حرب أكتوبر والنظام الدولى

05/10/2016 - 11:43:17

بقلم السفير : حسين هريدى

كانت حرب أكتوبر علامة تاريخية فارقة، ليس فقط فى تاريخ مصر، وإنما فى تاريخ المنطقة والنظام الدولى ككل. ومن ثم كان لها بطبيعة الامور تأثير هائل على مصر والمصريين، وعلى علاقات مصر بمحيطها العربى وبالشرق الأوسط وبالقوى العالمية، ناهينا عن تداعياتها على القضية الفلسطينية.


ولمزيد من فهم تداعيات الحرب علينا أن نعود قليلا إلى الوراء إلى يونيو ١٩٦٧ وعدوان يونيو فى الخامس من يونيو من ذلك العام.


جاء هذا العدوان نتيجة تواطؤء أمريكى إسرائيلى صريح، ايذانا ببدء مرحلة جديدة فى المشروع الصهيونى فى قلب الامة العربية، ولتحقيق ذلك وللتمهيد لمستقبل هذا المخطط بعيد الامد، ومازلنا نعاصره اليوم فى مرحلته الاخيرة، كان لابد من كسر القومية العربية فى صميم قلبها، مصر ثورة ٢٣ يوليو، ومصر جمال عبد الناصر.


والهزيمة فى يونيو ١٩٦٧ كانت نصرا لكل القوى الرجعية فى العالم العربى، وفتحت الطريق أمام قيام تحاف جديد فى المنطقة بين تلك القوى والولايات المتحدة، وبطريقة غير مباشرة مع إسرائيل، ولكن هذا التحالف غير المعلن هو بداية لكافة التغييرات الاستراتيجية التى طالت الشرق الاوسط والعالم العربى فيما بعد.


والهزيمة لم تكن فقط مصرية أو عربية وإنما كانت أيضا هزيمة، ولو بصورة غير مباشرة، للاتحاد السوفيتى والمعسكر الشرقى فى مواجهته مع الغرب فى إطار الحرب الباردة، التى كانت قد بلغت ذروتها فى حرب فيتنام. كانت الولايات المتحدة فى مسيس الحاجة لتحقيق انتصار، ولو معنويا، على المعسكر الشرقى فى ضوء تورطها فى الحرب الفيتنامية وادراكها انها لن تستطيع أن تحقق انتصارا عسكريا على فيتنام الشمالية آنذاك.


قامت الاستراتيجة الأمريكية تجاه مصر بعد يونيو ١٩٦٧ على اساس توظيف الهزيمة استراتيجيا لحصر مصر داخل حدودها الجغرافية كثمن أساسى لإعادة سيناء المحتلة مرة أخرى للسيادة المصرية. ففى عام ١٩٦٨ توجه السيد/ محمود رياض وزير الخارجية المصرية إلى الرئيس جمال عبد الناصر ليخطره أن القائم بالاعمال الأمريكى بالقاهرة عرض عليه أن واشنطن على استعداد لمساعدة مصر على استرداد سيناء شريطة تخلى القاهرة عن القضية الفلسطينية وعن الجبهة الشرقية والصراع العربى الإسرائيلى، أى أن تترك الساحة كاملة امام التوسعية والعدوانية الإسرائيلية.


عقب الرئيس عبد الناصر على هذا العرض قائلا إن مصر ستستعيد سيناء بالقوة فذلك أمر لامراء فيه, أما بالنسبة للقضية الفلسطينية فهى قضية كل العرب، ومصر لاتستطيع أن تتخلى عنها.


فى هذه الاثناء كانت حرب الاستنزاف على أشدها، والجيش المصرى يقوى يوما بعد يوم استعدادا لحرب التحرير الكبرى، لكن الولايات المتحدة ظلت على غيها فى استمرار سياستها لكسر الارادة المصرية، فقررت تزويد إسرائيل بالفانتوم لضرب العمق المصرى واجبار مصر عبد الناصر لقبول الصلح المنفرد مع إسرائيل، لكن الارادة المصرية لم تنكسر، بل ازداد التفاف الشعب المصرى حول قيادة الرئيس عبد الناصر، وقطع الجيش المصرى شوطا طويلا فى استعادة قوته وقدراته، سواء على مستوى التسليح أو على مستوى التدريب لمنازلة إسرائيل المنازلة الكبرى فى سيناء.


