حواراتى مع المشير أبوغزالة المسكون بنصر أكتوبر ٧٣

05/10/2016 - 1:25:19

  سناء السعيد فى أحد حواراتها مع أبوغزالة سناء السعيد فى أحد حواراتها مع أبوغزالة

بقلم: سناء السعيد

عبر أكثر من حوار فى الثمانينيات والتسعينيات التقيته، فالحوار مع المشير عبدالحليم أبوغزالة ذو نكهة خاصة، فهو استراتيجى من الدرجة الأولى وتكفى خبرته العسكرية التى تفاعلت مع أحداث عديدة وقدمت من عصارة جهدها الكثير. إنه العسكرى البارز الذى تقلد العديد من المناصب بداية من قائد مدفعية الجيش الثانى فى حرب أكتوبر، ورئيسا لأركان سلاح المدفعية، وملحقا حربيا بواشنطن، ومديرا للمخابرات الحربية، ورئيسا لأركان القوات المسلحة ووزيرا للدفاع والإنتاج الحربى لمدة تسع سنوات، وقائدا عاما للقوات المسلحة، ونائبا لرئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، ومساعدا لرئيس الجمهورية.


بإمكان من يلتقى هذا الإنسان أن يكتشف ثراءه البشرى، فهو يجمع بين شخصية مقاتل المدفعية القديم وبين شخصية قوية تأسر من يلتقى به. يفاجئك بثراء عقله ومشاعره معا، فهو أحد القلائل الذى يحمل منذ شبابه الهموم العامة للوطن وليس الهموم الشخصية، وهو ما يحركه دوما صوب المصلحة العامة بجرأة واعية وقلب نابض قادر على احتضان مشاكل الدنيا ومواجهتها دون تراجع أو تردد. الغضب لا يأسره والمفاجأة تزيد قدرته على التفكير الناضج. يتمتع بثبات إرادى قلما تجده عند إنسان آخر فى مواجهة المحن والنكبات. كان يدرك أن إسرائيل ثملة بخمر النصر فى يونيو ٦٧ ولهذا أيقن بأن حرب أكتوبر ٧٣ ستحرز الانتصار لمصر وستبوء إسرائيل بالخذلان. وهى الحرب التى حدثنى عنها وعن خطة الخداع البارعة التى حدثت فى التاريخ العسكرى من خلال الهجوم المفاجئ لجيش مصر على إسرائيل. استغلت مصر يومها فرط الثقة الإسرائيلية وقامت بإجراء سلسلة من أعمال التعبئة والحشد بحيث بدت كما لو كانت أعمال تدريب روتينى تجريه بغرض سياسى ودعائى. أخفت مصر كل الدلائل على أنها بصدد القيام بعمليات عبور للقناة والاستيلاء على الجزء الجنوبى من سيناء وعمدت إلى إخفاء كل المعلومات الخاصة بتوقيت الهجوم. ويردف قائلا:(نجاح معركة أكتوبر كان مثيرا للاعجاب. اعتمد على الاحتفاظ بسرية المعركة لمدة ستة أشهر قبل الحرب. لم يعلم بها إلا عدد قليل من المستشارين المقربين من السادات. وبقى معظم الوزراء والضباط فى الظلام لفترة تراوحت بين خمسة إلى ستة أشهر قبل الحرب. بل لم يكن لدى الضباط علم بأن الحرب قادمة لا محالة. وهذا الخداع وهذه السرية هى التى منعت إسرائيل من إجراء التعبئة).


ويتحدث باستفاضة عن فترة التحضير لحرب أكتوبر والذى بدأ عندما اتخذ القرار بضرورة اقتحام القناة والقيام بمعركة لاستعادة الأرض المغتصبة فيقول:(أعدت الدراسات لاختيار أنسب شهر وأنسب يوم وأنسب توقيت. استمرت الدراسة نحو العام. وتطرقت إلى بحث الأحوال الجوية والمد والجزر فى القناة. وعلى أساس هذه الدراسة تم اختيار يوم السادس من أكتوبر لكونه كان مناسبا من ناحية الأحوال الجوية والمياه فى القنال واتجاهات التيار وسرعته. عوامل النصر تجسدت فى التصميم والارادة والدافع والرغبة فى تحرير الأرض).


أما مفاجأة حرب أكتوبر فتتجلى فى أن إسرائيل فوجئت بها وهى التى كانت على يقين ــ كما يقول المشير أبوغزالة ــ بأن القوات المسلحة المصرية لن تجرؤ على اقتحام القنال وخط بارليف لا سيما أن التقديرات كانت تتوقع أن يأخذ قرار الحرب وقتا قدر يومها بعشرين أو ثلاثين أو خمسين سنة لكى تكون القوات المسلحة المصرية قادرة على شن حرب بهذا المستوى وبهذا الأداء الرائع.


