تسليح القوات المسلحة محطات ما قبل وبعد حرب أكتوبر

05/10/2016 - 1:19:29

عميد. طارق الحريرى

خاضت مصر منذ أواسط القرن العشرين حتى قبل نهايته بعقد من الزمان حروبا عديدة، بلغت سبع حروب فى قرابة أربعين عاما، منها حربان خارج حدود الدولة، الحرب فى اليمن لمساعدة ثورتها، وحرب تحرير الكويت التى شاركت مصر فيها فى إطار تحالف دولى وكانت القوة الأكبر الثانية بعد الولايات المتحدة.


أما الحروب الخمس الأخرى فقد اقتصرت على جولات الصراع العربى الإسرائيلى فى حروب فلسطين عام ١٩٤٨ والعدوان الثلاثى عام ١٩٥٦ وعدوان الخامس من يونيه عام١٩٦٧، ثم حرب الاستنزاف التى استمرت ثلاث سنوات من الأول من يوليو عام ١٩٦٧ مع معركة رأس العش وانتهت فى أغسطس عام ١٩٧٠، مع بدء تطبيق مبادرة روجرز ويطلق عليها أيضا حرب الألف يوم، وأخيرا حرب السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣.


وهنا يتبادر للذهن تساؤل حول أهمية استعراض حروب مصر، وماهىّ علاقة هذا بدراسة مختصرة تلقى نظرة على موضوع تسليح القوات المسلحة المصرية ما قبل وبعد حرب السادس من أكتوبر حتى الآن، والحقيقية أن أهمية هذا التذكير متناهى الإيجاز دون أى تفاصيل عن حروب مصر الأخيرة، هو إثارة الانتباه لها من عدة جوانب تتعلق عضويا بطبيعة الجيوش المعاصرة فى الحرب بعد التحول الرهيب فى تكنولوجيا التسليح وتتمثل هذه الجوانب فى الآتى:


١ – تلعب الحروب الحديثة دورا مفصليا فى بناء خبرات احتياجات السلاح وضرورات استخدامه، نظرا لأن العمليات فى ميادين القتال أصبحت تعتمد كليا على معركة الأسلحة المشتركة، مما يجعلها تحتاج إلى ترتيبات معقدة لتحقيق إمكانيات متطورة للقيادة والسيطرة والمناورة المركبة بالقوات والنيران كل على حدة فى بعض المراحل أو كلاهما معا فى الغالب.


٢– تظهر أهمية خبرات الحروب وهى تختلف من جيش لآخر طبقا للعقيدة العسكرية فى جانبها الذى يساعد على إتمام المهام المختلفة، مما ينعكس على تطوير التفكير الإبداعي والابتكاري لإيجاد حلول غير نمطية في مواجهة المواقف القتالية المتغيرة وما يرتبط بها من احتياجات فى أنظمة التسليح نوعا وكما والعقيدة العسكرية هى نتاج خبرات الحروب وطبيعة التهديدات ومصالح الدولة.


٣– التقدم التكنولوجى الفائق فى مجال التسليح مهما بلغت درجة تطوره، إلا أنه لايلبى دائما متطلبات مسرح العمليات المنتظر طبقا للتهديدات أو الموقع الجغرافى أو المناخ . . إلخ وهذا يختلف من دولة لأخرى ومن موقع لآخر داخل الدولة الواحدة أحيانا، وهذه الاختلافات تعززها فى المقام الأول خبرات الحروب التى تستدعى تعديلات تقنية وفنية لتحقيق المهام على الوجه الأمثل.


لذلك أضحت خبرات الحروب التى خاضتها مصر عاملا أساسيا بلور الفكر الذى رسم استراتيجية خطط التسليح فى القوات المسلحة على تعدد أوجه بنائها فى إطار منظومة متكاملة تلبى كافة الاحتياجات تعتمد على شراء الأجيال الأحدث دائما وتوفير القاعدة العلمية القادرة على التصنيع وتطوير السلاح المستورد والقدرة على إجراء الإصلاح والصيانة على مستوياتها المختلفة.


