لماذا أهدرنا روح نصر أكتوبر؟

09/10/2016 - 10:57:15

بقلم: د. صفوت حاتم

بدأت قصة اليابان مع نهضتها الحديثة صباح يوم ٦ أغسطس من عام ١٩٤٥ كانت مدينة «هيروشيما» اليابانية تسبح فى هدوء الصباح اللطيف.


 وعلى الميناء كانت فرقة كاملة من الجيش تقوم بتمرينات الصباح الرياضية.ورغم أجواء الحرب التى كانت مشتعلة بين اليابان والحلفاء.. لم يكن الصباح ينبيء عن شيء استثنائى مخالف لأى صباح آخر عهدته الجزر اليابانية.


فجأة... وفى الثامنة والربع تماما.. شعر سكان هيروشيما بصدمة كبرى ترج منازلهم الخشبية البسيطة..


بدا الأمر كما لو كان كوكب كبير قد سقط من السماء على مدينتهم الهادئة. وتبع ذلك الانفجار المروع هبوب عاصفة مخيفة تقتلع أمامها كل البيوت والأشجار وكل مايقف فى طريقها.


 وفى الميناء حيث كانت الفرقة العسكرية مصطفة ﻷداء تمارينها الصباحية..بدا الأمر وكأنها قد تبخرت من الوجود.


وخلال دقائق معدودة كانت الجزيرة تسبح فى خراب شامل ليس له تفسير.


 وفى مركز القيادة العسكرية..كان جنرالات الجيش الإمبراطورى فى حالة صدمة عسكرية وهم يتلقون مشدوهين نتائج هذا الحدث الغريب الذى أصاب بلدهم.


 وبعد ثلاثة أيام فقط من تلك الكارثة.. انطلقت ثلاث طائرات أمريكية حاملة السلاح القاتل ومتجهة باتجاه جزيرة نجازاكي.


وفى الساعة ١١:٠١ صباحا  تمكن الكابتن كيرميت بيهان من رؤية الهدف فى آخر دقيقة من انكسار السحب فوق ناجازاكي.


وسقطت «القنبلة  الملقبة باسم الرجل البدين»، والتى تحتوى على ٦.٤ كيلوجرام من البلوتونيوم ٢٣٩، على الوادى الصناعى بالمدينة.


 وبعد مرور ثلاث وأربعين ثانية، انفجرت القنبلة على ارتفاع ٤٦٩ متر (١،٥٤٠ قدم) فوق سطح الأرض، تحديدا فى منتصف المسافة بين شركة ميتسوبيشى للصلب والأسلحة فى الجنوب ومصنع ميتسوبيشى للذخائر (التوربيدو) فى الشمال.


 تراوح عدد الوفيات الفورية بين ٤٠ ألف و ٧٥ ألف شخص.. ووصل إجمالى عدد الوفيات بنهاية عام ١٩٤٥ ٨٠ ألف شخص.


وبعد ثلاثة أيام فقط من هذا الرعب المجهول فى نجازاكى.. أيقن قادة اليابان وجنرالاتها أنهم إزاء سلاح غامض لا يعرفون كنهه ولا طبيعته..وإن كانوا يدركون  قدرته التدميرية !!


ولم يعد هناك بد من قبول الأمر الواقع !!!


 وبعد ستة أيام من كارثة « نجازاكى «.. فى ١٥ أغسطس خرج صوت الإمبراطور..الذى كان شخصية مقدسة وغامضة لدى اليابانيين.. ليعلن من الراديو قبول استسلام اليابان دون قيد أو شرط ملوحا بوجود سلاح غامض ضرب جزر البلاد وخلف دمارا مهولا.


 وفى قيادة أركان الجيش اليابانى.. كان جنرالات الجيش الإمبراطورى يشهقون بالبكاء وهم يستمعون لصوت قائدهم المقدس..الإمبراطور..وهو يعلن الاستسلام  غير المشروط.


 وبدأ بعض الجنرالات فى الانسحاب من غرفة قيادة الأركان .. حيث بدأت سلسلة من الانتحارات الفردية تقتنص جنرالات الجيش..واحدا تلو الآخر !!


 لقد انتهت اليابان !!


 هكذا ارتسم الخيال لقادة اليابان فى تلك اللحظات الحزينة المدمرة.


 بدت اليابان محطمة ومهزومة ومكسورة الإرادة.. وغيب الانتحار معظم جنرالاتها.


 فهل انتهت اليابان حقا ؟؟


 أبدا !!


 فبعد يومين فقط من إعلان الاستسلام فى ١٥ أغسطس.. عقد فى مقر شركة ميتسوبيشى للأسلحة اجتماعا لمجلس إدارة الشركة للبحث فيما ينبغى عمله فى المستقبل بعد الهزيمة العسكرية .


