دروس الهجرة تجلت فى أكتوبر

05/10/2016 - 1:17:57

بقلم: نصر سالم

فى رحلة العمرة كان من بين البرامج المعدة للمعتمرين، زيارة المزارات التاريخية فى مكة المكرمة، وفى مكة كانت زيارة غار»ثور» من بين تلك المزارات إلى جانب غار»حراء» ثم الأماكن الخاصة بالمشاعر فى فريضة الحج بدءاً من مِنى إلى عرفات إلى المزدلفة ثم إلى مِنى مرة أخرى حيث أماكن الرميات الثلاث.


وكضابط استطلاع قضى عمره كله فى تعلم وتنفيذ وتعليم كيفية الاختفاء داخل أحشاء العدو، دون أن يرانا أو حتى يشعر بنا كنت شغوفاً بل ومولعا بالصعود إلى»غار ثور» الذى اختفى فيه الرسول الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، هو وصاحبه أبو بكر - رضوان الله عليه - ولم يرهما الكفار رغم أنهما كانا فى موضع يسمح لأى فرد من الكفار أن يراهما - بمجرد أن ينظر تحت قدميه


كنت أريد أن أعرف ما أسباب الدنيا التى أخذ بها الرسول - من علم - الإخفاء والتمويه حيث أسباب ظهور الأغراض وكيفية التغلب عليها.


فما إن وصلت الحافلة التى تقلنا إلى سفح جبل ثور الواقع جنوب مكة المكرمة حتى اندفعت أصعد درجات السلالم الحجرية على الدرب المؤدى إلى قمة الجبل حيث»غار ثور» وبعد ساعة أو يزيد قليلا قطعت فيها مسافة حوالى ثلاثة كيلو مترات هى طول الدرب، وصلت إلى قمة الجبل، وبدأت أبحث عن الغار، كى أحصى ما فيه من مزايا، أعجزت الكفار عن رؤية الرسول صلوات الله عليه هو وصاحبه، وكانت المفاجأة، التى أذهلتنى فى البداية!! وهى.. أن جميع الأسباب التى تؤدى إلى ظهور الأغراص، متوفرة فى الغار وفى المكان الذى يقع فيه.


إن الأسباب التى تؤدى إلى ظهور الأغراض وهى على سبيل المثال وليس الحصر:


التواجد فوق القمة وعلى خط السماء أى الخط الذى تظهر فيه السماء ملاصقة للأرض.


والغار موجود فوق قمة جبل ثور وعلى خط السماء»أى أنه ظاهر تماماً.»


الظل الساقط والظل المحصور أى الظل الذى يظهر داخل المكان فيوضح شكله هل هو باب أم شباك أو شىء من هذا القبيل.


والغريب أن شكل الغار عبارة عن غرفتين فوق بعضهما البعض، وله فتحتان إحداهما من أسفل وتمثل الباب والفتحة الثانية من أعلى السقف فى الغرفة العلوية ثم فتحة فى سقف الغرفة السفلى إلى أسفل.. ومن ينظر إلى داخل الغار من أى فتحة يرى جميع الأركان والزوايا داخل الغار وخاصة لو نظر من أعلى أى لو نظر الواقف أعلى الفتحة العلوية لأبصر كل ما بداخل الغار.


اختلاف اللون عن لون الأرض الخلفية.


والناظر إلى الغار من أى اتجاه يكتشف أن لون الأرض الموجود فيها الغار»بيضاء». عن باقى الجبل الذى يغطيه اللون الأصفر.


مكان مشهور ومعروف ومطروق.


بدليل أن من يطاردون الرسول وصاحبه وصلوا إلى الغار.


٥- قريب من الطرق والمدقات.


وهو بالفعل كذلك يتواجد إلى جواره العديد من المدقات المؤدية إليه وهى التى تحرك عليها الكفار ووصلوا إلى الغار «المدق هو طريق غير ممهد».


وهنا يقف العقل متحيراً.. كيف وكل هذه الأسباب التى تؤدى إلى ظهور الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه والتى أوصلت الكفار بالفعل إلى الغار ووقوفهم أمام بابه العلوى الذى يظهر كل ما بداخله ثم لا يرون شيئاً..!


