قانون «جاستا» السهم يرتد إلى صدر أمريكا الضحايا فى اليابان و العراق وأفغانستان يستعدون لمحاكمة أمريكا

05/10/2016 - 11:28:33

تقرير: نهال الشريف

أمام محكمة العاصمة الأمريكية واشنطن رفعت ستيفانى روس سيمونيه دعوى ضد المملكة العربية السعودية بتهمة تقديم الدعم لتنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن الدعوى برقم ١٩٤٤-١٦-CV.


ستيفانى رفعت الدعوى باسمها وباسم ابنتها التى كانت حاملًا بها عندما فقدت زوجها ضابط البحرية الأمريكية باتريك دن بعد سقوط طائرة مختطفة فوق مقر وزارة الدفاع الأمريكية يوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١.


تعد هذه هى الدعوى القضائية الأولى التى تشهدها ساحة القضاء الأمريكى، وذلك بعد مرور ٤٨ ساعة فقط على تمرير القانون المعروف باسم جاستا JASTA وهى الأحرف الأولى من كلمات العدالة ضد رعاة الإرهاب.


فقد أقر الكونجرس الأمريكى قبل أيام قليلة القانون الذى أثار موجة من الغضب والقلق على الساحة العالمية، وذلك بعد أن ألغى الكونجرس الفيتو الرئاسى الصادر من باراك أوباما، حيث كان يحذر من مغبة إقرار جاستا وآثاره السلبية على السياسة الخارجية الأمريكية والعلاقات الأمريكية مع الحلفاء.


بعد مرور ١٥ عامًا على أحداث الحادى عشر من سبتمبر وبرغم أن لجنة التحقيق الرسمية لم تجد دليلًا على أن الحكومة السعودية كمؤسسة كان لها دور فى تلك الهجمات تم تمرير القانون فى مجلس الشيوخ بنسبة ٩٧ إلى ١ وفى مجلس النواب بنسبة ٣٤٨ إلى ٧٧ متخطيًا بذلك نسبة الثلثين اللازمة لإلغاء الفيتو الرئاسى. ويعد هذا هو الفيتو الأول - وغالبًا الأخير لأوباما الذى أوشك أن ينهى ولايته الثانية.


ويرى عدد من المحللين أن الكونجرس الذى تسرع فى إصدار قانون بهذه الخطورة والذى يصرح بعض كبار أعضائه الآن أنه ستجرى إعادة مناقشته وإدخال تعديلات عليه كان بتأثير وضغط اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية العامة، حيث يجرى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية.


فى الوقت الحالى وحتى صدور التعديلات يستعد جيش من محامى التعويضات لتحريك دعاوى بأسماء الضحايا وعائلاتهم أمام القضاء الأمريكى. هؤلاء يعملون بدون مقابل مالى ولكنهم يحصلون على ٪٣٠ من قيمة التعويضات التى تحددها المحكمة إحصائيًا بلغ عدد ضحايا هجمات الحادى عشر من سبتمبر ٢٩٩٦ حالة وفاة و٦ آلاف من الجرحى والمصابين.


أما منفذو الهجمات فكان إجمالى عددهم ١٩ كان من بينهم ١٥ سعودياً و٢ من الإمارات ولبنانى واحد ومصرى واحد.


الرئيس الأمريكى أوباما يشعر بالحرج والغضب فى نفس الوقت بعد صدور القانون، حيث وصفه «بالغلطة» المدفوعة برغبة النواب والشيوخ فى ألا يراهم الناخبون يصوتون ضد رغبة أهالى الضحايا قبل الانتخابات بوقت قصير.


وقد صدر قانون جاستا برغم تحذيرات شخصيات أمريكية هامة مثل جون كيرى وزير الخارجية وجون برينان الرئيس السابق ل»لسى آى ايه» ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد من أن القانون يهدد التعاون الأمنى بين الولايات المتحدة وحلفائها، وأن صدوره يمكن أن يشجع دولًا أخرى لإصدار قوانين مماثلة، مما يمكن أن يعرض أفراد القوات الأمريكية المنتشرة فى أماكن كثيرة فى العالم أو الموظفين أو المبعوثين الدبلوماسيين للملاحقة القضائية.