ونظرا لأن السلاح هو العامل الأساسى فى تحقيق التوازن الاستراتيجى، لذلك أولته القيادة السياسية والعسكرية فى مصر اهتماما يتناسب مع أهميته فى بناء قوات مسلحة قوية، وقد تجلت ملامح هذا التوجه فى عدة محطات:


المحطة الأولى: بعد حرب فلسطين وما ترتب عليها من نتائج مما حدا بحكومة الوفد فى مطلع الخمسينيات إلى رفع مخصصات التسليح فى ميزانية الدولة لمواجهة تعنت البريطانيين أثناء حرب فلسطين وبعدها فى تلبية احتياجات الجيش المصرى، ومن المفارقات فى ذلك الوقت أن مفاوضات كانت قد بدأت بين الحكومة المصرية ودولة التشيك قبل ثورة الثالث والعشرين من يوليو لعقد صفقة فى إطار كسر احتكار البريطانيين، وكانت هذه المحطة إرهاصة مبكرة لتنويع مصادر السلاح.


المحطة الثانية: بدأت بعد قيام ثورة الثالث والعشرين من يوليو بصفقة الأسلحة التشيكية التى أبرمت فى سبتمبر عام ١٩٥٥ وكانت قيمتها ٢٥٠ مليون دولار وهذا مبلغ كبير فى ذلك الوقت، وكان الهدف من هذه الصفقة كسر احتكار السلاح حيث كان بناء جيش وطنى قوى أحد أهداف الثورة الستة، وكانت الصفقة متكاملة فى أنواع السلاح بما يحقق هذا الهدف.


المحطة الثالثة: بدأت بعد نكسة الخامس من يونيه وشكلت نموذجا فذا فى النقلة النوعية والكمية لتسليح القوات المسلحة التى تمت بعد فقد الجيش المصرى ٨٠٪ من السلاح فى سيناء وضربة الطيران الإسرائيلى فى بداية الحرب، وكانت هذه المحطة إحدى معجزات العسكرية المصرية حيث تم استعواض وتجديد أسلحة الجيش المصرى بالكامل بأحدث ما فى تكنولوجيا العصر من تسليح واستيعاب هذه الأسلحة الأكثر تعقيدا عما كان موجودا من قبل فى توقيت زمنى قياسى، وكان هذا إنجازا اعترف به العدو قبل الصديق.


بلغ من مجد هذه المرحلة أن أسلحة جديدة لم تكن قد استخدمت من قبل نجحت القوات المسلحة فى كسر هيبة أنها لم تجرب ميدانيا من قبل، ففى حرب الاستنزاف على سبيل المثال لا الحصر نجحت لنشات الصواريخ فى تدمير حاملة الطائرات الإسرائيلية إيلات قبالة ساحل بورسعيد، وكانت هذه العملية بهذا السلاح غير مسبوقة فى تاريخ الحرب البحرية، وكانت نقطة تحول فى مفاهيم الحرب البحرية الحديثة.


وكانت هذه المحطة الثالثة علامة فارقة فى تطور مفاهيم استخدام السلاح لدرجة إعادة بناء الهيكل التنظيمى للقوات المسلحة، والدليل على ذلك على سبيل المثال لا الحصر هو استحداث فرع رئيسى تمثل فى إنشاء قوات الدفاع طبقاً للقرار الجمهوري الصادر في الأول من فبراير عام ١٩٦٨ الذي نص على إنشاء قوات الدفاع الجوي كفرع رئيسي ثالث بجانب القوات الجوية والقوات البحرية وكقوة رابعة بجوار القوات البرية والبحرية والجوية، وكانت سابقا جزءا من سلاح المدفعية وتحت القيادة العملياتية للقوات الجوية.


