حرب أكتوبر وصراع الاستراتيجيات: المصرية والإسرائيلية والأمريكية

05/10/2016 - 11:50:10

بقلم: السفير د. رضا شحاتة

ربما تنتاب المؤرخين للعلاقات الدولية، وللتاريخ العسكرى بعض الحيرة وهم يحاولون استذكار وقائع حرب بخطورة حرب أكتوبر ١٩٧٣، أو كما نحب نحن العرب والمصريين أن نسميها حرب العاشر من رمضان، وكما اعتاد الاسرائيليون والأمريكيون كذلك أن يطلقوا عليها « يوم كيبور» أو فى يوم من أقدس أيام الأعياد اليهودية ، ربما تنتاب المؤرخين مشاعر الحيرة فى اختيار نقطة البداية فى حرب تعددت فصولها وأبعادها وتفاوتت تقديراتها واستخلاص دروسها، لكن مجرد مراجعة خاطفة لأدبيات حرب أكتوبر سواء فى الوثائق الأمريكية أو الإسرائيلية أو السوفيتية، تكشف للجميع عن أن هذه الحرب التى نحتفل بذكرى انتصاراتها بعد ثلاثة وأربعين عاما لم تزل تفصح للكافة ، عرباً ومصريين واسرائيليين وأمريكيين أن هناك دروساً لم تزل فى الذاكرة لم تغب مطلقاً عن وعى هذا الجيل، ودروساً أخرى ربما كانت فى ظن البعض أنها دروس منسية لكنها على العكس لم تزل على نفس الدرجة من العمق والرسوخ فى طيات الوعى الوطنى والتاريخى لشعبنا فى مصر وفى العقل الجماعى والوجدان القومى لأجيال الحاضر والمستقبل .


هذه الحرب تكاملت فصولها من العبقرية فى التخطيط والإعداد للحرب وفى صلابة وإصرار الرجال ، قبل قوة السلاح، وتفوق الآلة والعتاد، واجتمعت فيها ولأول مرة فى التاريخ العربى المعاصر وحدة الكلمة بل ووحدة المصير فيما عرف بعد ذلك باسم « حرب الطاقة» التى حولت مسار الاقتصاديات العالمية بل ومسار الشرق الأوسط كله بعد حرب ١٩٧٣، ثم اجتمعت فى هذه الحرب كل مناورات الدبلوماسية ودهاء السياسات المصرية والأمريكية، والحقائق الكاشفة لطبيعة العلاقات الاسرائيلية الأمريكية والتى تمثلت فى استخدام مصطلحات سمعنا بها لأول مرة، مثل دبلوماسية المكوك، ومفاتيح اللعبة، والمقصود بدبلوماسية المكوك التى مارسها وزير خارجية واشنطن الدكتور هنرى كسينجر ما بين القاهرة وتل أبيب، ولعبة المفاتيح، أو مفاتيح اللعبة التى كان قد أطلقه الرئيس السادات من قبل عن انفراد (واشنطن) بحيازة تسعة وتسعين فى المائة من مفاتيح الحل، وربما كان يقصد، وهو الحق فعلاً أنها تمتلك «مفاتيح المشكلة»، احتلال الأراضى المصرية والسورية والفلسطينية بعد حرب ١٩٦٧ ثم امتداد هذا الاحتلال لسيناء حتى ضفاف قناة السويس (على ضفتها الشرقية).


