حرب أكتوبر نموذجا الأهمية الإستراتيجية للقوة البحرية

05/10/2016 - 1:23:21

بقلم: فريق بحرى أشرف محمد رفعت

تعتبر مصر طبقًا للمعايير والأسس الإستراتيجية دولة بحرية، علمًا بأن هذا الاصطلاح برز فى أواخر القرن التاسع عشر وامتد للقرن العشرين، حيث ازداد الخلاف بين الدول العظمى القارية والدول العظمى البحرية، والمقصود هنا بالدول القارية هى الدول التى ليس لديها سواحل طويلة ولا تطل على مناطق بحرية حاكمة وينطبق ذلك على ألمانيا على سبيل المثال، أما الدول التى عملت على تكوين أسطول بحرى قوى فكانت الدول التى تقع على بحار أو محيطات تجعلها تهتم اهتمامًا بالغًا بالقوة البحرية، وبالتالى أصبحت تعرف على أنها دول بحرية وبالإنجليزية أطلق عليها الاصطلاح ”SEA POWER”.


ويلاحظ أنه بالنسبة لمصر لقد أكد محمد على باشا هذا المفهوم، حيث موقع الدولة يطل على البحر المتوسط لمسافات طويلة، ويمتد جنوبًا فى البحر الأحمر لمسافات بعيدة أيضًا. وهى من العوامل التى تجعل الدولة تهتم بإنشاء وتنمية قواتها البحرية، وقد قام محمد على خلال فترة حكمه بالاهتمام ببناء سفن حربية مصرية محليًا كما استعان بخبرات أجنبية بالنسبة للتسليح والاستخدام، وبالتالى تمكن محمد على من تكوين أسطول بحرى قوى وتمكن من الاستيلاء على عدد من الجزر فى البحر المتوسط منها كريت وقبرص وامتد نفوذ البحرية المصرية حتى سواحل اليونان.


بدأ الصراع الشديد بين خبراء الإستراتيجية العسكرية لتحديد ما هو الأهم للدولة: القوة البرية أم القوة البحرية؟.. واشتد هذا الصراع بين ألمانيا وبريطانيا عند قيام الحرب العالمية الثانية، حيث أثبتت بريطانيا أن التفوق كان للدولة البحرية، وذلك لأسباب عديدة ومن أهمها أن الصراع أثناء الحرب العالمية الثانية كان يعتمد على الدعم الأمريكى للحلفاء الذى يأتى عبر المحيط الأطلسى من أمريكا إلى بريطانيا، وفى بعض الأحيان كانت تمتد خطوط المواصلات البحرية داخل بحر البلطيق لمعاونة الاتحاد السوفيتي. أما القيادة العسكرية الألمانية وبعد تدارس الموقف فقد توصلت إلى نتيجة حتمية أنها يجب أن تقطع خطوط المواصلات البحرية البريطانية فيما بين أمريكا وبريطانيا، حتى يمكن تحقيق النصر فى حربها داخل أوربا، وقد اعتمدت ألمانيا على سلاح الغواصات لتحقيق هذه المهمة، كما أنها اعتمدت على الطيران لتحقيق مهامها العسكرية البرية.


وفى حقيقة الأمر كانت البحرية البريطانية مدركة أيضًا لأهمية تأمين النقل البحرى، وقد أعطت هذا الموضوع اهتمامًا بالغًا وحققت أساليب متقنة للدفاع عن قوافل النقل البحرى الذى كان يحمل كل ما تحتاجه الحرب فى أوربا ويمكن ذكر - على سبيل المثال - أسلوب القوافل “CONVOY SYSTEM”، وكذا أسلوب تأمين هذه القوافل بواسطة سفن السطح، وذلك بتكوين ستائر حراسة قريبة وقوات تغطية من المدمرات على مسافات أبعد، بالإضافة إلى دوريات قنص وتدمير للبحث والتبليغ عن الغواصات أطلق عليها اسم “HUNTER KILLER GROUPS”، وقد نجحت بريطانيا فى هذه المهمة وأثبتت مدى أهمية القوة البحرية من وجهة النظر الإستراتيجية.


