أفريقيا ونصر السادس من أكتوبر

05/10/2016 - 11:31:58

بقلم: د. السيد فليفل

حاول البعض من مؤرخى عصر مبارك تصوير نصر السادس من أكتوبر باعتباره الضربة الجوية وحدها، وحاول البعض الآخر تصوير هذه العملية الإستراتيجية (السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية) باعتبارها إجراءً عسكرياً فقط. وقد كان من نتائج ثورة ٢٥ يناير كشف الغطاء عن حقائق ما جرى فى السادس من أكتوبر ١٩٧٣ ولم يشأ المولى -عز وجل- أن تنقضى أيام قليلة حتى أعيد الاعتبار لمهندس العملية العسكرية الفريق سعد الدين الشاذلي، كما أن بوسعنا الآن أن نعيد النظر فيما جرى وفى حقيقته لكى نستكشف أن السادس من أكتوبر كان معركة شاملة لقوى التحرر فى العالم الثالث بكاملها فى مجابهة الهيمنة الصهيونية (الإسرائيلية-الأمريكية)، فقد كانت الحرب فى حقيقتها إدارة شاملة لموقف مترامى الأطراف، إذ سبقته عملية إعداد سياسى ودبلوماسى كبير عبر الأمم المتحدة من ناحية، وكذلك كان هناك دور اقتصادى كبير لعبه البترول العربى فى محاولة للحد من تأثيرات الدعم الدولى الغربى لإسرائيل.


وحتى على الجانب العسكرى فقد كان هنالك دور لكثير من الدول، ومنها على سبيل المثال الدعم الفورى الذى وصل إلى مصر بتمويل جزائرى من المدرعات الروسية، وكذلك الدعم الليبى بطائرات ميراج ٥ التى تدرب عليها الطيارون المصريون باعتبارهم ليبيين فى قلب فرنسا وعادوا بها وشاركوا بها فى المعارك مشاركة فاعلة، وكانت تمثل أقل قليلاً من ربع القوات الجوية المصرية. ولاشك أننا فى هذا الصدد لابد أن نذكر الراحلين الكبيرين هوارى بومدين ومعمر القذافي. لك أن تختلف معهما كيفما شئت، لكن فى المواقف القومية لا يختلف معهما إلا غبي. ولقد شاركت بعض الدول العربية الأخرى بقوات “رمزية”، كما قدمت بعض الدول النفطية دعماً مالياً لدول المواجهة، وذلك فى إطار ما كان يعرف وقتئذ باسم “قومية المعركة”.


على جانب آخر فقد لعبت مجموعة دول عدم الانحياز بتكوينها الأفريقى والآسيوى والأمريكى اللاتينى دوراً مهماً فى حشد التأييد السياسى لمبدأ استعادة الأرض المحتلة وإنهاء العدوان الإسرائيلى على الأراضى العربية، أو ما اصطلح يومئذ على تسميته “إزالة آثار الاعتداء”.


أما أفريقيا فقد كان لها مع السادس من أكتوبر شأن عظيم أيضاً، ذلك أنه منذ فترة مبكرة بدأت الدول الأفريقية حدية الاستقلال تدرك الطابع الاستعمارى الاستيطانى لإسرائيل، وكيف أن هنالك شعباً فلسطينياً تنكر الحركة الصهيونية وجوده أصلاً. وتعيد تسمية فلسطين التاريخية باسم إسرائيل، وهو نفس الوضع الذى رآه الأفارقة متحصلاً فى كل من جنوب أفريقيا وناميبيا وموزمبيق وغينيا بيساو وأنجولا، حيث تمارس النظم العنصرية سياسات الفصل والقهر والقمع وتسخر الجماعات الأفريقية كثيفة العدد فى المزارع والمصانع والمناجم على نحو سماه بعض كبار المؤرخين الأوربيين باسم “الرق الحديث فى أفريقيا”. ولا شك أن هذا التشابه بين الأنظمة العنصرية وفى فلسطين وفى أفريقيا كان قد لفت الرئيس جمال عبدالناصر، بحيث اعتبر أن العنصرية البيضاء فى أفريقيا تشكل سبة فى جبين الإنسانية وربط بينها وبين فلسطين والنظام الصهيونى الإسرائيلي، ودأبت مصر الثورة على تدعيم وتأكيد هذا الربط، بحيث استقر فى وجدان الشبان الأفارقة والعرب وأدركوا أن التعاون بين العرب والأفارقة هو أمر ضرورى لمجابهة التعاون بين العنصرييين الأوربيين فى أفريقيا والشرق الأوسط.


