اقتصاد الحرب .. ملحمة الشعب ومفتاح النصر

05/10/2016 - 1:07:10

تحقيق : بسمة أبو العزم

أكتوبر لم تكن مجرد حرب عسكرية بل معركة اقتصادية كشفت المعدن الثمين للمواطن المصرى الأصيل فظهر مايعرف باقتصاد الحرب تحمل تبعاته ومعاناته كافة أطياف الشعب الذين ربطوا الحزام موجهين أغلب الموارد للمجهود الحربى لتحقيق هدف واحد وهو استرداد الأرض والعرض بالرغم من انتهاء الحرب العسكرية منذ ٤٣ عاما إلا أن المعركة الاقتصادية مازالت مستمرة بل اعتبرها الخبراء أشد شراسة بما يستلزم ضرورة استلهام روح اقتصاد الحرب تحت شعار التنمية وبناء مصر .


الشعب المصرى أصيل وفريد تحركه كرامته , فعقب هزيمة ١٩٦٧ كانت هناك إرادة موحدة و الهدف الوحيد استعادة الأرض التى اغتصبها العدو , بالرغم من الخسائر الاقتصادية التى خلفتها النكسة وقدرها بعض الخبراء بنحو مائة مليار جنيه حيث توقفت إيرادات قناة السويس والسياحة والاستثمار وتدمير تسليح الجيش , وبالإرادة القوية والحسم فى تطبيق اقتصاد الحرب نجح المصريون فى إعادة بناء جيشه وقوته فى ست سنوات وبالفعل نجحت الحرب العسكرية .


للأسف فقد المصرى جلده وقدرته على تحمل الظروف الصعبة وأرجع الخبراء السبب لتغير الظروف الاقتصادية والتحول المفاجئ من الاشتراكية إلى الانفتاح , كذلك عدم قدرة الحكومة على تحقيق الرضا لأفراد الشعب عن توافر السلع والخدمات وبالتبعية تقلص الانتماء وانتشرت الأنانية وتفشت الممارسات الاحتكارية فى ظل ضعف سيطرة الحكومة على الأسواق .


يقول د .على لطفى رئيس وزراء مصر الأسبق إن مصر خاضت حربا اقتصادية قوية وللحكومة وقتها دور كبير فى نجاح اقتصاد الحرب فالتقشف بدأمن الحكومة نفسها فتم تخفيض النفقات الحكومية وبالفعل تم تقليص الإعتمادات الموجهة لكل وزير , وتوجيه أغلب الموارد نحو تسليح الجيش , أيضا لم يتم المساس بالسلع الأساسية للمواطنين , وبالفعل نجح اقتصاد الحرب فى خروج مصر من عثرتها بعد النكسة .


تذكر د مصطفى السعيد وزير الاقتصاد الأسبق جلد وصبر الشعب المصرى ووقوعه تحت ضغوط اقتصادية صعبة منذ عام ١٩٦٧ حتى ١٩٧٣ وبالرغم من ذلك كان هدفه الأول توفير التمويل اللازم للجيش وتسليحه وهذا الأمر كان يأتى على ماهو متاح للجماهير من سلع وخدمات , فاقتصاديات الحرب تقتضى دعم المجهود الحربى على حساب المستهلك العادى , فكما حدث فى إنجلترا خلال فترة الحرب العالمية الثانية كان نصيب المواطن بيضة فى الأسبوع .


الوطنية والرغبة فى الانتصار كانت تحكم المواطن البسيط فخسارة حرب ٦٧ جعلتنا بحاجة إلى تمويل لإعادة بناء الجيش , وبالفعل تم التوسع فى التبرع لتمويل المجهود الحربى وتقليص الاستيراد للسلع الترفيهية وفرض المزيد من الضرائب وبالفعل نجحت الحرب الاقتصادية وبنينا الجيش ودخلنا الحرب وانتصرنا بفضل صبر المواطن المصرى الأصيل .


أكد د. مصطفى أن الحرب الاقتصادية التى نعيشها الآن أقوى بكثير من حرب أكتوبر فالأعداء متعددون ويعملون فى الخفاء بعكس حرب أكتوبر كنا على علم بالعدو الحقيقى ونحاربه , فالأعداء حاليا يحاربون السياحة والاستثمارات الأجنبية بإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار الأمنى كذلك الاتجاه الحالى نحو محاربة الصادرات المصرية وتشويه صورة الحاصلات الزراعية المصرية لتقليل النقد الأجنبى وبالفعل أثروا سلبا فى ميزان المدفوعات , وللأسف البيروقراطية الحكومية خلقت مناخا طاردا للاستثمار أيضا لعب الإعلام دورا سلببيا سواء الخارجى أو المحلى بدليل مانشرته مجلة الإيكونومست من خلال مقالتين أقرب لوضع السم بالعسل , فنحن بحاجة إلى مجهود كبير لتشجيع المستثمرين والسياح للعودة إلى مصر , الحرب الاقتصادية منبعها الداخل عبر استغلال مجموعة من التصرفات الخاطئة للحكومة , فأردوغان لا يعمل لحسابه بل بالتعاون مع المخابرات الأمريكية وغيرها .