فى هذا التوقيت بدأ تسليح قوات الدفاع الجوى لأول مرة بالصواريخ المضادة للطائرات، حيث كانت المضادات الأرضية تعتمد فقط على المدفعية المضادة للطائرات التى قل تأثيرها للغاية مع التطور فى عالم الطيران الحربى، ويكاد يقتصر على المشاركة بقدر ضئيل فى التصدى للطيران المنخفض، وسافرت وحدات كاملة من الأفراد، ضباط وصف وجنود فى البداية إلى الاتحاد السوفيتى لتلقى التدريب على أنواع مختلفة من الصواريخ لم تكن معروفة من قبل مثل «سام»٢ و«سام ٣» والرادارات المحلية لوحدات الصواريخ والرادارات الاستراتيجية على المستوى القومى للبلاد وفيما بعد تم التدريب على صواريخ الإستريلا (المحمولة على الكتف) فى مصر، وقد لعبت هذه الصواريخ مع منظومة الشيلكا التى وصلت قبل حرب أكتوبر بوقت قليل دورا هائلا فى حماية كبارى العبور من الطيران الإسرائيلى المنخفض، حيث اكتشف الإسرائيليون أنهم لن يستطيعوا تكرار ما فعلوه فى حرب الخامس من يونيه.


أما فى غير مجال الدفاع الجوى عرفت مدفعية الميدان المقذوفات الموجهة المضادة للدبابات وعيارات جديدة أكبر من المدفعية الأرضية وتمت ميكنة لواءات المشاة، وكان التحديث والتجديد فى كافة أسلحة القوات المسلحة واستحدث سلاح الحرب الإلكترونية، وتم تعديل الهيكل التنظيمى للإدارات والأفرع الرئيسية مع التغير الجذرى فى أنواع وأنظمة التسليح وفى خلال فترة التحول الكبير.


ومن المعروف أنه فى هذه المحطة استعانت القوات المسلحة بالخبراء السوفييت الذين قدموا إلى مصر لتسريع وتيرة استيعاب الأسلحة الجديدة، وقد أبدى هؤلاء الخبراء انبهارا من قدرة الجنود المصريين فى تجاوز معدلات الأداء القصوى لاستخدام الأسلحة والمعدات وفى عام ١٩٧٢ تم الاستغناء عن هؤلاء الخبراء عندما استقر العزم على عملية العبور للضفة الشرقية من قناة السويس حتى لايشوب العمل العسكرى والسياسى أى شائبة مع انطلاق العملية وكى يصبح النصر مصريا محضا.


المحطة الرابعة: وقد استمرت من بعد حرب أكتوبر حتى بداية تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى وزارة الدفاع قبل انتخابه رئيسا للجمهورية وإذا كانت الفترة حتى عام ١٩٧٣ قد اتصفت بالاعتماد الكامل على التسليح من الكتلة الشرقية وبالأخص الاتحاد السوفييتى عدا بعض الاستثناءات النادرة نتيجة الحظر الأمريكى الذى ضرب على مصر فى مجال التسليح، إلا أن المحطة الرابعة شهدت تغييرا كاملا بعد حرب أكتوبر بعد أن أعلن الرئيس السادات أن ٩٩٪ من أوراق اللعبة فى أيدى الولايات المتحدة الأمريكية حيث تم استقطاب مصرى كامل فى مجال التسليح تجاه الولايات المتحدة وخبا مبدأ تنويع مصادر السلاح الذى كان قد بدأ يلمع مرة أخرى لدى الفكر العسكرى المصرى فى بداية هذه المرحلة بعد الدرس المستفاد حينما تعرضت القوات المسلحة لتباطؤ الاتحاد السوفييتى فى استكمال الإمداد بشحنات متعاقد عليها من السلاح ومصر على أعتاب المعركة وكان هذا التصرف نتيجة الاستغناء عن الخبراء عام ١٩٧٢ واستمر الاستقطاب الأمريكى كاملا طوال هذه المحطة مما كان له آثار سلبية أحدثت قصورا فى بعض الجوانب.


