من أجل الاستعداد لعبور قناة السويس فى عمليات قتالية حقيقية، تمكنت قواتنا خلالها من تدمير جزء كبير من مواقع خط بارليف الأول تحت إشراف وقيادة الشهيد الفريق أول عبد المنعم رياض رئيس هيئة الأركان العامة, حيث بدأت المعركة يوم السبت٨ مارس١٩٦٩, واستشهد الفريق يوم الأحد٩ مارس١٩٦٩.
ونتيجة لتلك الخسائر من الجانب الإسرائيلى رأت رئيسة وزراء العدو جولدا مائير أن الطريقة الوحيدة لمنع المصريين من تحرير سيناء هى ضرب العمق المصرى بعنف عن طريق سلاح الجو لشن سلسلة من الغارات الجوية المكثفة على العمق المصرى، وبالفعل وقع الهجوم فى يناير على كل من التل الكبير وأنشاص ودهشور والمعادي, وشهد شهر فبراير الهجوم على أبو زعبل، وفى شهر مارس من العام نفسه استهدفت الغارات إدارات قوات الدفاع الجوى وشرق القاهرة وفى أبريل عام ١٩٦٩ارتكب العدو مذبحة مدرسة بحر البقر. وأراد من ذلك التكتيك الجديد فى العدوان إحداث ضغط شعبى على عبدالناصر من أجل الاستسلام والاعتراف بالهزيمة وهو الأمر الذى لم يحدث.


ونتيجة للمأزق الإسرائيلى جراء حرب الاستنزاف، تقدمت الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن بمبادرة روجرز لوقف إطلاق النار من أجل التمهيد للحل السلمى لآثار العدوان. وقد وافق الطرفان عليها، وإن اختلفت الأسباب، حيث اعتبرتها إسرائيل طوق نجاة من أجل إيقاف خسائرها المستمرة, أما مصر فقد أرادت إعطاء فرصة للقوات المسلحة لاستعادة كفاءتها القتالية واستكمال منظومة صواريخ الدفاع الجوى وتغطيتها للعمق المصرى ولمنطقة قناة السويس من أجل الاستعداد لمعركة العبور. وبالفعل تم وقف إطلاق النار بدءا من٨٨١٩٧٠, ولمدة تسعين يوما, لتتوقف حرب الاستنزاف بعد أن صدق الزعيم الراحل عبد الناصر قبيل وفاته يوم٢٨٩١٩٧٠ على خطة جرانيت للعبور. ودخلت مصر بعد وفاته فى المرحلة الرابعة والأخيرة, وهى مرحلة وقف إطلاق النار والتى استمرت من أغسطس١٩٧٠ حتى أكتوبر١٩٧٣, والتى أطلق عليها فترة اللاحرب واللاسلم. وهى الفترة الأكثر صعوبة فى تاريخ مصر انتظارًا لتحقيق الحلم الوحيد بدحر الأعداء وطردهم من الأراضى التى احتلوها فى حرب يونيو ٦٧، وشهدت الفترة وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وتولى الرئيس الراحل أنور السادات المسئولية، وكان لزاما عليه أن يكمل مسيرة ناصر وجيشه وشعبه لتحقيق النصر.


ويواجه الرجل حروبا فى الداخل ومؤامرات للإطاحة به، انتهت بثورة التصحيح فى الخامس عشر من شهر مايو عام ١٩٧١ والتى أطاح فيها بكل رجال عبد الناصر.


ومنذ ذلك الحين بدأ السادات وضع خطة الحرب المنتظرة وسط أجواء محبطة للغاية وإعلام داخلى وخارجى دائم التشكيك فى قدراته على تحقيق النصر وتساؤلات تنهال عليه كل يوم عن موعد ساعة الصفر وهل سنحارب حقا أم لا.


نعم كانت ساعة الصفر حلما لكل مصرى، صغيرا أو كبيرا مقاتلا على الجبهة أو مدنيا مهما كان الثمن حتى نتخلص من وحل العار وذل الهزيمة ونعبر مرحلة الانكسار إلى مرحلة النصر.