فسر د .مصطفى ضعف الانتماء لنسبة كبيرة من الشعب مقارنة بفترة أكتوبر بأن الأغلبية محبطة «زهقت» بسبب الارتفاع المستمر للأسعار وعدم توافر فرص عمل ولديهم استياء من ظروف البلد وبالتالى فقدوا الولاء , وهذا لاينفى وجود بعض المجموعات والحركات السياسية المدعومة من المخابرات الأجنبية .


لا يجب إلقاء اللوم على تغير المواطن فيجب إعادة النظر فى بعض السياسات الاقتصادية خاصة توغل الاستثمار العقارى على حساب الاستثمار الزراعى والاجتماعى والصناعى فبالطبع كان مهما بداية تنشيط الاقتصاد بالاستثمار العقارى ثم يتم تعقيمه والاتجاه نحو باقى الأنشطة وهو ما نتمنى حدوثه


من جانبه أكد د. عبد المطلب عبد الحميد رئيس قسم الاقتصاد بأكاديمية السادات أن سلوك المواطن اختلف بعد مرور نحو ٤٣ عاما عن حرب أكتوبر فهناك فارق كبير فى السياسات الاقتصادية , فالشعب المصرى تحمل صعوبات اقتصاد الحرب لأن الحس الوطنى هو الغالب خاصة بعد مرارة النكسة والشعور بالهزيمة , فالمصرى كان مؤهلا نفسيا إضافة إلى تعبئة القيادة السياسية فكان الشعار «لاصوت يعلو فوق صوت المعركة بما يعنى لا وقت للمطالب الفئوية أو الخاصة , والدعوة لما يعرف بشد الحزام وترشيد الاستهلاك مع جمع التبرعات التى تصب فى جهة الاستعداد لاسترداد الأرض , فالشعب المصرى لديه إيمان بأنه لاتفريط فى الأرض أو العرض كذلك الجيش هو «جيش الشعب» وليسوا مرتزقة فهو يقدم روحه ودمه وهو راض بغض النظر عن الحاكم .


الشعب المصرى دخل إجبارا وليس خيارا فى اقتصاد الحرب بعد انهيار اقتصادى بسبب النكسة حيث فقدت مصر نحو ٨٠ بالمائة من معداتها العسكرية وكان عليها تمويل شراء أسلحة بديلة , كذلك فقدان إيرادات قناة السويس والسياحة وتوقفت الاستثمارات وحدث تدمير للأصول الإنتاجية الصناعية , وخسائر فادحة بالمنشآت الاقتصادية والأصول العقارية ففى مدن القناة التى تعرضت للدمار, فوفقا لتقديرات مجموعة من الخبراء وصلت قيمة خسائر هزيمة ١٩٦٧ نحو ١٠٠ مليار جنيه , ودخلنا اقتصاد الحرب على حساب التنمية فالاهتمام الأول لتسليح الجيش ولا وقت للبنية التحتية.


اقتصاد الحرب يعنى تسخير كافة الإمكانات والموارد الاقتصادية لخدمة هدف واحد وهو استرداد الأرض فأكثر من ٢٥ بالمائة من الناتج المحلى الإجمالى كان موجها لتمويل الجيش والدفاع المصرى , كم كان الشعب يعيش بأقل القليل وفقا للحد الأدنى للحياة الكريمة , فكان لوزارة التموين دور فعال وتنظيم الطوابير للحصول على كافة السلع حتى اللحوم والدواجن , فكافة قواعد الاشتراكية كانت مطبقة وخاصة التسعير الجبرى للسلع , فتمت إقالة وزارة زكريا محيى الدين بسبب ارتفاع سعر سلعة قرشا , فكانت هناك هوامش أرباح محددة


بالرغم من تواجد تجار جشعين وظهرت بعض الممارسات الاحتكارية لكنهم كانوا تحت سيطرة الدولة وهناك حملات قوية وأى مخالف يتم حبسه فكانت هناك رقابة صارمة على الأسعار , فالزراعة كانت تحت احتكار التجار , أما الصناعة والتجارة الخارجية احتكار دولة , فالاقتصاد كان موجها وتمت إدارته بدقة ولم تنفلت الأسعار بسبب التسعير الجبرى .