وقد شهدت الصدامات العربية الإسرائيلية مشاركات عنصرية تدل على هذا الربط الذى لاحظه الرئيس عبدالناصر، فقد كان من أوائل الطيارين الذين أسقطت طائراتهم فى مواجهة السويس ١٩٥٦ طيار من جنوب أفريقيا، وهو الأمر الذى تقرر فى عام ١٩٦٧ على أنه لما كانت المبادرة بأيدى الجيش المصرى فى عام ١٩٧٣ لم تظهر قوات جنوب أفريقية فى المراحل الأولى للحرب، لاسيما بعد أن حسمت مصر معركة العبور الكبرى لصالحها قبل أن يتأهب الغرب- عدا قوات الناتو الأمريكية- للتدخل. فجاءت جنوب أفريقيا متأخرة لكنها كانت مصرة أن تأتي.


ومن الملاحظ أن إسرائيل بعد حرب يونيو ١٩٦٧ كانت قد ملأت القارة الأفريقية طنطنة عن جيشها الذى لا يقهر، وعن الذراع الطويلة التى عبثت بالجيوش العربية. بيد أن هذا لم يثن الأفارقة عن الوقوف بصلابة إلى جانب مصر ضد إسرائيل، حيث قررت منظمة الوحدة الأفريقية رفض الوجود الإسرائيلى فى أرض مصر الأفريقية معتبرة ما جرى من عدوان على دولة أفريقية عدواناً على جميع الدول الأفريقية.


وعندما بدأت مصر فى التقاط أنفاسها خلال حرب الاستنزاف وبدأت مرحلة الدفاع النشط، ثم واصلت غاراتها على النقاط الحصينة فى خط بارليف كانت أفريقيا تتجاوب مع مصر، وكان قادتها لا يكفون عن الوصول إلى القاهرة لتقديم الدعم السياسى وللتواصل مع القيادة المصرية ولحمل القضية المصرية إلى الاتحاد الأفريقى وإلى الأمم المتحدة.