وبذكاء ومكر وصبر أخفى الرئيس البطل أنور السادات موعد قرار الحرب حتى عن أقرب الناس له، ونجح فى تضليل العالم كله لتمر الفترة من مايو ٧١ حتى يوم النصر الأكبر فى السادس من أكتوبر عام ٧٣ بصعابها ومرارتها على مصر كلها، فقبل قرار المعركة بأيام منح القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية إجازات لعدد من ضباطه وجنوده ووافق لعدد آخر على أداء عمرة رمضان كما تعمد الإعلام العسكرى أن ينشر لقطات لأفراد من الجيش المصرى وهم يمارسون حياتهم الطبيعية على الجبهة ويعدون لطعام الإفطار فى أيام رمضانية مباركة دون أدنى إشارة على وجود تحركات تنبئ عن انقضاض وشيك وحاسم على العدو الإسرائيلى الذى كان يراقب الموقف من الضفة الشرقية للقناة، لكنها الحرب والحرب خدعة.


وأخيرا يتحقق الحلم فى الثانية وعشر دقائق من بعد ظهر السبت الموافق ٦ أكتوبر، العاشر من شهر رمضان وها هو العالم يقف كله على أطراف أصابعه وهو يستمع إلى البيان الأول الصادر عن القوات المسلحة المصرية بصوت الإعلامى الراحل حلمى البلك وكان بيانًا تمهيديًا يفيد بقيام العدو الساعة الواحدة والنصف بعد ظهر اليوم بمهاجمة قواتنا بمنطقتى الزعفرانة والسخنة بخليج السويس بواسطة تشكيلات من قواته الجوية عندما كانت بعض من زوارقه البحرية تقترب من الساحل الغربى للخليج، وتقوم قواتنا حاليًا بالتصدى للقوات المغيرة.


وبعد ١٥ دقيقة كان البيان الثانى بصوت الإعلامى يحيى عبدالعليم وجاء فيه : ردًا على العدوان الغادر الذى قام به العدو ضد قواتنا فى كل من مصر وسوريا يقوم حاليًا بعض من تشكيلاتنا الجوية بقذف قواعد للعدو وأهدافه العسكرية فى الأراضى المحتلة.


ثم كان البيان «الحلم « الذى حمل رقم ٥ والصادر من القيادة العامة للقوات المسلحة والذى أذيع فى الساعة الرابعة عصرا بصوت حلمى البلك والذى جاء فيه :


نجحت قواتنا فى اقتحام قناة السويس فى قطاعات عديدة واستولت على نقط العدو القوية بها ورفع علم مصر على الضفة الشرقية للقناة.


كما قامت القوات المسلحة السورية باقتحام مواقع العدو فى مواجهتها وحققت نجاحًا مماثلًا فى قطاعات مختلفة.


حقا كان للبيان مفعول السحر فى الشارع المصرى كله، أخيرا حانت لحظة رد الاعتبار والثأر واسترداد الكرامة، أخيرا أطل النهار بوجهه الصبوح بعد ست سنوات من الظلمة السوداء، ويزلزل تكبير أبطالنا الصائمون البواسل الله أكبر الله أكبر قلوب الأعداء على الجبهة فما أعظمه تكبير !


لقد تخلى البيان الخامس عن الغموض وأعلن صراحة عن بدء معركة المصير !


ثم جاء البيان السابع ليحمل هذا النبأ السعيد :


لقد نجحت قواتنا المسلحة فى عبور قناة السويس على طول المواجهة وتم الاستيلاء على منطقة الشاطئ الشرقى للقناة وتواصل قواتنا حاليًا قتالها مع العدو بنجاح ـ كما قامت قواتنا البحرية بحماية الجانب الأيسر لقواتنا على ساحل البحر الأبيض المتوسط وقد قامت بضرب الأهداف المهمة للعدو على الساحل الشمالى لسيناء وإصابتها إصابات مباشرة.


