اقتصاد الحرب.. وذكرى أكتوبر الخالدة

05/10/2016 - 1:03:52

بقلم: د. حسين عيسى

بداية أهنئ كل المصريين والعرب بحلول الذكرى الثالثة والأربعين لحرب أكتوبر المجيدة، حيث سطر الجيش المصرى أروع وأشجع قصص البطولة والفداء فى سبيل تحرير أرض الوطن المحتلة منذ عام ١٩٦٧ وحقق العرب انتصارهم الوحيد على إسرائيل، واستعادت مصر سيناء الغالية، ورفعنا رايات النصر تحت صيحات الله أكبر الهادرة.


وإذا كنا قد قرأنا لسنوات طويلة العديد من المقالات والأبحاث والدراسات حول تداعيات وآثار ونتائج حرب السادس من أكتوبر وأدلى قادتنا الأبطال بشهادات حية موثقة عن أمجاد وبطولات هذه المعركة المقدسة، إلا أننى اخترت أن أتناول هذه المناسبة التاريخية الخالدة من زاوية جديدة تتناسب مع تخصصى واهتماماتى، وهذه الزاوية تتعلق بمفهوم اقتصاد الحرب وكيف طبقته مصر قبل وأثناء وبعد حرب أكتوبر ١٩٧٣، وهل نحن الآن فى حاجة إلى تطبيق مبادئ ومقومات اقتصاد الحرب فى عام ٢٠١٦، أم أن هذا المفهوم قد استنفذ أغراضه بنهاية حرب أكتوبر ولا يمكن العودة إليه مرة أخرى، والواقع أن مصر شهدت ملامح اقتصاد الحرب قبل حرب ١٩٥٦، فخلال الفترة منذ قيام ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وحتى العدوان الثلاثى على مصر عام ١٩٥٦ كانت مصر فى حرب حقيقية ضد الإقطاع والاستعمار والملك والأحزاب الفاسدة، وشهدت تلك الفترة محاولة تجميع الموارد الاقتصادية والقضاء على الإقطاع الزراعى من خلال تطبيق قوانين الإصلاح الزراعى وبدأ الاهتمام بالصناعة والخدمات ... وخاض الرئيس عبد الناصر معارك عديدة لتحديث أسلحة القوات المسلحة لتوفير التمويل اللازم لبناء السد العالى حلم مصر الكبير فى ذلك الوقت.


ووضع البنك الدولى للإنشاء والتعمير العديد من العراقيل حتى لا يتم منح مصر التمويل المناسب لبناء السد العالى، وكان قرار تأميم قناة السويس نقطة فاصلة فى هذه المعركة ومحاولة لتنمية موارد الدولة فى ظل هذه الظروف، ثم استتبع ذلك وقوع العدوان الثلاثى على مصر وخاضت مصر ببسالة وشرف معركة ١٩٥٦ والتى خرجت منها وهى تقول للعالم إن هناك واقعا جديدا يولد فى مصر يشكل ملامح المشروع الناصرى فى هذه الفترة، وشهد الاقتصاد المصرى مرحلة أخرى غاية فى الأهمية منذ عام ١٩٥٦وحتى نكسة ٥ يونيه ١٩٦٧، فخلال هذه الفترة تم اتخاذ العديد من قرارات التأميم للشركات والبنوك وجنحت الدولة إلى النموذج الاشتراكى أو ما يطلق عليه رأسمالية الدولة فى التنمية وذلك بهدف رفع كفاءة وفاعلية استغلال الموارد الاقتصادية للدولة، مما ساعد مصر على تمويل حرب اليمن والتى استمرت ٤ سنوات كاملة تكبدت فيها مصر ما يقارب ٥ مليارات جنيه، وبصرف النظر عن تقييم تجربة التأميم وكذلك بصرف النظر عن الجدوى الاستراتيجية والأمنية والأسباب الحقيقية لحرب اليمن، إلا أن مصر قد طبقت فى هذه الفترة بعض مبادئ اقتصاد الحرب الذى يقوم على تعبئة الموارد بكافة السبل وتملك الدولة لعناصر ووسائل الإنتاج ومحاولة تطبيق المنهج الاشتراكى فى التنمية، حيث شهدت هذه الفترة نشأة شركات القطاع العام والاهتمام بالصناعة على اختلاف أنواعها.