حرب أكتوبر ١٩٧٣ فى الأدبيات العسكرية والسياسية لأهم أكاديميات العالم العسكرية ومراكزها البحثية، وفى مذكرات قادة إسرائيل، بيريز، وعيزرا وأيزمان وموشى دايان ، وجولدامائير ، وفى مذكرات الساسة الأمريكيين (وليم كوانت فى كتابه عن عملية السلام ، الدبلوماسية الأمريكية والنزاع العربى الإسرائيلى بجانب مذكرات كسينجر عن سنوات الغليان (وهو العنوان الذى اختاره أيضاً الأستاذ هيكل لبعض كتبه عن حرب الثلاثين عاما) بالإضافة إلى كتابه الوثائقى عن حرب أكتوبر «السلاح والسياسة» ١٩٩٤» وبعض من أدبياتنا المحدودة سواء «وثائق حرب اكتوبر» لموسى صبرى أو حرب أكتوبر للواءين طه المجذوب وحسن البدرى، أو الأمن القومى لمصر «حافظ إسماعيل « مستشار الأمن القومى المصرى السابق ورواية أحمد أبوالغيط أمين عام الجامعة العربية فى كتابه عن الحرب والسلام٢٠١٥ والعشرات بل والمئات من الدراسات والأبحاث الجادة وتقارير المؤتمرات عن الدلالات الاستراتيجية لتلك الحرب، هذه الأدبيات فى الفن العسكرى والاستراتيجى والدبلوماسى إنما تؤكد أن الكشف عن عبقرية العسكرية المصرية فى الإعداد والتخطيط للحرب، وفى إدارة تلك الحرب، خاصة فى أيامها الأولى التى كادت تلحق فيها الهزيمة الساحقة لقوات جيش الدفاع الإسرائيلى» الذى سُمّى بأنه لايقهر، (حتى جاء ذلك الجسر الجوى من مخازن السلاح الأمريكية منذ التاسع من أكتوبر حتى ما بعد الثانى والعشرين) ثم التقديرات والمواقف المتباينة حول الاستثمار الأمثل استراتيجياً، وعملياتياً وسياسياً لنتائج تلك الحرب ( موقف الفريق الشاذلى من عملية الثغرة وتطورات الحرب والانسحاب وموقف المشير أحمد اسماعيل ثم القرار النهائى للرئيس السادات بالقبول بالخيار الأمريكى فى نهاية المطاف).


فى مؤلفه الموسوعى .الدبلوماسية ١٩٩٤ ، وفى الفصل التاسع والعشرين (الوفاق والمعارضون) يقول «كسينجر» (كانت إدارة الرئيس نيكسون تستغل سياسة الوفاق باعتبارها (شبكة أمان) تستهدف تقليص النفوذ السياسى للاتحاد السوفيتى بعد أن كان الاتحاد السوفيتى قد أصبح المورد الرئيسى للسلاح لسوريا ومصر ، والداعم التنظيمى والفنى للجماعات المتطرفة العربية، «بل كان الاتحاد السوفيتى، على مستوى العلاقات الدولية هو المتحدث باسم الموقف العربى بل والمعبر عن أقصى درجات التطرف فى هذا الموقف).


لذلك وفى ظل هذا النمط من العلاقات، كان أى تقدم دبلوماسى يُنسب للاتحاد السوفيتى بينما كانت حالة الجمود تنذر بالمزيد من الأزمات، ولم يكن هذا (الجمود) لينكسر إلا إذا قبلت الأطراف بل واضطرت إلى القبول بالحقيقة الجيوستراتيجية الأساسية فى الشرق الأوسط ألا وهى أن اسرائيل أقوى من أن تلحق بها أى هزيمة من كافة جيرانها مجتمعين، وان الولايات المتحدة هى التى تسيطر على الحلبة فى مواجهة الاتحاد السوفيتى.


هكذا كانت نظرة الاستراتيجية الأمريكية للنزاع التاريخى العربى الإسرائيلى قبل وأثناء وبعد (وحتى الآن) أى ضمان التفوق المطلق لإسرائيل لكى لا تلحق بها أى هزيمة ولكى تنفرد واشنطن بتقرير مصير المنطقة، هذا هو التحدى الاستراتيجى الأكبر ـ كما وصفه كسينجر نفسه بعد الحرب بعشرين عام (١٩٩٤) وهو ما تصدت له عبقرية الإعداد والتخطيط والتنفيذ لأبطال أكتوبر من قادة وجنود ووطن داعم بكل أجياله وشيوخاً وشباباً تدفع بجيش إسرائيل نحو الهزيمة المحققة قبل أن يمتد إليها جسر الإنقاذ وشريان الحياة من الترسانات الأمريكية.