كانت الدولة تطبق نظام الحصص المحددة لكافة السلع حتى الزى المصرى يكاد يكون معمما وليس هناك متاح الأنواع المستوردة كما يحدث حاليا فبداية من عام ١٩٧٢ تم إيقاف استيراد السلع الكمالية ومن بينها الأقمشة الفاخرة والسجائر والثلاجات والغسالات والسجاد الفاخر , فاللب والسودانى المسليات الوحيدة فلايوجد مكسرات حتى الشيكولاته كانت تأتى تهريبا فى بورسعيد فتوقفت السلع الاستفزازية فالحكومة كانت متحكمة بقوة فى الدولار بدون شركات صرافة , أيضا تمت زيادة الرسوم الجمركية على أغلب السلع المستوردة , أيضا تمت زيادة الضرائب لتمويل الموازنة العامة للدولة


المواطن المصرى كان يعيش تحت مسمى الحد الأدنى للمعيشة حتى المساكن كانت شعبية ولم نسمع عن منتجعات كما يحدث حاليا فالأغنياء كانوا خائفين من شبح التأميم بعكس الآن يتم التفاخر بالإنفاق البذخى , فخلال مرحلة اقتصاد الحرب كانت التضامنية القائمة على الوطنية مسيطرة على النسبة الغالبة من الطبقة الوسطى ومحدودى الدخل فى إطار الصبر , وهذا يبرر خروج مظاهرات الشباب قبل ١٩٧٣ فالشعب صبر وقام بالتضحية وربط الحزام ولم تتم الحرب بما وضع الرئيس السادات فى موقف محرج .


المواطن المصرى لم يتغير بل الظروف و السياسات الاقتصادية هى التى تغيرت بقوة فالانفتاح بعد اقتصاد الحرب جعل المستهلك حرا فى الاختيار بعد نظام الحصص المحددة , فبعد أن كان مجبرا على الثلاجة الإيديال أصبح أمامه أنواع متعددة , فالتوسع فى الاختيار امتد إلى منظومة السلع التموينية وفارق نقاط الخبز .


طالب د .عبد المطلب الحكومة بعدم اتهام الناس بعدم الإنتماء فالنسبة الغالبة من الشعب انتخبت الرئيس السيسى ولديها قاعدة وطنية خائفة على الوطن وبالتالى يجب تحقيق الرضا قبل الحديث عن الانتماء , وهذا المطلب لا يعنى الرفاهية بل تحقيق الاحتياجات الأساسية , فعلى البنوك دور كبير فى طرح أوعية ادخارية واتجاه الحكومة نحو تشجيع دخول القطاع غير الرسمى فى الإطار الرسمى ودفع الضرائب أفضل من انتظار التبرعات .


لايمكن تطبيق اقتصاد الحرب فى المرحلة الحالية كما يطالب البعض فنحن لا نحارب عدوا مغتصبا للأرض وبالتالى لايوجد شحن معنوى للشعب لكن يمكن دفع المصريين نحو شعار جديد وهو «معركة التنمية وبناء مصر» وتوجيه المشروعات الصغيرة والمتوسطة نحو زراعة وصناعة مصر , مع تغليظ العقوبات على الجشعين ووصولها للإعدام للمحتكرين المتلاعبين بقوت الغلابة وتفعيل الرقابة الصارمة للدولة مع تشجيع الرقابة الشعبية وتقوية جهاز حماية المستهلك وجهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار , ويجب تحقيق العدالة فى توزيع ثمار التنمية كما كانت تطبق خلال اقتصاد الحرب , وعلى الحكومة تطبيق نظام الضريبة التصاعدية , كما يجب الأخذ من الأغنياء لإعطاء الفقراء ولا يجب الخوف منهم والتوسع فى مشروع تكافل وكرامة مع توفير الخدمات بسهولة ويسر , مع توفير السلع بأسعار أقل وهذا ماتحدث عنه الرئيس مؤخرا بخصوص زراعة الصوب الزراعية بما يؤدى إلى زيادة المعروض وكسر الاحتكار , ويجب تحقيق العدالة فى توزيع الخدمات وتوفير فرص عمل بحلول غير تقليدية لتحقيق مايعرف بالكفاءة الاقتصادية . أكد د .عبد المطلب أننا يجب أن نعيش بروح حرب أكتوبر ولكن وفقا لآليات السوق الحر الذى نعيش فيه وتعميق المشاركة ليس من خلال التبرعات لكن بالمشاركة فى المشروعات عبر المدخرات مثلما حدث مع مشروع قناة السويس الجديدة فنحن نخوض معركة تنمية .