 وفى هذا الاجتماع..وعلى ضوء الظروف الجديدة..قرر المجتمعون  قرارهم التاريخى : تحويل الشركة من الإنتاج الحربى إلى الإنتاج المدنى وتطوير تكنولوجيتها بسرعة.


 وهكذا.. قررت اليابان تحويل مسارها من دولة عسكرية لدولة مدنية متطورة..


وتحت ظروف المهانة والاستسلام... وخلال عقدين فقط من الزمان.. قامت اليابان من تحت الرماد والخراب.. لتتحول إلى قوة اقتصادية عظمى.. وثالث أكبر اقتصاد فى العالم.


بالعلم..والإرادة..وبناء الإنسان.


هزيمة يونيه ١٩٦٧


كانت هزيمة يونيه ١٩٦٧ أكبر هزيمة عسكرية تلحق بالجيش المصرى فى تاريخه المعاصر.


 ففى خلال ساعات قليلة فقدت مصر معظم سلاحها الجوى.. ودمرت مطاراتها من سيناء حتى أسوان.


ووجد الجيش المصرى نفسه فى العراء فى الصحراء دون حماية جوية.


 وفى مبنى القيادة .. كان القائد العام للقوات المسلحة «المشير عبد الحكيم عامر» يتلقى التقارير المتوالية عن خسارة سلاحنا الجوى.. وهو مذهول غير مصدق.


 وعندما أدرك «المشير عامر» هول الخسارة.التى منى بها سلاح الطيران..أصدر قراره الكارثى للقوات بالانسحاب من سيناء..دون خطة مدروسة..ودون جدول زمنى بانسحاب وتغطية القوات المنتشرة فى الصحراء.


وهكذا بدت عملية الانسحاب وكأنها عملية « هرولة « غير منظمة على طرق سيناء التى تكدست بالقوات.. وساهمت الفوضى وتعطل بعض المركبات فى انسداد الطرق.. وتحول الجيش لهدف سهل لطائرات العدو التى انفردت بالجو دون منافس.


فى ٩ يونيه ١٩٦٧ ظهر الوجه الحزين للزعيم الراحل جمال عبد الناصر.. يعلن للشعب بنبرة تفيض بالأسى والمرارة نبأ الهزيمة المرة.


 ويعلن مسئوليته وحده عن الهزيمة وتنحيه عن أى موقع فى السلطة.


 كان هول الهزيمة أصعب مما يمكن تصديقه.. وكان تنحى عبد الناصر يعنى للملايين من المصريين قبول الهزيمة والاستسلام دون قيد أو شرط.


 وخرج الشعب المصرى العظيم ليعلن رفضه للهزيمة.. ويطالب عبد الناصر بالبقاء فى موقعه لمواجهة الهزيمة العسكرية.. ومجددا الثقة فى وطنيته.


 وبدأت مرحلة مواجهة الهزيمة.


 وفى هذه المناسبة لا يمكن أن ننكر الجهد الاستثنائى الذى قام به الزعيم الراحل فى إعادة بناء القوات المسلحة  وإعداد الجيش للحرب وتغيير المفاهيم السائدة فيه وتحويله لجيش محترف محارب من أصغر جندى حتى أكبر قيادة.


 فقد تم إدخال الشباب من حملة المؤهلات العليا لاستيعاب التسليح المتطور والتكنولوجيا الحديثة.


 وفى نفس الوقت تم تغيير كل القيادات المسئولة عن الهزيمة واستبدالهم بقيادات عسكرية ذات فكر وخبرة كالقادة: عبد المنعم رياض.. محمد فوزى.. محمد عبد الغنى الجمسى..سعد الدين الشاذلى..عبد المنعم واصل..عبد الحليم أبو غزالة..وعشرات غيرهم ..بل المئات من قادة العسكرية المصرية الخالدين.


كانت حرب أكتوبر ١٩٧٣ انتصارا عبقريا بكل المقاييس العسكرية من كل النواحى التكتيكية والاستراتيجية.. خصوصا من ناحية الخداع الاستراتيجى.


لقد مسح الجيش المصرى عار الهزيمة وحقق نصرا كبيرا فى ست ساعات.


 ومنذ نهاية الحرب رسميا فى أكتوبر ١٩٧٣ حتى الآن، ظهرت المئات من الكتب والدراسات التى تتكلم عن الحرب.. فضلا عن المذكرات الشخصية للقادة المصريين الذين شاركوا فى حروب: يونيه ١٩٦٧..وحرب الاستنزاف..ثم حرب أكتوبر.