يقول كسينجر نفس المقولة وبالحرف التى كررها الرئيس السابق السادات وربما كان قد استعارها الرئيس السادات من كلمات كسينجر له فى مقابلاتهما المنفردة .


يقول كسينجر فى نفس الفصل على الصفحة (٧٣٧) من النسخة الإنجليزية:


«لذلك فإن مفتاح السلام ـ أكررـ «مفتاح السلام» فى الشرق الأوسط يكمن فى يد واشنطن، لا فى يد موسكو، واذا ما أجادت الولايات المتحدة اللعب بأوراقها، فإما أن يضطر الاتحاد السوفيتى إلى الإسهام فى التوصل لحل «حقيقى» (لم يقل كسينجر حلاً سلمياً أو حلاً عادلاً أو شيئاً من هذه الألفاظ الرقيقة» وإما أن يخرج أحد (عملائه) (بكل أسف هذا ما وصف به «كسينجر» كلاً من سوريا ومصر فى كتابه) من صفوف (صفوف الاتحاد السوفيتى ) وأن يبدأ التحرك باتجاه الولايات المتحدة (وهو ما تحقق فعلاً لاستراتيجية (المكوكية) التى لعبتها دبلوماسية كسينجر بعد حرب ١٩٧٣ وانتهت بعد عشرين عاما أخرى تقريباً فى مؤتمر مدريد للسلام بالجنوح إلى الخيار الاستراتيجى الأمريكي ـ وفى الحالتين معاً سوف يتقلص النفوذ السوفيتى ومن ثم كان كسينجر واثقاً أن الإدارة الأمريكية تسعى لطرد الاتحاد السوفيتى من الشرق الأوسط ويستذكر المؤرخون هنا أن السعى لطرد موسكو من مصر بعد حرب ١٩٧٣ كان قد تقرر واستقرت الاستراتيجية الأمريكية على تطبيقه قبل اندلاع الحرب فى السادس من أكتوبر وكان ذلك قد حدث بعد أن كانت الولايات المتحدة قد طردت من فيتنام بعد هزيمة تاريخية(١٩٧٢) خلفت آثاراً سيكولوجية عميقة فى صناعة القرار الأمريكى حتى اليوم تحاول التغلب عليها فى مسارح عدة دون جدوى (أفغانستان ثم العراق) .


«يسوق كسينجر»دليلاً على نجاح «دبلوماسيته» بالإشارة إلى أن أول بادرة على تأثير استراتيجية إدارة نيكسون جاءت عام ١٩٧٢ عندما قرر السادات طرد المستشارين العسكريين السوفيت١٩٧٢ « دون أن يفهم أو يدرك كسينجر رغم كل مخابراته أن هذه الخطوة ليست إلا أول عناصر استراتيجية الخداع الأعظم التى طبقها السادات طوال عام ١٩٧٢ حتى أكتوبر ١٩٧٣ التى سميت بخطة الخداع الاستراتيجى التى أذهلت المخابرات الأمريكية والإسرائيلية التى لم تستطع التيقن من حقيقة النوايا والإعداد والتحرك المصرى والسورى إلا قبل سويعات معدودة من صباح السادس من أكتوبر ١٩٧٣.


لم يعد اليوم من المبالغة القول بكل الموضوعية والثقة أن هذه الحرب كانت نقطة التحول فى السياسات العربية، والمصرية بالتأكيد والاستراتيجية الأمريكية والسوفيتية (عندئذ) فقد فرضت على إدارة نيكسون أن تدرك أن الإحباط العربى إزاء الرفض والتعنت وغطرسة القوة الإسرائيلية للانسحاب من الأراضى المحتلة فى سيناء أو الجولان السورية التى احتلتها فى عدوانها عام ١٩٦٧ سوف تكون له آثاره الاستراتيجية بعيدة المدى على الولايات المتحدة، إذ أن تلك الحرب بدروسها المحفورة فى الذاكرة بل وربما الدروس المنسية التى نحرص على استذكارها وإحيائها اليوم هى التى فتحت الطريق إلى مصر السلام واستعادة الثقة أو بالتعبير الدرامى (عودة الروح). واستئناف دورها القومى فى محيطها العربى الإقليمى الذى لم تزل بعض عواصم الاستراتيجيات الكبرى تحاول تعطيله أو إجهاضه أو تحييده تماماً.


