ولا تزال الدماء الطاهرة تروى أرض الفيروز

05/10/2016 - 1:10:36

تقرير يكتبه: خالد ناجح

خطوة كنا ننتظرها جميعا وهى عمل مجموعة من الأعمال التى تجسد وقائع حرب أكتوبر، وأخيرا بدأ الغيث بأن إدارة الشئون المعنوية للقوات المسلحة، تقدم بالتعاون مع الإذاعة المصرية المسلسل الإذاعى (سيناء سكة العاشقين)، يتناول بطولات بعض من شهداء الوطن خلال معارك حرب أكتوبر ١٩٧٣ من القادة والضباط وضباط الصف والجنود، وشهداء سيناء منذ يناير ٢٠١١ ، وحتى الآن، على أن تذاع الحلقات اعتبارا من أول أكتوبر، وحتى نهايته على كافة شبكات الإذاعة المصرية.


يأتى ذلك فى إطار احتفالات القوات المسلحة باحتفالات نصر أكتوبر(العيد٤٣)، ومن خلال قيامها بدورها التوعوى فى تقديم النموذج والقدوة للشباب ونشر قيم التضحية والفداء من أجل الوطن.


يذاع البرنامج على عدة إذاعات منها البرنامج العام، فى تمام العاشرة وخمس دقائق، والشباب والرياضة فى تمام الحادية عشرة وخمس دقائق، والقاهرة الكبرى فى تمام الثالثة وخمس وأربعين دقيقة، وعلى إذاعة الشرق الأوسط فى السادسة وخمس وأربعين دقيقة، وعلى صوت العرب فى الحادية عشرة وخمس دقائق مساءً.


وكان لسان حالنا يقول كأن أرض سيناء أبت ألا تروى إلا بالدماء ....وكأن أرض الفيروز لا يشبعها إلا اللون الأحمر وكأن أغصان الزيتون لا يبقيها خضراء إلا لزوجة الدم الدافئ ...كانت وما زالت وأتمنى ألا تظل مصر أن تقدم شهداءها من كل محافظات مصر على سيناء.


قدمت كل محافظات مصر شهداء من أولادها من أبناء الجيش والشرطة منذ ثورة ٣٠ يونيه وحتى الآن، صحيح عدد الشهداء فى تناقص بفضل تواجد الجيش والشرطة، لكن الطعنات الغادرة من الإرهابيين الممولين من دول لا تريد لمصر الخير طالت خيرة شبابنا، فتجد الأمهات انهمرت الدموع من عيونهم حتى أوجعتنا عيوننا من البكاء.


الهول والويل، والصراخ والعويل، والشهداء يسقطون، من أى سبيكة ذهب صيغت نفوس هؤلاء الشهداء، كيف استطاعوا أن يثبتوا ويهزموا الرعب من الموت والخوف من الرصاص، أى روح قدسية تملكتهم فى تلك اللحظة، أى بطولة يعجز عن وصفها اللسان والتى كان آخر حبات عقدها اللؤلؤ استشهاد ٤ من عمال شركة الكهرباء بشمال سيناء، وإصابة ٣ آخرين فى انفجار استهدف سيارة تابعة للشركة على طريق «العريش ـ القناطر» بمنطقة سبيكة، ولم يكن قد مر وقت على استشهاد ٥ مجندين - بعد قيام مجهولين يستقلون سيارة ملاكى بإطلاق النيران تجاه قوة قطاع الأمن المركزى بالعريش – أثناء عودتهم من إجازتهم الدورية مستقلين سيارة، بالمنطقة المحصورة بين طريقى جسر الوادى والدائرى بدائرة قسم شرطة أول العريش فى أول أكتوبر، شهر انتصار مصر على إسرائيل واستردادها كامل أراضيها من العدو، والذى يعد الانتصار الوحيد للعرب على إسرائيل، ومن سخرية القدر أن تتم تلك العمليات فى نفس الأسبوع الذى افتتح فيه الدكتور الهلالى الشربينى وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى، والفريق أسامة عسكر قائد القيادة الموحدة لقوات شرق القناة ٦ مدارس جديدة بشبه جزيرة سيناء، تم إنشاؤها بالجهود الذاتية بالتعاون بين القوات المسلحة وعدد من المستثمرين ورجال الأعمال ومؤسسات المجتمع المدنى بشمال ووسط وجنوب سيناء، والتى تمثل المرحلة الثانية ضمن خطة إنشاء ٢٥ مدرسة ومعهد أزهرى يجرى إنشاؤها حاليًا، ومخطط افتتاحها بحلول العام الدراسى المقبل، وبالطبع يأتى ذلك تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة بدعم جهود التنمية الشاملة بسيناء، وتوفير مقومات الحياة الكريمة لأبناء الشعب المصرى من أهالى شمال ووسط وجنوب سيناء.


