اسلمى يا مصر!

05/10/2016 - 1:27:35

بقلم: عادل عبد الصمد

ونحن نحتفل بذكرى مرور ثلاثة وأربعين عاما على نصر أكتوبر، نعيد ما سجله المفكر الكبير د. جمال حمدان عن حرب أكتوبر، والذى كان يأمل أن يشاهد العبور الثانى فقد اعتبر أن حرب أكتوبر التحريرية العظمى ليست مجرد المكافئ الموضوعى أو الرد الاستراتيجى على نكسة ١٩٦٧، كما أن ٦ أكتوبر ليست مجرد نسخ أو ناسخ ليوم ٥ يونيه الحزين.


رأى حمدان أن التاريخ سوف يسجل ٦ أكتوبر كأخطر تحول مؤثر فى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى وبالتالى فى تاريخ العرب جميعا ومن ثم فى تاريخ العالم.


وحرب أكتوبر فخر لكل مصرى، بل كل عربى وعندما يتوالى فيض صور تلك الأيام والتى مازالت حية فى ذاكرتنا بمواكب الشهداء، الذين دفعوا حياتهم ثمنا لكل حبة رمل، ويكون النصر العظيم هو الجزاء ورد الكرامة للجندى المصرى، الذى أثبت جدارته وأنه لا يهاب ولا يخاف الموت فى سبيل وطنه وأرضه وبلاده، وأكتوبر هىّ حكاية مصرية فريدة من تاريخ مصر الحافل بالنضال والكفاح المستمر من أجل الوطن.


مصر صرح حضارى شامخ ممتد عبر آلاف السنين، تعاقبت عليها الحضارات والغزوات من هكسوس وآشوريين وفرس ومقدونيين ورومان وفرنسيين وإنجليز وإسرائيليين، واندحر كل هؤلاء.


وقد صدق شاعر النيل حافظ إبراهيم حين قال:


إن مصر رمانة الميزان ودرة الشرق وتاج الزمان ومهد الحضارة:


وقف الخلق ينظرون جميعا


كيف أبنى قواعد المجد وحدى


وبناة الأهرام فى سالف الدهر


كفونى الكلام عند التحدى


أنا تاج العلاء فى مفرق الشرق


ودراته فرائد عقدى


كما أن مصر مقبرة الغزاة، لأنها كنانة الله فى أرضه


ما رمانى رام وراح سليما


من قديم عناية الله عندى


وصفحات التاريخ خير شاهد على أطماع المستعمر عبر السنين، فمع بداية القرن التاسع عشر زادت أطماع الغرب وأوربا فى الشرق، وأسهمت كتابات الرحالة وانطباعات الأدباء وتقارير العلماء والإرساليات والقناصل والخبراء وضغوط المصالح السياسية، كل هذا وأكثر أسهم فى ازدياد كثافة الوعى الغربى بمصر التى أصبحت المكان المفضل لدى الأوربيين للترحال فيها والكتابة عنها واستغلال ثرواتها، وأراد الرحالة والفنانون والمصورون الأوربيون الانغماس فى الحياة الشرقية المصرية وطمع المستعمر فى مصر لأهمية الموقع وقيمة حضارتها وثرواتها.


وقد عبر عن قيمة الموقع الفريد وعظمته (جوزيف فورييه) فى المقدمة التاريخية لموسوعة وصف مصر:


تحتل مصر فى موقعها بين إفريقيا وآسيا وفى سهولة اتصالاتها بأوربا مركز القارة القديمة، ويقدم لنا هذا البلد الذكريات العظيمة، فهى أرض الفنون وتحفظ مآثر لا تحصى ولا تزال قائمة معابدها الرئيسية والقصور التى شيدها ملوكها رغم أن أقل صروحها عراقة كانت قد شيدت حين حرب طروادة وقد رحل كل من هوميروس وليكرجس وفيثاغورث وأفلاطون إلى مصر لدراسة علومها ودياناتها وقوانينها، وأسس الإسكندر مدينة عامرة بالثراء مدينة تمتعت ولزمن طويل بالسيادة التجارية وشهدت بومبى ويوليوس وقيصر ومارك انتونى وأوغسطس.


ومن هنا فهذا البلد جدير أن يجذب اهتمام الملوك العظام الذين يتحكمون بمصائر الأمم ولم يحدث مرة أن أمة من الأمم حشدت لنفسها قوة ذات شأن سواء فى الغرب أو فى آسيا دون ان تقودها هذه القوة باتجاه مصر.