وجاءت نكسة ٥ يونيه ١٩٦٧ وبعيداً عن الآثار والنتائج السياسية والعسكرية والاستراتيجية لهذه النكسة، فقد خرجنا منها ونحن فى حالة اقتصادية سيئة إلى أبعد الحدود، فالعديد من المصانع توقفت عن الإنتاج وفقدنا آبار البترول فى سيناء وخليج السويس وهربت رءوس الأموال وأصبحت الخزانة العامة شبه خاوية إلا من بعض المساعدات العربية الطارئة السريعة، وكان التحدى أمام القيادة السياسية هى إعادة بناء الاقتصاد المصرى وإعادة بناء القوات المسلحة استعداداً لمعركة استرداد العزة والكرامة والكبرياء ... وهنا نستطيع القول بأن مصر قد بدأت بالفعل فى تطبيق اقتصاد الحرب من خلال آليات معروفة عبر التاريخ الاقتصادى لدول العالم، وكذلك من خلال تطوير آليات جديدة غير مسبوقة انفرد بها الاقتصاد المصرى فى ذلك الوقت.


خلال الفترة من ١٩٦٧ وحتى حرب أكتوبر المجيدة عام ١٩٧٣ تبنت مصر عددا من أساليب وآليات اقتصاد الحرب أذكر منها ما يلى:


الخزانة خاوية ومصر فى حاجة إلى أموال ضخمة لإعادة بناء القوات المسلحة والاستعداد للمعركة الفاصلة، وكذلك لدعم صمود الجبهة الداخلية وتوفير احتياجاتها الأساسية من السلع والخدمات فكانت الفكرة الذهبية هىّ إصدار شهادات استثمار البنك الأهلى المصرى بأنواعها الثلاثة (أ، ب، ج) لتلبية احتياجات المدخر الصغير، وأن تكون هذه الشهادات مضمونة من البنك الأهلى المصرى وليست من الحكومة المصرية وذلك لكسب ثقة الناس وإبعاد الشعور بأن هذه الأموال سوف تنفق على مشروعات وخطط فاشلة، ولم يكن يعرف أحد فى ذلك الوقت أن حصيلة بيع هذه الشهادات تذهب إلى الخزانة العامة والدولة ضامنة لأصل الشهادة والعائد الخاص بها وكانت النتيجة تدفق مئات الملايين من الجنيهات على الخزانة العامة، مما ساعد على تمويل عملية إعادة بناء القوات المسلحة وتوفير الاحتياجات الأساسية للشعب من السلع والخدمات، وكان تطبيق هذه الفكرة الرائعة تحت إشراف أحد كبار عظماء مصر الاقتصاديين وهو الدكتور عبد العزيز حجازى رحمه الله.


شهدت هذه الفترة تحديثا شاملا للمصانع المختلفة وذلك لتوفير احتياجات المواطنين، وكذلك توفير احتياجات القوات المسلحة من بعض المستلزمات سواء كان ذلك على مستوى مصانع شركات القطاع العام أو المصانع الحربية، وذلك تطبيقاً لنموذج اقتصاد الحرب الذى يعتمد على الصناعة المحلية توفيراً للعملات الحرة، والتى كان بها نقص حاد بسبب توقف تصدير البترول وإغلاق قناة السويس وانخفاض دخل السياحة.


تميزت هذه الفترة ببداية تطبيق القوات المسلحة المصرية لفكر جديد يقوم على الاعتماد على الذات فى توفير احتياجات القوات المسلحة وبذلك يقل ضغط القوات المسلحة على ما هو مخصص للدولة ككل، كما أن استخدام القوات المسلحة لإمكانياتها الذاتية فى توفير ما تحتاجه أدى إلى خفض التكلفة وزيادة معدلات الكفاءة الإنتاجية لما تتميز به المؤسسة العسكرية من ترشيد وانضباط مالى واقتصادى، ولقد أدى نجاح هذا الأسلوب إلى إنشاء جهاز الخدمة الوطنية الذى قام بعد ذلك بتنفيذ العديد من المشروعات الاستراتيجية الهامة مثل بناء الوحدات السكنية وتوصيل الغاز للمنازل ومد خطوط التليفونات وغيرها من المشروعات التى غيرت وجه مصر خلال فترة وجيزة.