كانت واشنطن فى ظل بدايات نيكسون قد أدركت أيضاً أن تجميد مستقبل الأراضى المحتلة يهدد مكانتها ومستقبل علاقاتها بالمنطقة وكذلك مستقبل الوفاق مع الاتحاد السوفيتى فجربت التفاوض مع السوفييت ومع مصر (خطة روجرز) ورغم قبول عبد الناصر للخطة رغم كل النقد والهجوم، رفضتها إسرائيل فعلق نيكسون جهوده ودخلت مصر حرب « بل ملحمة الاستنزاف» ـ بدعم لوجيستى سوفيتى بالمهندسين المصريين والصواريخ الحديثة التى أدركت واشنطن معها أن (السوفيت) موجودون على أرض المعركة بصواريخهم وأسلحتهم لكن إسرائيل لم ترتدع ومضت فى إصرارها على استمرار قبضتها على أرض سيناء المحتلة، أما كسينجر فكان حجته أن الوقت لم «ينضج» بعد لكى (يكافئ) عملاء السوفيت ـ هكذا وصفت ـ الوثائق الأمريكية ـ قادة مصر فى ذلك الوقت.


استنفد السادات مبادرته الثانية على طريق الخداع الاستراتيجى باقتراح إعادة فتح قناة السويس إذا انسحبت إسرائيل عدة كيلو مترات فقط شرقى القناة لكن إسرائيل ظلت على رفضها، أما واشنطن فلم تكن تسعى لإثارة أزمة مع إسرائيل قبل انتخابات الرئاسية فى أمريكا ١٩٧٢ .


خطة الخداع الاستراتيجى كانت فى تقدير وتقييم مراكز البحث العسكرى العالمى تتكون من ثلاثة عناصر أولها خداع العدو باستبعاد أى احتمال لاستخدام القوات المسلحة فى أى عملية هجومية، وثانيها الحفاظ على فكرة العملية الهجومية فى ظل أقصى درجات السرية والكتمان وثالثهما إخفاء أى تفاصيل أو معلومات تتعلق بتوقيت ومكان بداية الحرب أما الإعداد للحرب أو الهجوم فقد ارتكز على عدة محاور المحور الأول دراسة العقيدة الإسرائيلية العسكرية ومفهوم الدفاع الإسرائيلى المحور الثانى إعداد الدولة فى كل الميادين لخوض الحرب، المحور الثالث تجهيز المسرح سياسيا وإقليمياً ودولياً ـ المحور الرابع والأخطر إعداد القوات المسلحة لخوض الحرب فيما يسمى بالتدريب الواقعى الحى تجارب العبور وإقامة المعابر والاقتحام وإجادة استخدام الأسلحة الجديدة وتحطيم الحاجز الرملى بعبقرية هندسية غير مسبوقة بالإضافة للشحن المعنوى الهائل والمحور الخامس تجهيز مسرح العمليات، والمحور السادس التخطيط للعملية الهجومية بما فيها (خطة الخداع الاستراتيجى).


ولم يكن الاسرائيليون يتوقعون أسلحة جديدة وتكتيكات حديثة، أتقن المصريون استخدامها، استعداداً لحرب أكتوبر، فكان للأسلحة المضادة للدبابات التى استخدمها الجنود المصريون بكثافة وبكميات هائلة تأثير مرعب له وقع الصدمة على قوات المدرعات الإسرائيلية التى نجحت يوماً ما عام ١٩٦٧ أما المفاجأة الثانية التى أعدتها القوات المسلحة المصرية لجنود إسرائيل فكانت كثافة الدفاع الجوى المخيفة، إذ كانت تضم ما أصبح يعرف بصواريخ (سام ـ ٦ ، وسام ـ ٧) ولم يكن الطيارون الإسرائيليون قد اعتادوا التعامل معها ـ أما المفاجأة الكبرى فكانت كما عرفنا ـ استخدام (ضغط المياه) من مدافع مائية لفتح الثغرات فى الحاجز الرملى على الضفة الشرقية للقناة ثم العبور الكاسح إلى أرض سيناء، أما الهجوم فقد كان على طول القناة لإحداث أكبر تأثير للمفاجأة الاستراتيجية.