الله أكبر الله أكبر أخيرا عبرنا القناة، عبرنا الهزيمة يا مصر ياعظيمة، وهنا تتجلى عظمة الشعب المصرى الذى هب عن بكرة أبيه مؤازرا جيشه العظيم فى ملحمة بطولية أبهرت العالم وأفقدت العدو صوابه.


أخيرا انكسر جدار الخوف وتحطم خط بارليف المنيع على يد أبطالنا وعبرنا قناة السويس بعد ضربة جوية قضت على طيران العدو فى ساعات، لتسقط أسطورة الجيش الذى لا يقهر وتتحرر أرضنا المغتصبة.


ولم يكن التحدى على الجبهة الداخلية يقل عن ما يحدث على الجبهة، فما أحوج الجيش العظيم إلى ظهير شعبى قوى يسانده ويقف صلبا من خلفه.


ويضرب الشعب المصرى أروع المثل فى التلاحم والوحدة الوطنية بين كافة أطيافه وأجناسه، مسلميه ومسيحييه، رجاله ونسائه، أطفاله وشيوخه، ما أروع صور التكاتف والتكافل، لقد انصهر المصريون فى أسرة واحدة من أجل تحقيق النصر، ولم يستغل أحد الظروف سواء من التجار أو حتى المجرمين، وعلى عكس ما يؤكده علماء السلوك الإجرامى بارتفاع معدلاتها خلال الحروب انخفضت الجريمة بأنواعها بشكل غير مسبوق ‏،‏ من سجلات الأمن العام‏، بل اختفت جرائم القتل وجرائم الآداب العامة والتحرش والسرقة، ‏ واختفت إلى حد كبير مضايقات المارة والسيدات، وانشغل الجميع بقضية الوطن وبأعمال الدفاع المدنى، كما اختفت جرائم سرقة السيارات تماما، وشهدت الشوارع سيولة مرورية وانخفاضا غير متوقع فى أعداد حوادث السيارات وفى الريف اختفت جرائم سرقة الماشية‏، كذلك خلت السجلات من جرائم التلاعب والاختلاس فى الجمعيات التعاونية الزراعية، كما خلت أيضا من جرائم النصب بالرغم من أنها من الجرائم التى تجد فرصة مواتية فى أوقات الحروب، ومن ثم كانت حياة المدينة بعد‏١٩‏ يوما من الحرب يغمرها إحساس المواطنين بسيادة الأمن.


ويتبارى الكل فى تقديم التبرعات للمجهود الحربى، وأعلن المصريون عن ربط الأحزمة فوق بطونهم والتبرع بما يستطيعون من مبالغ لصالح المعركة حتى الأسر الفقيرة تبرعت بكل مخزونها من الأرز والقمح والذرة، وتدافع الشباب للتطوع فى صفوف الجيش عن طيب خاطر وتسابقت النساء للتطوع فى جمعية الهلال الأحمر لإسعاف وتمريض المصابين من أبطال الجيش حيث ضمت سجلات التطوع فى التنظيمات والهيئات النسائية آلاف المتطوعات، بل إن أحد سجلات التنظيمات النسائية رصدت ١٣ ألف سيدة ثم تدريبهن على أعمال الإسعاف والتمريض للمساعدة فى المستشفيات، أما عن تبرعهن بالدم فقد تم تسجيل حوالى تسع آلاف سيدة، بخلاف من يقمن بالحياكة وأعمال الديكور فى خدمة المستشفيات، كما ضمت جمعيات الهلال الأحمر ألف عضوة أساسية مدربة تدريبا فنيا عاليا على أهبة الاستعداد للمساعدة والمشاركة، وكذلك تكونت لجنة نسائية فى نقابة المهن التجارية ضمت ٦٠ ألف عضو لتشارك فى العمل والمساعدة بشتى الطرق فى حرب أكتوبر وقامت بجمع تبرعات كما تولت رعاية أسر الجنود والشهداء ماديا واجتماعيا.