ما كان لمصر أن تحقق الصمود وتنتقل منه إلى مرحلة المواجهة على أرض صلبة فى مواجهة إسرائيل إلا نتيجة لوقوف الاتحاد السوفيتى معنا لادراكه ابعاد الاستراتيجية الأمريكية فى الشرق الاوسط بعد يونيو ١٩٦٧ والتى كانت تستهدف إخراج موسكو من المنطقة، أو على الاقل تقليص نفوذها.


وجاء اليوم الحزين فى ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠، فبعد القمة الطارئة فى القاهرة فى سبتمبر ١٩٧٠ بهدف فك الاشتباك بين الجيش الأردنى والمقاومة الفلطسينية ونجاح مصر عبد الناصر فى الحيلولة دون القضاء على جيش فلسطين، غيب الملاك الاسود الرئيس عبد الناصر، برحيل مفجر القومية العربية، دخلت مصر والمنطقة فى مرحلة جديدة لازالت تفاعلاتها وتداعياتها حتى اليوم على مصر والشرق الاوسط والعالم العربى، وعلاقاتهم مع النظام الاقليمى والنظام الدولى بالنظام الاقليمى أعنى علاقات مصر ودول المشرق العربى بالاضافة إلى دول مجلس التعاوت الخليجى بالثلاث قوى الاقليمية المهيمنة اليوم على مسار الاحداث، ألا وهى إسرائيل، ايران، وتركيا.


بوفاة الرئيس عبد الناصر واختيار الرئيس أنور السادات خليفة له، تبدلت الأمور داخل مصر جذريا لكن بشكل تدريجى وبطىء لم يستوعبه عموم المصريين فى وقته وإنما اتضحت معالمه بعد حرب أكتوبر.


أعتقد أن النظرة الاستراتيجية للرئيس السادات حيال مستقبل علاقات مصر مع القوتين العظميين تبدلت بعد اتفاق الرئيس الأمريكى الاسبق ريتشارد نيكسون وليونيد بريجنيف سكرتير أول الحزب الشيوعى فى يونيو ١٩٧٢ على ما أسمياه «الاسترخاء» فى الحرب الباردة، كانت مصر فى ذلك الوقت تعيش فترة ما وصفها البعض «اللا حرب واللا سلم»، وبوجود مايقرب من مليون جندى مصرى تحت السلاح استعدادا لحرب التحرير كان على الرئيس المصرى أن يحسم الامر، إما الحرب وإما السلام.


ومن هنا بدأت مصر فى اتخاذ خطوات كان لها عظيم الاثر على مصر داخليا وخارجيا، ففى يوليو عام ١٩٧٢، وكنت وقتها طالبا بكلية ضباط الاحتياط بمنطقة فى اسنا تعرف باسم «وادى الجن»، خرجت علينا الصحف المصرية بمانشتات عريضة قال أحدها «طرد الخبراء السوفيت»


نزل علينا نحن الطلبة بالكلية الخبر كوقع البرق، ومازلت أتذكر وكأنها بالامس السؤال الذى ألح علينا ألا وهو ماذا نفعل هنا إذن؟ كانت مصر بهذا القرار الخطير والذى لا استطيع أن ادافع عنه تريد أن تبعث برسالة إلى واشنطن مفادها أن مصر على استعداد لأن تفك تحالفها التاريخى مع الاتحاد السوفيتى فى مقابل تصفية اثار العدوان الإسرائيلى على مصر فى يونيو ١٩٦٧.


لكن هنرى كسينجر مستشار الأمن القومى الأمريكى لنيكسون والعراب الصهيونى الأول بامتياز فى الشرق الأوسط كان يعتقد أن مصر غير قادرة على خوض الحرب، وعندما سئل لماذا لم يتخذ خطوة ايجابية تجاه السادات بعد قرار الاستغناء عن الخبراء السوفيت، قال إن الخطوة اتخذت بدون تنسيق مسبق ولم تكن مصحوبة بطلبات محددة من جانب الحكومة المصرية.


وإذا جاز لى أن أتحدث باسم الجيل الذى أنتمى اليه والذى عاصر الهزيمة فى يونيو١٩٦٧ وخاض حرب أكتوبر، فأستطيع أن أؤكد أننا كنا نريد الحرب لتحرير سيناء، ولم نكن لنرضى باستعادتها عن طريق صفقة ثلاثية الأطراف بين القاهرة وواشنطن وتل أبيب.