استغل المصريون فرصة المناورات السنوية ـ قبل الحرب للتغطية على التجهيزات اللازمة للعبور من مدفعية ومعدات ثقيلة ونقلها لمواقع أمامية مع تقدم القوات لمواقع هجومية ، أما الجزء الأشد خبثاً فى خطة الخداع فكان هو الفتح النهائى للقوات ، كما يقول المصطلح العسكرى من خلال التظاهر بالإعداد لمناورات الخريف السنوية التقليدية تحت الاسم الكودى «تحرير ٢٣» (كان قد تم تدريب ورفع كفاءة الجزء الأكبر من قوات الاحتياطى على فترات منتظمة تتيح لها أعلى درجات الجاهزية والاستعداد للتحرك فى ساعة الصفر، وكان الخطوة الأخيرة فى خطة الإعداد ـ والخداع تجهيز القوات بأعلى مستويات التدريب الواقعى وتزويدها بأحدث الأسلحة المتاحة,


واذا كانت حرب أكتوبر ١٩٧٣ هى الحرب الرابعة بين العرب وإسرائيل، أو بالأحرى بين مصر وإسرائيل، فإنها الحرب التى قلبت موازين الشرق الأوسط استراتيجياً وسياسياً على المستوى العالمى بأن أدخلت إلى ساحات الحرب العسكرية ، ساحة جديدة هى ما نعرفه باسم حرب الطاقة وشريان الحياة للعالم الغربى بعد أن فرضت الدول العربية فى منظمة الدول المصدرة للبترول (الأوبك) حظراً على تصدير النفظ العربى للولايات المتحدة رداً على قرارها بتزويد إسرائيل بالسلاح ودعم موقفها التفاوضى فى أى مفاوضات (مع مصر وسوريا) كما أن الدول العربية وسعت نطاق الحظر لتشمل دولاً أخرى ساندت إسرائيل فى أوربا (هولندا )(رفضت عواصم غربية كثيرة عبور طائرات الجسر الجوى الأمريكى )وفى إفريقيا (جنوب إفريقيا) فضربت الاقتصاد الأمريكى والأوربى بل والعالم فى الصميم، ولم يكن هذا سوى مجرد رد على القرار الأمريكى الاستراتيجى بإنقاذ إسرائيل من هزيمة محققة دفعت «كسينجر» كما سبق القول ما بين (١٩٧٤ – ١٩٧٥) إلى ابتداع (دبلوماسية المكوك) كما وصفتها وسائل الإعلام الامريكية بين عواصم الشرق الأوسط للتعامل مع نتائج الحرب ـ خاصة حظر تصدير النفط العربى ـ وإعداد المسرح الإقليمى لمبادرات أمريكية لإنهاء عقود طويلة من الصراع بين العرب وإسرائيل يخرج منها الاتحاد السوفيتى من المعادلة فى أشد حالات الصراع فى ظل الحرب الباردة.


إلا أنه قبل تقييم مثلث الصراع بين الدبلوماسية الأمريكية والإسرائيلية والمصرية وعواقبها التى يعيش فى ظلها حتى اليوم، لا يملك الباحث المؤرخ إلا أن يقطع بأنه لولا الدعم الاستراتيجى ـ الجسر الجوى ـ والبحرى الأمريكى لإسرائيل منذ التاسع من أكتوبر، ما كانت إسرائيل تستطيع الصمود أياماً بل ساعات كما قالها قادتها العسكريون وزعماؤها السياسيون فى مذكراتهم ويومياتهم عن الحرب.