شهدت هذه الفترة حملة قوية ممتدة الآثار تقوم على خفض معدلات الاستهلاك تحت شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة)، وبدأ تطبيق برامج تقشف استهلاكى على كافة المستويات مما خفض من فاتورة الواردات، وساهم فى زيادة معدلات الادخار وسرعة وكفاءة تعبئة الموارد المتاحة.


صاحب هذه الفترة حملة رسمية وشعبية شهيرة لتشجيع المنتجات المحلية وكانت ثقة المستهلك المصرى فى المنتج المصرى لا حدود لها، بل إننا بدأنا تصدير إنتاجنا المميز إلى دول إفريقيا والخليج، وقد ساهمت هذه الحملة فى زيادة الإنتاج المحلى وعدم إغلاق المصانع وزيادة معدلات تشغيل العمالة وزيادة أرصدة العملات الحرة من الصادرات وتحقق وفرا اقتصاديا من خفض الواردات وكان الشعور الوطنى الجارف تجاه المنتجات المصرية يغفر أى عيوب بها طالما كانت فى حدود المسموح به.


وشهدت هذه الفترة حملة ضخمة للتبرعات لصالح المجهود الحربى وذلك على مستوى الأفراد والهيئات والمؤسسات والشركات ولا ننسى رحلات كوكب الشرق العظيمة السيدة أم كلثوم للدول العربية والأوربية وتبرعها بكامل دخل هذه الحفلات لصالح المجهود الحربى وقامت أم كلثوم بدور بطولى تاريخى فى ذلك الوقت أسفر عن إعادة الدول العربية حول مصر مرة أخرى وذلك على المستويين الشعبى والرسمى.


قام اقتصاد الحرب فى هذه الفترة على تعبئة الموارد والإمكانيات المتاحة من خلال الاعتماد الكامل على شركات القطاع العام على توفير احتياجات الشعب من السلع والخدمات المختلفة، ولعب هذا القطاع دورا تاريخيا فى هذا المجال من حيث إنتاج السلع بمستوى جودة معقول وبتكلفة منخفضة، مما انعكس على سعر البيع الذى كان فى متناول المستهلك، كما حققت بعض من هذه الشركات أرباحا وفوائض نقدية ساهمت فى تمويل الخزانة العامة للدولة فى هذه الفترة العصيبة من تاريخ مصر الاقتصادى.


شهدت هذه الفترة من تاريخ مصر دعما كبيرا للمعاهد والمؤسسات العلمية المتصلة بالصناعة، فمعهد بترول السويس ومعهد القطن بأشمون ومعهد كيما بأسوان ومعهد التكنولوجيا بحلوان ... كل هذه المعاهد ساهمت فى تقديم أبحاث تطبيقية لخدمة صناعات البترول والمنتجات الكيماوية والحديد والصلب وتطوير زراعة القطن ... فقد قام اقتصاد الحرب على حسن التدبير وتعبئة الموارد والذى يعتمد فى أحد مكوناته على ابتكار حلول المشاكل محلياً وعدم استسهال استيراد الحلول الجاهزة من الخارج والاستفادة من علماء مصر فى دعم الصناعة وعلاج مشاكلها بأسلوب علمى منخفض التكلفة.


ولا يمكن أن ننسى دور الاتحاد السوفييتى (سابقاً) فى دعم مصر خلال تلك الفترة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وبخصوص اقتصاد الحرب جاءت الصفقات المتكافئة بين مصر والاتحاد السوفييتى حيث كانت تصدر مصر حاصلات زراعية ومنتجات جلدية وغيرها مقابل الحصول على سلع أخرى من الاتحاد السوفييتى، وذلك خلاف الدعم المقدم لشراء الأسلحة اللازمة للقوات المسلحة، وقد ساهم أسلوب الصفقات المتكافئة فى تشغيل المصانع المصرية وزيادة الصادرات وحصول مصر على جزء من الواردات دون الضغط على موارد مصر من العملات الحرة.