وتضرب الوحدة الوطنية أروع المثل فى التجلى أثناء حرب أكتوبر المجيدة، عندما اختلط دم بطرس بدم أحمد على الجبهة، وعندما حمل مصطفى زميله مينا المصاب على ظهره وقطع به مسافات طويلة حتى ينقله لأقرب نقطة إسعاف، وفى الداخل كان الجميع أسرة واحدة، عائلة جرجس تعد طعام الإفطار لعائلة عبد الغفار، وأم فايز تحيل شقتها بالطابق الأرضى إلى خندق يأوى جيرانها أثناء الغارات الجوية، ويتولى الشباب حراسة المنشآت والبيوت والأمتعة، وتتغلب السيدات على نقص الأغذية والمنظفات بصناعة المكرونة وسكر البنجر والصابون فى البيوت.. حقا إنها عظمة المصريين !


لم يسمع أحد وقتها عن سوق سوداء أو تخزين للسلع أو مضاربات بها، إنه المعدن المصرى الأصيل الذى دائما ما يتجلى فى الأزمات !


ولا ننسى أشقاءنا العرب جميعا فى سوريا والأردن والعراق وليبيا والسعودية والإمارات والكويت وعمان والمغرب والجزائر وتونس، كل العرب من المحيط إلى الخليج الذين حاربوا معنا أو أمدونا بالأسلحة والمال، خاصة أشقاءنا فى الخليج الذين استخدموا البترول سلاحا لأول مرة فى التاريخ ومنعوه عن أمريكا والدول الأوربية المؤيدة للعدو، فكان له مفعول السحر فى معركة المصير.


وعلى صعيد الفن يتسابق الفنانون المصريون والعرب فى صنع الأغانى الوطنية المحفزة على النصر والمستمدة من قصص بطولات قواتنا المسلحة الباسلة، فأمتعونا بأروع الأغانى مثل :


«رايحين شايلين فى إيدنا سلاح رافعين رايات النصر، سينا ياسينا باسم الله باسم الله، الله أكبر أذن وكّبر وقول يامصر، وخلى السلاح صاحى صاحى، عبرنا الهزيمة يامصر ياعظيمة، وبالأحضان بالأحضان يا سينا، وعاش اللى قال للرجال عدو القنال، وحلوة بلادى السمرة بلادى الحرة، وأنا على الربابة باغنى، وأنا أم البطل، وابنك يقولك يا بطل عدى القنال، ابنك يقولك يابطل مفيش محال، وبحبك يابلادى، وسمينا وعدينا، ومصر اليوم فى عيد، وصباح الخير ياسينا، وياحبيبتى يامصر يامصر.. نعم يا حبيبتى يامصر !


الله على النصر وطعم النصر، الله على أكتوبر أكبر فرحة لمصر، الله على جيشنا العظيم وقواته المسلحة، الجيش الأسطورة، وجنده خير أجناد الأرض، من فضلكم يا كل الأجيال الموجودة والقادمة، لا تنسوا حلاوة نصر أكتوبر، تذكروا جيدًا يوم السادس من أكتوبر، واستقبلوه وأنتم مرفوعوا الرأس بزهواء وخيلاء وكبرياء، اعتزوا بآبائكم وأجدادكم الأبطال الذين سطروا بدمائهم الطاهرة وبطولاتهم الخارقة ملحمة النصر الأكبر وأثبتوا للعالم أن أحلام المصريين لا يمكن أن تنكسر على صخرة هزيمة فى معركة وأن ضعف العدة والعتاد لم يفل من عزائمهم بعد أن فقدت مصر أكثر من ٨٥ ٪ من سلاحها بعد النكسة، بل كانت المحنة دافعا نحو البناء من جديد حتى لو استغرق الحلم سنوات وسنوات من التضحية وتحمل المشاق وربط الأحزمة فوق البطون،، تذكروا أبطاله وشهداءه بكل الفخر.. تذكروا دائما الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذى أعاد بناء الجيش وخطط للمعركة، والرئيس الراحل أنور السادات بطل الحرب وبطل السلام واعلموا أنهم من صنعوا الفرح الأكبر فى حياتنا، تذكروا دائما أنها لم تكن مجرد حرب انتصرنا فيها على العدو، إنها منهاج حياة نتذكره كلما حل بنا تحد جديد.. فهل منها نستفيد؟