على أن الصدى كان مدوياً خلال معركة العبور، فقد تجاوبت أفريقيا على نحو فعال مع عبور القوات المصرية إلى أرض سيناء، ولم تكن المسألة متعلقة فقط بالنظر إلى ما جرى من حيث تحقق عبور عشرات الآلاف من الجنود فى ساعات قليلة واختراق مانع قناة السويس، ثم مانع خط بارليف، بل أيضاً قطع الذراع الطويلة لإسرائيل، بفضل دور حائط الصواريخ المصرى فى إسقاط طائرات سلاح الجو الإسرائيلي. وقد تناول عديد من الكتاب الأفارقة هذه العملية العسكرية الشاملة التى شاركت فيها جميع أسلحة الجيش المصرى فى وقت واحد فيما عرف باسم معركة “الأسلحة الحديثة المشتركة”، حيث جرت عملية إزاحة القوات الإسرائيلية إلى مسافة تزيد عن ثلاثين كيلو متراً إلى الشرق مع قتل وأسر أعداد كبيرة منها، بحيث بدا جنود الجيش الذى لا يقهر كالفئران المذعورة فى أيدى الجنود المصريين. ولقد شكل هذا هزيمة ساحقة لمشاعر إسرائيل لم تستطع قوات الإنزال الأمريكى فى مطارات العريش وإسرائيل أن تغير الصورة التى رسمها الجيش المصرى، ولا استطاعت إسرائيل من بعد هذا التاريخ أن تستعيد زمام المبادرة فى عملية عسكرية ناجحة. ولقد كتب الراحل الكبير البروفيسور على مزروعى الكينى الجنسية والعمانى الأصل يقول: إن هذا المشهد أكد أن أبناء مصر رفعوا رأس أفريقيا، وأثبتوا أن الأفارقة قادرون على استيعاب أعتى التكنولوجيات العسكرية المتقدمة، وأنهم يستطيعون أن ينازلوا ليس فقط إسرائيل ولكن من وراء إسرائيل من دول الناتو إلى الحد الذى جعل وقف إطلاق النار يحمى بقاء الدولة الإسرائيلية، لاسيما وقد جرى تهديد أمريكى باستخدام السلاح النووى، مما استحال معه أن تكون هناك مجابهة مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولقد أسفر هذا الوضع عن غصة فى نفوس المصريين وبقية أبناء القارة الأفريقية من الولايات المتحدة، لكن هذا لم يمنع أفريقيا من أن تتخذ مواقف صعبة ضد المصالح الأمريكية، وأن ترحب بقرارات عربية أضرت فى مرحلة معينة بالمصالح الأفريقية، وأتى على رأس هذه القرارات قرار وقف تصدير النفط للدول المؤيدة لإسرائيل، إذ ترتب على هذا القرار فرض توازن من نوع جديد على الدول الأوربية والولايات المتحدة أسفر عن تحميلها عبئاً اقتصادياً ناتجاً عن ارتفاع برميل البترول من أربعة دولارات إلى أكثر من أربعين دولاراً. ولقد بان أن هذا الإجراء كان أشبه بالرادع النووى لدى الولايات المتحدة والذى رغم خطورته جرت معادلته بهذ الإجراء العربى بمنع تصدير النفط لمؤيدى إسرائيل.


كان التناقض الأفريقى كبيراً، إذ تحملت أفريقيا راضية الإجراء العربى باعتباره متمماً للإجراء العسكرى المصرى فى عملية العبور، وإذا كان الثمن لهذا الانتصار العسكرى المصرى يتطلب أن تتحمل أفريقيا مغبة ارتفاع أسعار النفط فإن أفريقيا تحملت ذلك عن رضا وقناعة وبأخوة شديدة. وعلى الرغم من أن العرب أخذوا وقتاً قارب الأربع سنوات حتى قاموا بإجراء اقتصادى لتعويض الأفارقة عن الخسارة التى لحقت بدولهم والأضرار التى تحملتها اقتصادياتهم، فإن أفريقيا صمدت طوال هذه المدة، حتى إذا كان مارس من عام ١٩٧٧ عقد مؤتمر التعاون العربى الأفريقى، والذى تقررت فيه عملية تأسيسية اقتصادية واسعة النطاق فى الشئون العربية الأفريقية للمرة الأولى تقوم على إقرار مبدأ التعاون ووضع التبادل التجارى العربى الأفريقى فى الأولوية، والذى بدأ فى مؤسسة هذا التعاون ومحاولة تأطيره وتنظيمه، حتى يصمد فى المستقبل. وكان من أهم القرارات فى هذا الصدد تقديم حصص من النفط الخليجى على سبيل الهبة وحصص أخرى بأسعار مخفضة، فضلاً عن تقديم المساعدات المادية المباشرة للدول التى تضررت اقتصادياتها نتيجة لارتفاع النفط.


لم تكن أفريقيا مع هذا كتلة واحدة مؤيدة لمصر، إنما كانت هناك كتلة أخرى تعمل من أجل إسرائيل وهى الكتلة التى سبق أن أشرنا إلى سيطرة الأنظمة العنصرية عليها. فقد بدأت هذه الكتلة العنصرية تشعر بوطأة هزيمة إسرائيل فى حرب ١٩٧٣.