إنها حكمة الله.. ووعده لعبده.. الذى يطيع أوامره، وينفذ كل ما أمره الله به بأقصى ما يستطيع.. أما النتيجة فهى من عند الله.. بمعنى»على المرء أن يسعى وليس عليه إدراك النجاح» لأن النجاح من عند الله.. وأيضاً كما قال المولى عز وجل «وما النصر إلا من عند الله».


وقوله تعالى «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم.»


وحين نراجع ما فعله الرسول الكريم منذ عزم الأمر على الهجرة، نجده قمة التخطيط والإعداد فى سرية وكتمان واتباع أساليب الخداع والتمويه والإخفاء.


فها هو يذهب إلى بيت صديقه أبى بكر فى وقت الظهيرة بحرارتها الشديدة، حيث لا يوجد أحد فى شوارع مكة.. ويطرق الباب.. وما إن يدخل حتى يطلب من أبى بكر أن يخرج من البيت حتى لا يعرف أحد السر الذى أتى من أجله، فيقول له أبو بكر يا رسول الله إنهم أهلك. أى مؤتمنون على سرك فيخبره الرسول بأمر الهجرة فيقول أبو بكر: «الصحبة يا رسول الله».


ثم يجهز أبو بكر ناقتين قويتين لرحلة الهجرة ويصر الرسول أن يدفع ثمن الناقة التى سيركبها ونصف تكاليف الزاد الخاص بالرحلة.. ويضع خطة الهجرة.


- التحرك أشولا فى اتجاه الجنوب حيث جبل ثور عكس اتجاه المدينة وهو الشمال ليخدع الكفار عن الاتجاه الذى يقصده.


- يأمر على بن أبى طالب أن ينام فى فراشه كى يخدع الكفار بأنه ما زال نائماً ولم يخرج.


- يتحرك مولى أبى بكر بالأغنام خلف الناقتين اللتين يركبهما الرسول وصاحبه لإخفاء(الجُرة)أى آثار أقدام الناقتين حتى لا ينكشف أمرهما.


- تقوم أسماء بنت أبى بكر بحمل الطعام إليهما فى الغار (غار ثور) طيلة الفترة التى سيمكثانها فيه.


- تم الاتفاق مع أحد الأعراب الذين يعرفون الطريق إلى المدينة ليعمل دليلا لها فى رحلتهما.


- ترك كل الأمانات التى كان أهل مكة يحتفظون بها عند رسول الله. مع على بن أبى طالب، لتسليمها لأصحابها- ردا للأمانة- ومنعا لأى حرب نفسية قد يروج لها الكفار بأن محمدا قد هرب ومعه أماناتهم التى ائتمنوه عليها.


• لقد فعل الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، كل ما أمره الله به من إعداد بأقصى ما يمكن ولم يفرط فى عمل واحد من أعمال التخطيط والإعداد والإخفاء والخداع.


فكان جواب الشرط الإلهى.. زيادة فى الإيمان ويقينا وثقة..


إن الله هو مسبب الأسباب وهو الذى يقول للأسباب افعلى ويقول لها لا تفعلى.


فحين وصل الكفار بكل أسبابهم وأصبح الرسول وصاحبه أقرب من مرمى البصر.. أفقدهم الله الرؤية فلم يبصروا.


حتى إن أبا بكر يقول للرسول الكريم.. يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا.


- وهذا حق وعين الحق- فيقول له صلى الله عليه وسلم، يا أبا بكر ما بالك باثنين الله ثالثهما، وهذا هو الدرس الإلهى الذى أراد أن يعلمه لنا إلى قيام الساعة.


- أعدوا.. قاتلوهم.. اضربوا.. وفى النهاية.. «وما النصر إلا من عند الله»، «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى»


• وإلا..


ألم يكن فى استطاعة المولى أن ينقل الرسول وصاحبه فى لحظة واحدة من مكة إلى المدينة كما حدث فى رحلة الإسراء؟ وكانت ستبقى معجزة يتحدث بها القوم إلى قيام الساعة.


- ولكن الله أراد أن يعطينا الدرس: اعملوا.. خذوا بالأسباب.. واتركوا النتيجة لله.