اندلعت الحرب فى ٦ أكتوبر ١٩٧٣، واقتحمت القوات المسلحة المصرية الباسلة قناة السويس محطمة امامها خط بارليف، ومحطمة فى ذات الوقت أسطورة إسرائيل التى لا تقهر. وفى ملحمة عسكرية غير مسبوقة حارب الجيش المصرى والجيش السورى جنبا إلى جنب، الجيش الأول فى الشمال وفى هضبة الجولان، والجيشان الثانى والثالث على الجبهة الجنوبية فى سيناء.


ولحجم الهزيمة التى لحقت بالجيش الإسرائيلى أمرت جولدا مايير رئيسة وزراء إسرائيل خلال الحرب بتحميل قنبلة ذرية على قاذفة قنابل «ميراج» تهدد بها مصر وسوريا فى حالة وصول الجيوش العربية إلى الحدود الإسرائيلية.


وبقبول قرار مجلس الامن بوقف اطلاق النار رقم ٣٣٨ فى ٢٢ أكتوبر من عام ١٩٧٣ بدأت الولايات المتحدة سياسة الخطوة خطوة بهدف معلن فك الاشتباك على جبهات القتال، لكن الهدف الأساسى هو دفع مصر إلى توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل وفى نفس الوقت إخراج الاتحاد السوفيتى من مصر، وإن أمكن، من الشرق الأوسط كلية. وقعنا اتفاقية فك الاشتباك الأولى فى يناير ١٩٧٤، تلاها توقيع اتفاق مماثل على الجبهة السورية، وفى سبتمبر ١٩٧٥ تم التوقيع على اتفاق فك الاشتباك الثانى على الجبهة المصرية. ومابين الاتفاق الأول والثانى شهدت العلاقات المصرية الأمريكية تطورا غير مسبوق تمثل فى زيارة الرئيس الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون لمصر فى أغسطس عام ١٩٧٤، وهى زيارة تمثل انتقال مصر من مرحلة ثورية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، سواء داخليا أو خارجيا، الى مرحلة التوارى والانكفاء على الذات تحت دعوى مضللة أخذت اسم «مصر أولا»، وكأن مصر منذ ١٩٥٢ -ثورة ٢٣ يوليو - لم تكن تدافع عن مصالحها وعن أمنها القومى.


كان الشعب المصرى يتوقع أنه بعد حرب أكتوبر ستشهد البلاد انتعاشا اقتصاديا ويتحول اقتصادها من اقتصاد حرب إلى اقتصاد سلام يستطيع أن يوفر لجموع المصريين حياة العزة والكرامة، وأن تتبنى حكومات مابعد الحرب الخطط التنموية الضرورية لخفض معدلات الفقر وخلق فرص عمل لشباب البلاد فى ظل زيادة معدلات النمو السكانى، لكن فى الفترة من ١٩٧٥ وحتى انتفاضة يناير ١٩٧٧ عاش المصريون فى ظل سياسة الانفتاح الاقتصادى التى سمحت للقلة القليلة من المصريين أن يغتنوا على حساب الجماهير، التى استيقظت صباح ١٧ يناير ١٩٧٧ لتفاجأ برفع الدعم عن قوتها اليومى، بالنسبة للجماهير لم يكن هذا ما تنتظره بعد انتصار أكتوبر.


وبالتوازى مع هذه التطورات ومع الطفرة التى شهدتها أسعار النفط بعد حرب أكتوبر، بدأ المصريون، ولأول مرة فى تاريخ البلاد يهاجرون مؤقتا إلى دول الخليج، فتركوا الزراعة، وتركوا الصناعة وذهبوا إلى حيث مصادر الثروة النفطية، وأضحت مصر بعد ذلك أسيرة لتحويلات المصريين فى الخارج التى أصبحت أحد أهم مصادر العملة الصعبة لمصر، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، بلغ مجموع هذه التحويلات فى عام ٢٠١٠/٢٠١١، ١٩ مليار دولار.


أخذت الأوضاع الاقتصادية فى التدهور بشكل بات يهدد استقرار الحكم، وربما هذا هو السبب الرئيسى الذى يفسر ذهاب الرئيس السادات إلى القدس دون التنسيق مع سوريا التى خضنا معها الحرب فى ١٩٧٣ ودون توفير غطاء عربى لهذا التحرك المصرى المنفرد.