 ورغم التضحيات الكبيرة التى قدمها الشعب المصرى خلال ست سنوات من الهزيمة.. إلا أن النتائج العملية للحرب ذهبت لصالح فئة من الرأسماليين الجدد الذى أحاطوا بمركز صنع القرار السياسى بعد تغيير دفة الاقتصاد المصرى واعتماد سياسة الانفتاح الاقتصادى وإنهاء دور القطاع العام وسياسة التنمية المستقلة.


ورغم مرور أكثر من ٤٠ سنة على اعتماد الرأسمالية كفكر وعقلية وسلوك فى حياتنا.. تبدو نتائج هذا الطريق بائسة ومزرية.. مقارنة ببلد كالصين اعتمد نفس النهج ولكن بطريقة مخالفة..


فقد ساد فى مصر منطق النهب والجرى..وسلب أموال البنوك والهروب بها للخارج..والاستيلاء على ثروة مصر العقارية برخص التراب.. ثم إعادة بيعها بالمليارات وتحقيق ربح سريع دون مجهود أو زيادة فى الإنتاج الفعلى.


 كانت الروح التى خلقتها حرب أكتوبر جديرة بأن تخلق فى الشعب المصرى روحا جديدة..وإرادة قادرة على صنع المعجزات واستثمار القدرات البشرية فى معارك البناء والتنمية الحقيقية.


 ولكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن!!


فبعد الحرب بسنوات قليلة، شعر المصريون أن النصر الذى حققوه بالعرق والدم والدموع قد بدأ يتسرب لصالح طبقة جديدة ظهرت من خلال حصولها على توكيلات الاستيراد والتصدير والسيطرة على توكيلات الشركات العالمية..


وبدأ الربح يهطل على هذه الطبقة دون عمل أو إنتاج حقيقى .


ولم تمض سنتان على سياسة الانفتاح الاقتصادى..حتى راج على ألسنة المصريين تعبير ” القطط السمان ” الذى صكه أحد رجال الحكم آنذاك..هو المرحوم ” رفعت المحجوب ”.


 وكانت انتفاضة يناير ١٩٧٧ تعبيرا عن الصراع الطبقى الحاد الذى نشأ فى مصر بعد حرب أكتوبر بين الفقراء الذين تحملوا ويلات الحرب..وبين الأغنياء الجدد الذين ظهروا فى فترة قياسية.


 وكانت تلك بداية الانشقاق فى وحدتنا الوطنية التى كانت أحد أسباب النصر فى أكتوبر.


 ومع إخراج الرئيس السادات لأفراد تنظيم الإخوان من السجون..وتشجيع الجماعات الإسلامية فى الجامعات...


وهكذا تم ” صك ” شعار ” العلم والإيمان ” الذى كان شعارا مراوغا لتبرير السيادة الفكرية لليمين المتأسلم ومعاداته الفعلية للعلم والحداثة والتركيز على الإيمان الشكلى من طقوس وملابس وأزياء وذقون..الخ.


 وكانت النتيجة الحتمية لهذه السياسات هى سيطرة التفسيرات الرجعية للدين والحياة والنظر للآخر المختلف عقائديا ومذهبيا نظرة دونية. 


وهكذا تعرضت للخطر وحدتنا الوطنية بين الأقباط والمسلمين .. لمحن وأزمات متلاحقة  كانت سببا بدورها فى إهدار روح نصر أكتوبر العظيم الذى كان من الممكن استثماره فى خلق شعب جديد ومستقبل مختلف.


 الخلاصة : ونحن نحتفل اليوم بنصر أكتوبر العظيم ونعيد بناء جيشنا الوطنى ..ونعيد تسليحه بالحديث من الأسلحة.. ونهتم بتدريب رجاله...نطرح سؤالا : هل يمكن أن نستعيد روح نصر أكتوبر بعد كل هذه السنين..أم أنها تحولت لذكرى جميلة بعيدة ؟؟!!


 وهل يمكن أن نستعيد روح ثورة ٢٥ يناير و ٣٠ يونيه العظيمتين فى بعث روح جديدة فى الشعب قائمة على العمل والجهد والانضباط والنظام ؟؟!!!


 لقد أضعنا فرصا تاريخية كبرى للنهوض من كبوتنا..ونحتاج لقيادة ملهمة تبث فى الشعب روح العمل والعطاء.....من خلال القدوة فى العمل والنزاهة والشفافية.


 وكما يقول المثل : قد يكون عظيما أن يعطى الشعب ثقته لزعيم.. ولكن الأعظم أن يعيد الزعيم للشعب ثقته فى نفسه !!!