ـ السند التاريخى القاطع فى هذا القول ـ الذى قد يرد البعض بأنه فى إطار الحكمة بأثر رجعى ـ كما يقول عادة أستاذنا هيكل ـ السند التاريخى هو «الوثيقة « الكاشفة الفاضحة من وثائق البيت الأبيض بنصها الحرفى تحت عنوان (مذكرة ـ سرى للغاية ـ للاطلاع فقط ) مذكرة عن حديث كان المشاركون فيه هم سفير إسرائيل «سمحا دينتز) والوزير المفوض لإسرائيل (مردخاى شاليت) ، ثم هنرى كسينجر وزير خارجية الولايات المتحدة، ثم الجنرال برنت سكوكرفت نائب مساعد الرئيس لشئون الأمن القومى، ثم أحد موظفى مجلس الأمن القومى (بيتر رودمان) وذلك يوم ٩ أكتوبر ١٩٧٣ فى قاعة الخرائط بالبيت الأبيض.


تقول الوثيقة بالحرف « بناء على طلبكم الخاص، وافق الرئيس على كل القائمة (للأسلحة) أى الذخائر، قطع المدفعية، المعدات الألكترونية ـ كل ذلك ما عداَ القنابل الليزر وقد وافق الرئيس وبشكل رسمى على إحلال (تعويض) كل خسائركم من طائرات ودبابات وسوف تحصل إسرائيل على عدد كبير من الدبابات (إف ـ ٦٠ ) أى أحدث الدبابات ـ وبالنسبة للطائرات فهى جاهزة للشحن فوراً من طائرات (إف ـ ٤ ) وما عليكم إلا التواصل مع وزارة الدفاع» ولديكم تأكيدات بأن إسرائيل سوف تحصل على «إحلال» لخسائرها، وحتى على أسوأ الفروض لو حدثت طوارئ فسوف نشحن الدبابات والطائرات الأمريكية» (فى نهاية المقابلة طلب السفير الإسرائيلى أن يتحدث مع كسينجر على انفراد فأمضى معه كما يقول فى المذكرة عشر دقائق (انتهى نص المذكرة) .


تفاصيل الجسر الجوى الذى عرف بالاسم الكودى (الأعشاب المعدنية) سجلتها تقارير القوات الجوية الأمريكية أو كما تعرف فى المصطلحات العسكرية الأمريكية (ماك) ـ أى « قيادة النقل الجوى الحربى» وسجلتها الدراسات الموثقة فى الأكاديميات العسكرية باستخدام طائرات النقل العملاقة ( س ١٤١ ـ وس ٥ ) لنقل نظم الرادارات الأرضية وطائرات الهليكوبتر (س اتش ٥٣) ومدافع الهاوتزر ١٥٥ مم بالإضافة إلى الدبابات إم ٦٠ وطائرات الفانتوم، وهو ما تسرده تفصيلاً أحدث القراءات الكاشفة من دلالات هذا الموقف الاستراتيجى الأمريكى للحيلولة دون هزيمة عسكرية لإسرائيل وهو ما جاء فى تقرير « آدام وامبولد» منذ عامين فقط فى أكتوبر ٢٠١٤ عن أن هذا الجسر الجوى فى تقريره (الطيران إلى إسرائيل) جاء فى التقرير بالحرف «أن نقطة التحول فى الحرب جاءت بعد أن اقتنع الجميع قادة سياسيين وعسكريين ومراقبين بعد أيام قليلة من بدء الحرب أن إسرائيل تواجه مالم تكن تتوقعه من خسائر فادحة من الجنود والمعدات مع تصاعد خسائرها على الجبهة المصرية بعد أن نجح الدفاع الجوى المصرى فى تحييد قوات إسرائيل الجوية وإصابتها بخسائر غير محتملة (٤٩ طائرة، ١٤ فانتوم، ٥٠٠ دبابة على الجبهة المصرية فقط، عندئذ قررت واشنطن أن تتدخل حتى لا يميل ميزان الحرب لصالح مصر وتمكين إسرائيل من الصمود ولو لأسبوع واحد.