ويقول إدوارد دريو أحد مؤرخى مصر الحديثة:


مصر جذوة إنسانية من أقدم الجذوات اشتعالا وأروعها وأظهرها للعيان فى كل ما أوقد حول البحر الأبيض المتوسط من مشاعل الحضارة على مدى الأجيال لأن مصر صنعتها رواسب حضارات لا يعادلها فى الثراء إلا طمى نهرها الإلهى، وامتزجت فى تربتها ملايين من الاجساد: أربعة آلاف حكم من حكم الفراعنة .. منف طيبة الكرنك الأقصر ضفاف النيل، أحداث ألفية طابقا فوق طابق تنطوى على كنوز من الفكر والفلسفة وألف عام من الحضارة العربية أضافت كنوزا إلى العلوم والآداب إلى جانب تلك الآثار الغنية


وأن هذه الحرب التحريرية كانت أيضا عبورا هاما إلى أرض سيناء التى اغتصبتها إسرائيل لمدة ست سنوات عجاف عصيبة من ١٩٦٧ حتى ١٩٧٣، عرفنا خلالها وأدركنا قيمة هذا الجزء الغالى من أرض مصر والذى فرطنا فى تعميره وفى تواجدنا داخله وتركناه خاليا ليصبح مدعاة لطمع الطامعين.


والذكرى بنصر أكتوبر المجيد تجعلنا أن نضع تاريخ أرضنا وقيمة الوطن بين أيدى الأجيال وخاصة أن هذا الوطن بقيمته وحضارته هو المطمع والمراد من قوى متربصة منها خارجيا ومنها داخليا، وكل فريق ينسج خيوطه العنكبوتية حسب أطماعه وأغراضه والكل يعلم أهمية مصر وحضارتها.


وسيناء على الدوام منطقة يتكالب عليها أطماع المعتدين، وسيناء على الدوام بوابة مصر الشرقية الحارسة لحدود مصر، منها دخلت معظم الغزوات على مر التاريخ، وعلى أرضها سالت دماء الشهداء الذين حرروها بالدم والروح الغالية، وهى ليست مجرد بوابة مصر الشرقية التى تطل على دول المشرق العربى فحسب، بل هى بوابة الأمن القومى المصرى ومفتاحه، وسيناء منطقة فريدة فى طبيعتها وموقعها، وهى ذات ثروات هائلة كامنة فى باطن ارضها، كما أنها كنز سياحى نادر متنوع فى هذه الأرض الطيبة سار الأنبياء (إبراهيم يوسف موسى عيسى وأمه العذراء مريم) عليهم جميعا السلام.


سار فيها أيضا الأبطال (أحمس عندما طرد الهكسوس منذ أكثر من (٣٥٠٠) سنة، وعمرو بن العاص عندما جاء إلى مصر وحررها من الرومان منذ أكثر من (١٤٠٠)، وصلاح الدين الأيوبى عندما خرج بجيشه من مصر ليحارب الصليبيين وهزمهم فى حطين منذ (٨٠٠) سنة، وقطز وبيبرس هزما المغول فى عين جالوت، وصحائف التاريخ تروى حكايات لها العجب وهذا ما يفسر ما يحدث فى سيناء خلال التاريخ الطويل، ومازال يحدث حتى الآن فى أرض الفيروز وقدس الأقداس.


هى الأرض المباركة التى ذكرت فى القرآن الكريم، أرض الكنوز والثروات والمغامرات والأساطير، والحديث عنها لا ينتهى، وما تمتلكه من ثروات وقيمة حضارية قديما، وحديثا يجعلنا أن نتكاتف جميعا ونضع جهودنا لتنميتها وحمايتها والعمل الجاد لازدهارها وتعميرها، فحباها الله بالكثير من الأماكن السياحية المهمة التى تؤهلها لتكون مركزا للسياحة بكل أنواعها، وكذلك آثارها الفريدة التى ترجع لعصور تاريخية مختلفة.


والاحتفال بذكرى نصر أكتوبر هو دعوة للفخر والعمل الجاد، لنكون دائما نستحق هذا النصر وتلك الحضارة، ونتكاتف جميعا من أجل رفعة هذا الوطن الغالى، ونطلق صيحة المصريين الدائمة من قلوبهم أيام الاحتلال الانجليزى:


يا بلادى حطمى قيد الليالى حطمى


هاهى الدنيا تنادى للمعالى أقدمى


طاولى الأنجم أو إن شئت فوق الأنجم


واسلمى من كل عاد والمنى


والمنى أن تسلمى