وفى أكتوبر ١٩٧٣ .. ما كان أمامنا إلا أن نعد ما استطعنا ونأخذ بالأسباب بيقين كامل فى نصر الله.. وكل من يقول بغير ذلك فهو جاحد أو جاهل أو غبى. أو هو كل هؤلاء معا.


• هل يفهم أحد معنى أن تقرر مهاجمة جيش دولة تمتلك أسلحة نووية؟


• هل هذه مغامرة؟


• وأى مغامرة هى؟.. مغامرة محسوبة؟ أم غير محسوبة؟


• إن إسرائيل لديها الخيار )شمشون(أى استخدام الأسلحة النووية.


واستخدام الأسلحة النووية.. كما سبق واستخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد اليابان فى الحرب العالمية الثانية. لم يكن ضد الجيش اليابانى فى ميدان المعركة.. ولكنها استخدمتها ضد أكبر مدينتين يابانيتين (هيروشيما ونجازاكى)


• إن متخذ القرار إما أن يكون على درجة لا نهاية لها من الثقة فى نصر الله أو على أدنى درجات الكفر.. أى قرر الانتحار.


• والحمد الله رب العالمين الذى صدقنا وعده.. وأثبت للعالم أن القرار كان بقمة الإيمان ويؤكد ذلك كل ما اتخذناه من الإعداد للمعركة.. فلم يبخل إنسان مصرى (عسكريا كان أو مدنيا) بذرة جهد فى الإعداد للمعركة.


وأشهد وأنا أحد رجال الاستطلاع الذين لم يغمض لهم جفن منذ الخامس من يونيه ١٩٦٧ وحتى أكتوبر ١٩٧٣ ولو لحظة واحدة.. أننا كنا نتسابق إلى الموت غير عابئين بحياة لا نظفر فيها بالنصر ولا نرى له أثرا على شفاه أطفالنا ووجوه أهلينا.


لقد كان الرد المصرى على الإسرائيليين منذ اليوم التالى للنكسة التى لم نكن نستحقها.. والنصر الذى لم يستحقوه.. إن ثمن البقاء على أرضنا أغلى بكثير من أن يتحملوه.. لأن أرضنا بل كل ذرة من ترابها أغلى وأغلى من حياتنا أجمعين.


أثبت ذلك طيارونا حين تفوقوا على أنفسهم قبل أن يتفوقوا على العدو، وبدأوا الرد من الخامس عشر والسادس عشر من يوليو ١٩٦٧ .. وحين أخذت الكلية الجوية المصرية تخرج دفعتين من الطيارين فى العام الواحد حتى أصبح لدينا ٢:١ (طيار لكل طيارة.. (بعد أن كان لدينا طيار واحد )لكل طائرتين( بعد النكسة فى الوقت الذى تمتلك فيه إسرائيل ٣:٢ (طيار لكل طائرة) ثم كانت حرب الاستنزاف، فملحمة الضربة الجوية والمعارك الجوية وخاصة معركة المنصورة الشهيرة فى ظل حماية مانعة لدفاعنا الجوى الذى أجبر طيران العدو على عدم الاقتراب منه أقل من عشرين كيلو مترا وكان الأكثر نصيبا فى إسقاط طائرات العدو على مستوى العالم.. وفى البحر لم يكن غريبا ولا جديدا على أبطالنا أن يستمروا سادة لبحارنا حماة لمياهنا لا يقربها عدو إلا اختفى فى الأعماق إلى غير رجعة.


وأما على البر فمعاركنا التى خاضها أبطالنا من أسلحة مشتركة ومعاونة ومتخصصة.. فسيظل التاريخ يحكى عن إعجاز تلو إعجاز من تدمير خط برليف المنيع- أقوى خط دفاعى فى التاريخ الحديث ومعارك الدبابات التى حققت معدلات لا مثيل لها (تدمير لواء مدرع فى عشرين دقيقة) ، ومدفعية لا تخطئ أهدافها، ومهندسين عسكريين وإشارة وحرب إلكترونية.....إلخ


انتهت الحرب وعادت أرضنا كاملة غير منقوصة.. لأن أعداءنا اقتنعوا عن بينةٍ أننا على استعداد أن نضحى بأرواحنا ولا نضحى بحبة رمل من أرضنا.


• ولكن ..