وأما عن المحاولات التى يبذلها البعض لعمل مصالحة أو إعادة دمج الإخوان، جاء الرد من والدة الشهيد محمد فاروق، التى قالت عن الحديث عن مصالحة مع جماعة الإخوان :«محدش يتكلم فى مصالحة، لا وزير ولا غفير ولا محافظ، والشعب اللى ماتحرقش قلبه ما يتكلمش فى مصالحة، وقلبى تاعبنى» وأقسمت : «أقسم بالله اللى هسمعه يتكلم فى مصالحة مع الإخوان، أروح أموت ابنه، ابنى مات وعنده ٢٧ سنة ومحدش حاسس بينا».


وفى المواسم والأعياد التى كان آخرها عيد الأضحى المبارك تجد المنازل يغلب عليها الحزن، وقلوب يملؤها الوجع، ووجوه لا تفارقها الدموع، وأجساد لا ترتدى سوى الملابس السوداء حزناً على فلذات الأكباد، لا تعرف للعيد طعماً، وضلت البهجة والفرحة طريقها إليها، الأطفال كبرت وصارت أكبر من عمرها بسنوات كثيرة تتحدث وكأنهم عاشوا كل تجارب الإنسانية.


أيكون الشهيد هو «الإنسان الكامل» الذى أسجد الله له الملائكة؟ «الإنسان الأسمى» الذى حلم به أفلاطون؟ «الإنسان السوبر» الذى ضل عنه نيتشه حين يبذل الشهيد روحه طواعية، حين يثبت فى مواجهة الموت، حين يسمو على الحياة التى نحرص عليها بغريزة أساسية، مثلنا مثل سائر المخلوقات.


الشهيد هو لحظة السمو فوق الغرائز العمياء، حينما يثبت فى مواجهة الموت، ويعلو فوق الذات وحب النفس، وقتها يتحقق فيه «الإنسان الكامل» الذى ترفع له التحية العسكرية، وتسجد له الملائكة فى السماء.


فى ظاهر الأمر نحن أحياء وهم أموات، أما الحقيقة فإننا نعيش حياة الموت، نمارس العيش المزيف، نركض خلف قوس قزح، نلهو، نعبث، نضحك ونبكي، نحمل الهم على الأرزاق، نولول على صفقاتنا البائسة التى لا تنجح، نتشاجر على حطام الدنيا، نتفاخر، نحيا كما الأنعام، نركض خلف ألف وهم ووهم، تداهمنا الرغبة واللذة والانشغال فى توافه الأشياء، نعيش بضع سنين أخرى وفى النهاية.. يأتى الموت.


حين يبذل الشهيد روحه طواعية، حين يثبت فى مواجهة الموت، حين يسمو على الحياة التى نحرص عليها بغريزة أساسية، مثلنا مثل سائر المخلوقات حتى لو تمنينا الموت بطرف اللسان، تكذّبنا جوارحنا، لأنه حين يقترب الخطر، أو يوشك نتمسك بالحياة بالضبط هذا ما ينطبق على الشهيد محمد أيمن شويقة (٢١ سنة) ابن قرية الإبراهيمية بمحافظة دمياط، والمجند بسلاح الصاعقة، بعد احتضانه إرهابيا كان يرتدى حزاما ناسفا، حاول تفجير نفسه فى الجنود خلال إحدى المداهمات التى شنها الجيش للبحث عن مسحلين، قائده العسكرى هو الذى قال إن الشهيد افتدى زملاءه المجندين بأن احتضن الإرهابى صاحب الحزام الناسف، وأنها ليست المرة الأولى التى يحدث ذلك، وأن هناك الكثيرين من العساكر قد يتلقون الرصاص فى صدورهم بدل زملائهم، وهذا «يطمنكم على مصر».


لكن أن تجد من يحنو عليك فلهذا شأن آخر، وهذا ما يفعله الرئيس مع والدى الشهداء عندما يقابلهم فقد استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسى أهل الشهيدين مجند الشحات فتحى شتا، شهيد الكتيبة ١٠١، ومجند أيمن السيد شهيد الصاعقة، اللذين ضحيا بأرواحهما فداء للوطن.