كانت أول التأثيرات وضوحاً هى تلك التى أصابت النظام العنصرى فى جنوب أفريقيا، حيث إنه لم يتمكن بالترتيب مع إسرائيل للعدوان، بل إنه فوجئ بالاقتحام المصرى لخط بارليف. وصرح وزير خارجية جنوب أفريقيا بوثا بأن “البؤس والكآبة تخيم على بريتوريا، جراء ما تتعرض له إسرائيل”، كان هذا التصريح مؤشراً على أن استمرار هيمنة وسيطرة العنصرية فى الشرق الأوسط وأفريقيا قد باتت مستحيلة بعد الذى فعله الجنود المصريون، وإذ خيم الظلام على بريتوريا بدأت أنوار المقاومة تسطع فى كافة الأقاليم الأفريقية التى تمارس فيها العنصرية، ففى جنوب أفريقيا نفسها وفى ظل الترتيبات التى سبقت عقد قمة التعاون العربى الأفريقى فى ١٩٧٧ بدأت المظاهرات الرافضة للعنصرية تجتاح جنوب أفريقيا على نحو غير مسبوق. وكما قال غير واحد من قادة النضال الوطنى الأفريقى فإن هزيمة النظام العنصرى راحت تلوح فى الأفق. ومن هنا بدأ المسار الصعب بين انتفاضة سويتو وخروج نيلسون مانديلا من سجنه (١٩٧٦-١٩٩٣).


وكان ارتفاع أسعار البترول سببًا فى متغيرات عاصفة على آخر دولتين أوربيتين استعماريتين فى أفريقيا وهما البرتغال وإسبانيا، واللتان تحكمت فيهما طغمات عنصرية لا تستطيع أن تتراجع عن خط مرسوم منذ مئات السنين للسيطرة على الأفارقة باعتبار أن ذلك تفضل منهما على شعوب متخلفة وأخذ بأيديها على مدارج الرقى والتقدم. وكان أن أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى تذمر شعبى لم يجد معه الجيش البرتغالى بدًا من التدخل لإسقاط الحكم الديكتاتورى الاستعمارى، وذلك فى عام ١٩٧٤ ليتخذ من بعد ذلك إجراءات سريعة للاعتراف باستقلال المستعمرات البرتغالية فى كل من أنجولا وموزمبيق وغينيا وبيساو. الأمر الذى عد متغيرًا كان من الصعب تخيله قبل ١٩٧٣.


وفى كتابه المبدع “٦ أكتوبر فى الإستراتيجية العالمية” (الصادر١٩٧٤) تستطيع أن تدرك أن ما ترتب على هذه الحرب المجيدة قد تجاوزت آثاره منطقة المواجهة فى قناة السويس وإقليم الشرق الأوسط والقارة الأفريقية إلى العالم كله، حيث كانت هذه واحدة من الضربات القاسية التى نالها السلاح الأمريكى المتقدم بوسائل بسيطة وفذة ابتدعها المقاتلون المصريون، فمن خرطوم للمياه يهيل الساتر الترابى ومن طريقة جديدة فى تصفية مدرعات العدو عن طريق تقديم قناصة الدبابات، إلى مواجهة غير متكافئة بين صواريخ بسيطة محمولة على كتف الجندى مع طائرات أمريكية الصنع استطاع المواطن المصرى الممقاتل البسيط ابن القرية والمدينة أن يوصل إلى العالم رسالة واضحة عبر عنها نيلسون مانديلا بعد ذلك تعبيرًا سخى المعنى كريم الفكرة عندما قال: “مراراً وتكراراً يثبت المصريون أن حجراً بأيدينا أقوى من القنبلة النووية فى أيدى خصومنا”.


لقد كانت ملحمة أكتوبر معركة المصريين والعرب والأفارقة جميعاً. وهؤلاء جميعاً لا يزالون إلى هذه الساعة يواجهون نفس المعركة مع قوى الاستغلال والعنصرية ولا يزالون إلى هذه الساعة يدفعون ثمناً فادحاً من مؤامرات جديدة ومتغيرات مستجدة وأساليب ملتوية وألاعيب تآمرية، ولكن المهم أن درس أكتوبر يؤكد أن الإنسان- الإنسان قادر على مجابهة أساليب الشيطان. عاشت وحدة الشعوب العربية والأفريقية، وأهلاً بالبرلمانيين الأفارقة فى وطنهم الثانى مصر وفى مدينتهم المحررة شرم شيخ.