وبالتوازى مع كل ماتقدم من تطورات تراجعت العلاقات المصرية -السوفيتية بشكل متسارع، وأصبحت مصر بمحض ارادتها، وفى ظل أوضاع اقتصادية حرجة أسيرة للإرادة الأمريكية التى دفعتنا دفعا إلى التوقيع على معاهدة سلام مع إسرائيل فى ٢٦ مارس ١٩٧٩ فى اطار اتفاقيتى كامب ديفيد فى ١٧ سبتمبر ١٩٧٨.


ونجحت الاستراتيجية الأمريكية فى كسر التضامن العربى الذى تجسد فى حرب أكتوبر، ونجحت فى ضرب العلاقات المصرية- السورية فى مقتل، ونجحت فى عزل مصر عن محيطها العربى، االذى يعتبر حائط الصد الأول عن مصر.


وبدلا أن تكون حرب أكتوبر هى الدافع للحفاظ على التضامن العربى، وان ينطلق العرب من على أرضيتها لتحقيق السلام الشامل والعادل والدائم بما فى ذلك حل القضية الفلطسينية، عملت واشنطن على تعميق الانقسامات المصرية- العربية والعلاقات العربية-العربية، فمكنت بذلك وعن قصد وبالتسيق الوثيق مع إسرائيل على تنامى الهيمنة الإسرائيلية فى الشرق الأوسط، فغزت لبنان مرة فى عام ١٩٧٨ لفترة وجيزة ثم عاودت احتلال الجنوب اللبنانى فى عام ١٩٨٢ لتبقى هناك حتى أجبرتها المقاومة اللبنانية على الانسحاب فى عام ٢٠٠٠. وفى نفس الوقت زادت حركة الاستيطان الإسرائيلى فى الضفة الغربية، ولازالت هذه الحركة مستمرة حتى الآن بالرغم من أن العديد من الدول تحذر من أن استمرارها سيعرقل تنفيذ حل الدولتين، دولة فلسطين جنبا لجنب مع إسرائيل.


لم يعد هناك ماعرف باسم الجبهة الشرقية فقد احتلت الولايات المتحدة العراق فى عام٢٠٠٣ وأعقب ذلك تفكيك الجيش العراقى، ويجد الجيش العربى السورى-الجيش الأول- نفسه فى مواجهة شرسة مع الجماعات الإرهابية وميليشيات مدعومة من بعض القوى الإقليمية والعربية، وفى ذات الوقت يحارب الجيش المصرى نفس الجماعات فى شمال شرق سيناء، فى مواجهات لا يبدو أنها ستنتهى عما قريب.


كان يمكن لمصر وللدول العربية أن توظف النصر العسكرى الكبير الذى أحرزه المقاتل المصرى والسورى والعربى بصورة أفضل بكثير تعزز من التضامن بين الدول العربية، وترسخ القوة العربية بحيث يكون توازن القوى بين الدول العربية وإسرائيل لا يميل لصالح إسرائيل بالصورة التى أعقبت حرب أكتوبر، وبلغت ذروتها بالتوقيع على مذكرة التفاهم بين إسرائيل والولايات المتحدة فى ١٤ سبتمبر الجارى حول زيادة المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل خلال العشر سنوات المقبلة، وهو الاتفاق الذى لم يسبق للولايات المتحدة أن وقعته مع أى دولة منذ نشأتها.


ستظل حرب أكتوبر علامة مضيئة فى تاريخ مصر والأمة العربية، وستظل مبعثا للفخر والاعتزاز للشعب المصرى وسائر الشعوب العربية، أما بالنسبة لنا نحن الجيل الذى عاصر العدوان الإسرائيلى فى ١٩٦٧ وعاصرنا حرب الاستنزاف وغارات الفانتوم الأمريكى-الإسرائيلى على مصر بهدف إخضاع وسلب إرادتنا الحرة، نحن كنا نتمنى استثمار نتائج حرب أكتوبر بأستراتيجية مختلفة تماما مصريا وعربيا.


نقف اليوم تحية لشهداء الجيش المصرى والجيش السورى الذين ضحوا بحياتهم من أجل حرية أوطاننا وحتى تعيش الأجيال اللاحقة حياة العزة والكرامة الوطنية والقومية.