كان الشهيد الأول «الشحات» استطاع تزويد مخزن الذخيرة الخاص بالكتيبة، ونجح فى إبعاد الإرهابيين عن الموقع قبل أن يفجر نفسه ليحمى زملاءه، بينما قام الثانى باحتضان أحد العناصر التكفيرية أثناء محاولته تفجير موقع عسكرى بالعريش، فى ١٥ ديسمبر الجاري.


وتقرر إطلاق اسم الشهيد «مجند الشحات فتحى البنا»، على المدرسة التجارية برأس الخليج بمركز شربين بالدقهلية، وإطلاق اسم الشهيد «محمد أيمن السيد» على مدرسة الإبراهيمية الابتدائية القبلية بمركز كفر سعد بدمياط، تخليدا لذكراهما العطرة.


أكد الرئيس أنه من الشرف أن يلتقى بأهالى الشهداء الذين ضحوا من أجل الوطن، وقدم لهم الشكر، وشدد على أن الشهداء يضربون مثالاً رائعًا لأبناء القوات المسلحة، وأن تضحيتهم تساهم فى رفعه الوطن والدفاع عن شعبه.


فقد صرح الرئيس بأنه «لا يرغب فى تقديم التعازى لأهالى الشهيدين، وإنما يقدم التهنئة على استشهادهما فداءً للوطن، مؤكدا أن الشهداء أحياء عند ربهم يُرزقون».


ووصف السيسى الشهيدين بأنهما من «أسود الوطن الذين جاهدوا فى سبيل الله ونالوا الشهادة، وهم يؤدون واجبهم الوطنى بكل تفانٍ وأمانة»، مشددًا على أن كلمات الشكر تعجز عن الوفاء بحقهم.


وأعرب أهالى الشهداء عن تقديرهم لهذه اللفتة الإنسانية من الرئيس، والتى عكست اهتمام وتقدير مصر لتضحيات أبنائها.


وهذا ما أكده أيمن محمد، والد الشهيد محمد أيمن الملقب بـ»مارد سيناء»، إنه كان سعيداً بمقابلة الرئيس، مؤكدا أن السيسى أب لكل المصريين، وأن لقاءه به وبوالدة الشهيد كان جيداً للغاية.


والد الشهيد «مارد سيناء» يقول «قلت للرئيس السيسى فخر وشرف لينا مقابلتك»، فقال لى «أنا اللى فخر وشرف ليا إنى أقابل حضرتك»، واستطرد والد الشهيد «لما الرئيس يقول كده يبقى مصر بخير».


وتابع: «الرئيس قال لى أهلا بأبو البطل، وأنا متابع الموقف لحظة بلحظة، ومصر كلها قلوبها مع أبو الشهيد وأهل الشهيد».


وفى كل مرة تصعد روح شهيد لربها تجد هتاف مشيعى الجنازة ضد الإرهاب، مطالبين المسئولين بضرورة تجفيف منابعه وهذا ما يحدث مع تشييع كل شهدائنا بكل قرية كما حدث بقرية «أقولا» مركز فاقوس بمحافظة الشرقية وعم الحزن لاستشهاد خيرة أبنائها «الشهيد محمد مراد محمد السيد عبد الرحيم»، فى الهجمات الإرهابية الأخيرة برفح.


السيدة المصرية دائما ما تضرب المثل فى كل شيء، وهذا النموذج المصرى القوى كان فى السيدة هناء إسماعيل خليل الدراوى والدة الشهيد: «أنا أم البطل فخورة بابنى لأنه سجل اسمه وبطولاته فى التاريخ فقد أصر على قتل أكبر عدد من الإرهابيين رغم إصابته حتى استطاع تصفية ١٢ إرهابيا».


وأجهشت فى بكاء شديد دخلت على إثره فى غيبوبة وبعدها فاقت قائلة: «أنا على استعداد أن أذهب وأحارب مع الجنود البواسل وأنتقم بنفسى من الإرهابيين الكفرة الذين نزعت من قلوبهم الرحمة والإنسانية، متسائلة ما ذنب ابنى الشهيد وزملائه ليستحل الإرهابيون دماءهم».


وأوضحت أن الشهيد أخبرهم أنه سيستشهد، وكان دائما يطلب منها أن تدعو له أن ينال الشهادة، لافتة إلى أنه من حبه فى الجيش حاول التطوع وقطع شوطا كبيرا فى إجراءات التطوع، لكنها لم تكتمل إلى أن جاءت خدمته الإجبارية ودخل وكان سعيدا، ويدعو دائما أن ينال الشهادة.