ـ فى التاسع من أكتوبر، لم تعد إسرائيل تحتمل شبح الهزيمة الذى يطارد الجنود والقادة، فقرر البيت الأبيض (كما تؤكد الوثيقة التى يكشف عنها لأول مرة) كما قررت وزارة الدفاع أن الطريقة الوحيدة لإنقاذ إسرائيل هى النقل الحربى الأمريكى المباشر والفورى، وكان البيت الأبيض بالطبع يعلم أن الثمن سوف يكون باهظاً وهو مواجهة حظر النفط وقبلت واشنطن بالمجازفة فى سبيل ألا تهزم إسرائيل بأى حال.


ومنذ الرابع عشر من أكتوبر، وبوصول الجسر الجوى بدأت إسرائيل تعويض الخسائر ـ وذلك كما يقول التقرير الأمريكى الأحدث كان بفضل المساعدة الأمريكية التى أنقذت إسرائيل فى ساعة العسرة.


بل إن نص مذكرة الخارجية الأمريكية بتاريخ ١٦ أكتوبر ١٩٧٣ برقم ٤١١٦٠ ـ برقية عن تأثير الحرب على دول حلف الأطلنطى يروى التفاصيل عن نقل ٢٢.٣٩٥ طنا من المعدات ساعدت على تغطية الخسائر والعجز فى الإمكانيات الإسرائيلية لتعود إسرائيل مرة أخرى تقف فى غطرسة وعجرفة ترفض قرارات مجلس الأمن (٣٣٨) فى ٢٢ أكتوبر ومن قبل قرار (٢٤٢) فى نوفمبر ١٩٦٧


لتفسح ساحة الشرق الأوسط مرة أخرى أمام عودة النفوذ والسيطرة الأمريكية التى خطط لها ونفذها مهندس الاستراتيجية الأمريكية ومنفذها بين مصر وإسرائيل (هنرى كسينجر) الذى فسر موقف الرئيس السادات فى حديث له مع (جولدامائير) أنه أى الرئيس السادات كان يستطيع لو أراد أن يضغط لتحقيق الانسحاب الإسرائيلى، لكن السادات وقع ـ كما يقول كسينجر «ضحية الضعف الإنسانى « «أن سيكولوجيته كرجل سياسة كانت تدفع السادات لأن يرى نفسه وعلى وجه السرعة وهو يركب سيارة مفتوحة وهو مزهو بالنصر الذى حققه ـ وهو يسير فى مدينة السويس وحوله آلاف المصريين يهتفون بحياته» هكذا كانت رواية «كسينجر» الرمزية والساخرة فى نفس الوقت.


لكن الرئيس السادات لم يكن أمامه كما تقول الوثائق سوى خيارين: إما الخيار الأول فهو القبول بمحاولة التفاوض والتوصل لاتفاق (فض اشتباك أول ثم اتفاق ثان ثم اتفاقية سلام فى النهاية(١٩٧٧ – ١٩٧٩) وذلك كله بمساعدة الولايات المتحدة وإما اللجوء الى الخيار الثانى ـ الذى لم يركن إليه الرئيس السادات وهو الخيار الأشق والأصعب والأخطر فكان هو تصعيد الأزمة مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل واستغلال الضغوط التى تمارسها قوى كبرى (بريطانيا وفرنسا واليابان والسوفيت) بالطبع للتوصل إلى الحل أى انسحاب إسرائيل، ولم يكن السادات كما تقول الوثائق عندئذ بحاجة إلى خوض حرب جديدة، فقط كان حظر النفظ أى حرب الطاقة هو السلاح الوحيد المتاح والفعال.


لكن إرادة الرجال وصلابة الجنود واستراتيجية الخداع قد كشفت وأكدت إلى الأبد عن عبقرية العسكرية المصرية القادرة دائما على تحقيق النصر، وما النصر إلا من عند الله، رحم الله شهداء مصر وحفظ لها أرضها وترابها طاهراً بلا دنس.