- هل انصرف الأعداء عنا؟


- هل كفوا عن الكيد لنا؟


• وإلا وما معنى قول الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه حين قال:


« إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا منها جندا كثيفا، فإنهم خير أجناد الأرض».


وعندما سئُل.. لما يا رسول الله؟ أجاب» لأنهم فى رباط إلى يوم الدين».


• إن الأعداء لم يتوقفوا عن الكيد لمصرنا ولأمتنا العربية والإسلامية، وما شاهدناه ونشهده من مؤامرات تُدبر لبلادنا بدءاً من غزو العراق ثم الفوضى التى أريد بها تفتيت أمتنا إلى كيانات لا تقوى على الدفاع عن نفسها ضد أى معتد أو طامع.


وكانت الأداة التى استحدثها أعداؤنا لتفتيت بلادنا هى تلك التنظيمات الإرهابية التى نسبت نفسها للإسلام.. والإسلام منها براء.. وأوصلوها إلى حكم مصر..


لتسقط عن وجوههم أقنعة المؤامرة الكبرى المدبرة للاستيلاء على مقدرات البلاد وتغيير هويتها خدمة لهدف صهيونى واستعمارى يجعل بلادنا وطنا بديلا للفلسطينيين بعد أن تنعم إسرائيل ببلادهم التى تعلن قيام دولة يهودية خالصة العرق على أرضها وتطرد كل من فيها من غير اليهود إلى بلادنا.


وعندما اكتشف المصريون المؤامرة وقاموا فى الثلاثين من يونيه ٢٠١٣ بالتخلص من هؤلاء المتآمرين، انقضوا علينا بالإرهابيين الذين أعدوهم لذلك فى سيناء وفى مدن الوادى.. وعاقبتنا القوة الكبرى التى خططت لذلك بتجميد صفقات التسليح المتعاقد عليها لصالح جيشنا.. لنستشعر خطر الاعتماد على مصدر واحد للسلاح وننطلق شرقاً وغرباً نزود جيشنا بأحدث الأسلحة الجوية من (الرافال الفرنسي) و(الميج ٢٩ والكاموف الروس) والبحرى الفرنسى من مسترال وفريم والألمانى من غواصات دولفين والروس من أحدث لنشات الصواريخ إضافة إلى الدفاع الجوى (S٣٠٠) والعديد من الأسلحة الحديثة التى تحفظ لأمننا القومى استقراره ولشعبنا الأمن والأمان.


وها هى سيناء التى أرادوا اغتصابها بالإرهاب وإجبار القيادة السياسية على القبول بخطة تبادل الأراضى التى تم الاتفاق عليها بين جماعة الإخوان وبين حماس والإسرائيليين.


- بدأت تستعيد أمنها وأمانها بدماء شهدائنا وإصرار قيادتنا وشعبنا على زراعتها وتعميرها بالبشر قبل الشجر وبإذن الله لن ينتهى العام ٢٠١٧ إلا وسيناء تضم فوق أرضها ما لا يقل عن خمسة ملايين نسمة، وجامعتان وأكثر من نصف مليون فدان من الأراضى الزراعية إضافة إلى مزارع الأسماك التى تُنشأ فى أحواض الترسيب الناشئة من حفر قناة السويس الجديدة لتعطى خمسة آلاف طن من الأسماك سنويا بالإضافة إلى ما سوف تنتجه بحيرة البردويل من آلاف الأطنان من أفضل أنواع الأسماك فى العالم.


ثم مشروع تنمية محور قناة السويس الذى قدرت بيوت الخبرة العالمية صافى دخل مصر السنوى منه بأكثر من مائة مليار دولار.


ويعد حفر الأنفاق الستة تحت مياه قناة السويس انطلاقة كبرى لإنهاء الانفصال القسرى لسيناء عن وادى النيل وخاصة بعد تعمير مدن شرق القناة المليونية - بور سعيد شرق - والإسماعيلية شرق - والسويس شرق.


وهناك الكثير من المشروعات العملاقة التى تنتظر سيناء فى الشمال والوسط والجنوب من زراعة وتصنيع وسياحة.


ويقدر حجم التجارة التى ستمر فوق جسر الملك سلمان الذى سيقام على مضيق تيران - بحوالى مئتى مليار دولار سنويا إن شاء الله.