المحطة الخامسة: وهى المحطة التى بدأت مع تولى الفريق أول عبد الفتاح السيسى وزارة الدفاع لتشهد القوات المسلحة طفرة غير مسبوقة تم إحياء مفهوم تنويع مصادر السلاح الذى عطل طويلا ولم يكن التنويع إجراء شكليا، لأن ما تم فى إطاره كان تطورا نوعيا وكميا فائقا لم تشهده القوات المسلحة على مدار تاريخها المعاصر كاملا دون أدنى مبالغة فى ذلك، واستمر هذا النهج بعد انتخاب السيسى رئيسا للجمهورية وتولى الفريق أول صدقى صبحى منصب وزير الدفاع وأصبحت مصر تنوع فى أسلحة القتال الرئيسية مع عديد من الدول كفرنسا وروسيا وألمانيا ومن قبل بالطبع الولايات المتحدة وقامت مصر بشراء معدات وأسلحة وقطع غيار من الصين وبريطانيا وإيطاليا ودول أخرى، وعلى سبيل المثال ليس خافيا على أحد أن مصر تعاقدت مع فرنسا على طائرات رافال وفرقاطات ومن ألمانيا على غواصات ٢٠٩/١٤٠٠ ومن روسيا على طائرات ميج حديثة وهليكوبتر من طراز كا ٥٢، وهى تضارع الأباتشى الأمريكية وكل منهما تتفوق على الأخرى فى بعض النواحى ومن روسيا أيضا جيل جديد من صواريخ الدفاع الجوى، ومن المعروف أن منظومة الدفاع الجوى الروسية هى الأقوى فى العالم وأيضا منظومة بريزدنت إس لحماية الطائرات والقائمة طويلة تشمل كثيرا من دول العالم المتقدمة فى عالم السلاح، وخلال هذا العام تسلمت القوات البحرية حاملتى الطائرات الهليكوبتر جمال عبد الناصر وأنور السادات، وهما من طراز ميسترال كانتا مخصصتين أصلا لروسيا، ودخولهما الخدمة فى البحرية المصرية تعنى خطوة كبرى فى القوات المسلحة وليس البحرية فقط فى إطار تأمين دوائر الأمن القومى المصرى، وبهذا الأداء المتميز أصبحت مصر طبقا لتصنيفات الخبراء والمعاهد والمراكز المتخصصة عالميا فى المجال العسكرى فى مصاف أقوى عشرة جيوش فى العالم.


وبصفة عامة لم يفت القيادة السياسية والعسكرية الاهتمام بالتصنيع العسكرى ويمكن القول بأن الاحتياجات الأساسية إن لم تكن الكاملة من ذخائر القوات البرية وجانب من احتياجات الأفرع الرئيسية تصنع فى مصر بأيدٍ مصرية، كما أن القاعدة العلمية من علماء ومهندسين وكوادر فنية تقوم بتطوير بعض الأسلحة التى تأتى من خارج مصر لتتلاءم مع ضرورات الاستخدام، كما أن القوات المسلحة لديها ورش ومعامل متقدمة جدا فى مجالات إصلاح وصيانة الأسلحة على اختلافها بما فيها ذات التكنولوجيات المعقدة.


لا خلاف على أن كافة العقائد العسكرية على تعددها تتفق فى تصور واحد هو أن السلاح بالإنسان وليس الإنسان بالسلاح، بمعنى أن الفرد داخل القوات المسلحة هو العامل الأساسى فى الحروب وحتى فى العمليات العسكرية المحدودة، لكن هذا الفرد يبقى مرتهنا بإمكانيات السلاح الذى يستخدمه ولايتحقق هذا إلا بتوفر نوعيته الملائمة عند الاشتباك فى مواجهة العدائيات، وهو ما صار بعدا آمنا ومستوفيا الآن فى القوات المسلحة المصرية.