وكان دور الدول العربية الشقيقة لا ينسى فى دعم أساليب وآليات اقتصاد الحرب، فحصلت مصر على مساعدات من دول الخليج وليبيا والجزائر، مما ساعد على صمود الاقتصاد المصرى فى هذه الفترة العصيبة وتنوعت هذه المساعدات من مساعدات مالية وأخرى فى شكل واردات من البترول الخام، مما عكس موقفا عربيا موحدا تجاه الأزمة التى ألمت بالعالم العربى مع الاستعداد الكامل للمساهمة والمساعدة فى سبيل الخروج منها واستعادة ثقة وكرامة وعزة كل عربى.


اقتصاد الحرب خلال الفترة من ١٩٦٧ إلى ١٩٧٣ يشكل ملحمة اقتصادية تاريخية غير مسبوقة فى تاريخ مصر ... وهذا يطرح سؤالاً غاية فى الأهمية ... هل مصر حالياً عام ٢٠١٦ فى حاجة إلى تطبيق آليات وأساليب اقتصاد الحرب؟


والإجابة فى رأيى ... نعم ... نحن فى حاجة إلى تطبيق اقتصاد الحرب ولكن بصورة جديدة وبآليات وأساليب جديدة ... فنحن الآن فى حالة حرب أشد وأعنف مما حدث عام ،١٩٦٧ فقد كان العدو محددا والمعركة لها أبعاد محسومة، وكلنا على قلب رجل واحد لاستعادة المجد والعزة والكرامة، ولكننا الآن نواجه حربا خارجية شرسة وحربا داخلية أكثر شراسة.


الحرب الخارجية أكثر وضوحاً من الحرب الداخلية، فهىّ حرب ضد الإرهاب وضد مؤامرات بعض الدول غير الصديقة التى تريد أن تتحول مصر من دولة قومية مستقلة إلى دويلات صغيرة تقوم على أسس دينية مذهبية طائفية، كما أن هناك حربا داخلية ضد قوى الإرهاب على اختلاف أنواعها وفصائلها وضد من يريد عودة الماضى بأى طريقة وضد فئات من المواطنين ضلوا طريق الصواب وانساقوا وراء ادعاءات باطلة وصدقوا من يتاجرون بالدين ويحولونه إلى وسيلة لممارسة السلطة الغاشمة والاستبداد الفاجر.


نعم نحن فى حرب شديدة القسوة، تتطلب أن نقف على قلب رجل واحد ونطبق آليات وأساليب اقتصاد الحرب، ولكن بشكل جديد وبمفهوم مختلف، فالمشروعات القومية العملاقة الجديدة ومشروعات الإسكان لسكان العشوائيات ومشروعات الصرف الصحى والمياه النقية ومشروعات الكهرباء واستصلاح الأراضى ومشروعات الطرق والكبارى والمزارع السمكية وتنمية إقليم قناة السويس وغيرها هىّ من إنجازات سنتين فقط من فترة حكم الرئيس السيسى .. كل هذه المشروعات تمثل أسلحة فعالة فى حربنا ضد قوى الإرهاب والتخلف الفكرى والجهل والفقر والمرض وسوء النوايا والأكاذيب والشائعات ومؤامرات الداخل والخارج.


نعم نحن فى حاجة إلى تطبيق آليات وأساليب جديدة لاقتصاد الحرب تقوم على خفض فاتورة الواردات وتشجيع الصادرات ودعم الصناعة الوطنية والنهوض بالقطاع الزراعى وتشجيع الاستثمار المحلى والعربى والأجنبى وإنعاش قطاع السياحة وعودة مصر لتصدير الفنون والثقافة الراقية لكل الدول العربية.


نعم نحن فى حاجة إلى حكومة حرب واقتصاد حرب ... حكومة حرب صغيرة العدد لها مهام محددة بتوقيتات زمنية متفق عليها لتطبيق آليات وأساليب اقتصاد الحرب التى تتناسب مع ظروفنا ومعاركنا الحالية والمستقبلية.


سلام لكل شهيد على أرض سيناء الطيبة، ولعل مشروعات تعمير سيناء لهى أبلغ دليل على أننا على أبواب عصر جديد من العزة والكرامة، وسلام لكل من ساهم فى انتصار حرب ٦ أكتوبر المجيد التى ستظل ذكراها العطرة فى نفوس وعقول وقلوب المصريين والعرب أجمعين.