وفيما يلى سنبحث موضوع القوة البحرية بالنسبة لمصر التى تمتد سواحلها لآلاف الأميال وتمتلك أهم شريان بحرى فى العالم ألا وهو قناة السويس كما أنها تسيطر على مضايق مثل مضيق شدوان ومضيق تيران وكما قامت القوات البحرية المصرية فى حرب أكتوبر ١٩٧٣ بالسيطرة على مضيق باب المندب الذى يقع على مسافة أكثر من ١٢٠٠ ميل من السويس، علمًا أن بتنفيذ هذه المهمة حققت القوات البحرية المصرية نجاحًا باهرًا فاجأ إسرائيل والعالم. حيث تمكنت من فرض حصار بحرى على الموانئ الإسرائيلية فى البحر الأحمر والبحر المتوسط بإمكانيات محدودة وبدون معاونة جوية.


إن التخطيط الاستراتيجى الذى اتبعته العمليات البحرية فى هذه الحرب كان تخطيطًا استراتيجيًا سليمًا وبدرجة عالية من الكفاءة، مع الوضع فى الاعتبار حرمان إسرائيل من استخدام قوتها الجوية لصد هذه العمليات البحرية المصرية فى جميع المناطق، سواء كانت تعمل فى البحر الأحمر أو البحر المتوسط، حيث كانت بعض مدمرات البحرية المصرية تعمل جنوب جزيرة مالطا وكانت غواصاتنا تعمل فى مناطق مختلفة فى البحر المتوسط. والجدير بالذكر أن تخطيط شعبة العمليات البحرية أحدثت تغييرًا كاملًا فى أسلوب استخدام القوات البحرية المصرية عما سبق. حيث كان النشاط البحرى المصرى مقصورًا على العمليات التكتيكية.


علمًا بأن هذا التصرف من شعبة العمليات جعل إسرائيل فى موقف حرج جدًا إذا إنها لم تستطع أن تدخل ضد النشاط البحرى المصرى، حيث إن جميع وحداتنا البحرية كانت تعمل خارج مدى الطيران الإسرائيلى فيما عدا الغواصات والوحدات الخفيفة وعمليات بث الألغام والعمليات الخاصة بواسطة الضفادع، وكلها من الأعمال التى لا يمكن للطيران الإسرائيلى إحباطها.


ويلاحظ أن هذا التصرف الاستراتيجى أربك إسرائيل وشكل صعوبات بالغة بسبب حرمانها من الإمداد بالبترول الذى كان يصل لها عبر باب المندب، والجدير بالذكر أن هذه العمليات نفذت فى نطاق القانون الدولي. هذا ويجب الإشارة أن هذا التطور فى استخدام القوة البحرية المصرية الذى نفذه رئيس شعبة العمليات أدى إلى تركيز النشاط البحرى فى العمق الاستراتيجى وليس النطاق التكتيكى فقط كما كان يحدث فى الصراعات السابقة مع إسرائيل.


إن عملية تأمين الملاحة البحرية فى البحر الأحمر وتحقيق السيطرة الاستراتيجية البحرية لهذا البحر يعتبر من المهام الرئيسية التى يجب الاعتناء بها لما لها من تأثير ليس فقط على مصر بل على الملاحة الدولية.


فى السنوات الأخيرة ظهر تهديد جديد ألا وهو أعمال القرصنة البحرية، بالرغم من صغر حجم الوحدات التى تستخدم لهذا الغرض، إلا أنها تشكل تهديدًا للنقل البحرى التجارى، ولذلك فإن مقاومة هذا الخطر الجديد يعتمد على تحقيق تعاون كامل بين الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، وبالذات منطقة مضيق باب المندب. وهذا الأمر يتطلب تكوين قيادة بحرية مشتركة تمثل فيها الدول المطلة على البحر الأحمر حتى يمكن تأمين البحر من أعمال القرصنة، بل القضاء على هذه الظاهرة تمامًا إذ إن هذه العملية ليست بصعبة إلا أنها تحتاج إلى تنسيق وتعاون مشترك، خاصة فى تجميع المعلومات وتبادلها وإعطاء الإنذارات وتوجيه الوحدات المخصصة للتأمين إلى المناطق التى يحدث بها تحديد من القرصنة.


الخلاصة


مما سبق يتضح مدى أهمية اتباع مصر إستراتيجية عسكرية تعتمد على حد كبير على قوة بحرية مناسبة لتحقيق المهام المطلوب تنفيذها، علمًا بأن النجاح فى ذلك يحقق لمصر الأمن والاستقرار الاستراتيجى والمحافظة على ثرواتها وأهدافها الاقتصادية.


فريق بحري/ أشرف محمد رفعت


قائد القوات البحرية الأسبق


ورئيس شعبة العمليات البحرية فى حرب أكتوبر ١٩٧٣