ظل أبوغزالة مسكونا بحرب أكتوبر، فهى الحرب التى استردت مصر بواسطتها النصر المبين وقطعت الطريق على الكيان الصهيونى فى تحقيق حلم انشاء إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. إنها فى نظره الحرب التى استعادت مصر معها قدراتها العسكرية الفعالة، فهى الحرب التى فوجئ بها العالم، وفوجئت إسرائيل بأعظم اقتحام لأقوى مانع وأقوى خط دفاعى حيث تم اجتياحهما فى بضع ساعات، ونجحت القوات المسلحة المصرية فى العبور واقتحام خط بارليف والاستيلاء على رؤوس جسور بعمق ١٥ كيلومترا على الضفة الشرقية.


ويردف أبوغزالة قائلا: (إنها الحرب التى قضت نهائيا على نظرية الأمن الإسرائيلية وعلى أسطورة جيش الدفاع الإسرائيلى، إنها الحرب التى أظهرت الاعجاز وحسن الأداء وبطولة القوات المسلحة التى أعادت للجندى العربى كرامته. ونتيجة لهذه الحرب بدأ الفكر الاستراتيجى والسياسى يتغير وبدأ يؤمن بأن نظرية الحدود الآمنة ليست إلا سرابا. إنها الحرب التى أجبرت إسرائيل على الجلوس إلى مائدة المفاوضات فى محاولة للوصول إلى سلام مع العرب).


وعندما أتطرق مع المشير أبوغزالة إلى التباين الكبير بين نصر أكتوبر ونكسة ٦٧، فإنه يعزو النكسة إلى أن مصر لم تحشد قدراتها الشاملة فى ٦٧ حيث لم تكن مستعدة لهذه الحرب بصورة علمية سليمة ولهذا حدثت النكسة. فضلا عن أن مصر كانت متورطة فى حرب اليمن التى كان بها ثمانون ألف جندى وتضم أفضل التشكيلات المصرية المقاتلة ويردف قائلا: (من المبادئ الأساسية ألا تتورط الدولة فى أكثر من جبهة، فما كان لمصر أن تقدم على حرب على جبهة رئيسية فى الجهة الشرقية فى سيناء وهى مشتبكة فى حرب فى اليمن على بعد آلاف الأميال وتحتاج لكل مجهود القوات المسلحة لتأمينها. كان على مصر ألا تتورط فى حربين معا). ويسوق مثالا بألمانيا النازية التى تعرضت للهزيمة لأن الحلفاء فتحوا لها جبهة جديدة فى الشرق مع الاتحاد السوفييتى، ولم تتمكن الآلة العسكرية والصناعية والاقتصادية من أن تدير حربا على أكثر من جبهة واحدة.


وفى معرض الحديث عن وحدة الموقف العربى فى حرب أكتوبر يقول المشير: (عندما تجمعت القوى العربية العسكرية وتوحدت فى مواجهة القوة العسكرية الإسرائيلية أثبتت للجميع أن التضامن العربى هو السبيل الوحيد للتفوق على أى موازين عسكرية. وهذا ماحدث فى حرب أكتوبر)، وعندما ندلف بالحديث عن العقيدة العسكرية والاستراتيجيات والسياسات يحث أبوغزالة على أهمية تنويع مصادر السلاح بما يحقق الأهداف القومية ويخرج الدولة من دائرة سيطرة مصدر واحد عليها بحيث لا يجعلها أسيرة طرف واحد لمدها بالسلاح.


واليوم ومع الذكرى الثالثة والأربعين لانتصارات حرب أكتوبر نستدعى ذكرى أحد أبطالها المشير عبدالحليم أبوغزالة الذى خاض معركتها وأصدر أحد كتبه حولها عام ٧٤ بعنوان «وانطلقت المدافع عند الظهيرة»، كان البطل يشغل وقتئذ منصب قائد مدفعية الجيش الثانى. إنه الضابط المتميز الذى قدم أكثر من إضافة علمية إلى كفاءة المدافع وتأثيرها النيرانى.عرف بكونه القارئ النهم ولهذا أطلق عليه البعض «عباس العقاد المدفعية». كان يومها برتبة عميد يقود مدفعية الجيش الثانى فى حرب أكتوبر. ويبقى القول بأنه أحد أهم القادة العسكريين الذين شاركوا فى المجابهات المصرية الإسرائيلية منذ بدايتها وهو من أبرز محللى الاستراتيجية العسكرية رحمه الله وأكثر من أمثاله.


 



آخر الأخبار