وطرح أوباما أمثلة افتراضية قائلًا: إذا تعرضت الولايات المتحدة لهجوم إرهابى على يد شخص بريطانى الجنسية ثم لجأ مواطنون أمريكيون لمقاضاة بريطانيا وهى أقرب حليف لأمريكا، وسيفتح هذا الباب أمام المحامين للمطالبة بالاطلاع على كل أنواع الوثائق الهامة من بريطانيا. ولفت إلى أن قدرة الولايات المتحدة على تأمين الحصانة لموظفيها قائم بالأساس على منح حقوق مماثلة للحكومات الأجنبية.


ويكمن جزء مهم من خطورة هذا القانون أنه يتصادم مع مبدأ الحصانة السيادية للدول. والذى بموجبه تحظى الدول بحصانة قضائية ضد الدعاوى التى يتم رفعها أمام محاكم دول أخرى.


المخاوف غير مقصورة على طبيعة العلاقات الأمريكية وسياساتها الخارجية تجاه أصدقائها وحلفائها. فالبرلمان الهولندى اعتبر أن قانون «جاستا» انتهاك ضخم وغير مبرر للسيادة الهولندية، حيث ستقوم دول كثيرة كل على طريقته بالرد على جاستا وستجبر الولايات المتحدة على الوقوف أمام محاكمها بتهمة دعم الإرهاب فى أفغانستان وسوريا والعراق وغيرها من ميادين القتال التى شارك فيها أمريكيون وأوربيون.


كما أن فرنسا ترفض القانون الأمريكى وتعتبره انتهاكًا للقانون الدولى وذكرت مصادر قضائية فرنسية أن «جاستا» سيؤدى إلى فوضى قضائية على المستوى الدولى.


وقد بدأت المعلومات فى التواتر بشأن استعداد البرلمان اليابانى لإصدار تشريع يتيح لضحايا هيروشيما ونجازاكى وعائلاتهم مقاضاة الولايات المتحدة التى ألقت القنابل النووية على المدينتين اليابانيتين فى نهايات الحرب العالمية الثانية وخلفت أعدادًا من الضحايا المدنيين تفوق كثيرًا ضحايا سبتمبر ٢٠٠١.


داخل الدوائر الأمريكية يوجد من يشعرون بالقلق إزاء «جاستا». من هؤلاء السناتور بوب كروكر رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الذى قال قبل التصويت إن مخاطر هذا القانون هو أن ينتهى بك المطاف إلى تصدير سياستك الخارجية إلى المحامين. كما أن بعضاً من دعموا القانون يعترفون بأن القانون يشمل تفريعات لم تجر دراستها جيدًا. ويلقى البعض باللائمة على الرئيس الأمريكى متهمين إياه بأنه لم يوضح بشكل كاف طبيعة المخاطر المحيطة بصدور القانون.


وإذا كانت هناك عودة إلى مراجعة «جاستا» أو تعديله فالتوقعات تشير إلى ما بعد ٨ نوفمبر موعد الانتخابات الأمريكية فى الفترة المعروف سياسيًا باسم «البطة العرجاء». ومن المتوقع أن يجرى تضييق القانون، بحيث يقتصر على ضحايا ١١ سبتمبر فقط.


على الجانب الآخر يرى مؤيدو القرار أن مبدأ الحصانة السيادية ليست مسألة مطلقة، لأن المحاسبة القضائية معمول بها فى ظل بعض الظروف ضد بعض الدول التى يتم تصنيفها كدول راعية للإرهاب من قبل الحكومة الأمريكية. وحتى الآن لا يحمل هذه الصفة إلا ثلاث دول فقط هى إيران وسوريا والسودان.


٧٠ عامًا من التحالف


لم تنجح الجهود المكثفة التى مارستها الدبلوماسية السعودية بقيادة وزير الخارجية عادل الجبير وساعدت فيها شركات كبرى فى مجال العلاقات العامة واللوبى السعودى فى واشنطن فى إيقاف صدور القانون.


وعلى حد قول جريدة نيويورك تايمز فإن التحالف بين الرياض وواشنطن الذى صاغ النظام الإقليمى فى المنطقة قد تعرض لضرر يصعب إصلاحه ونقلت الجريدة عن خالد الدخيل الكاتب السعودى المتخصص فى علم الاجتماع السياسى قوله إن صدور القانون ينبه إلى أن الوقت قد حان لمراجعة التحالف مع الولايات المتحدة.


هذه العلاقات بدأت قبل ٧٠ عامًا عندما التقى الرئيس الأمريكى فرانكلين رزوفلت والملك عبدالعزيز مؤسس المملكة السعودية على متن اليخت كونيسى فى منطقة البحيرات المرة فى قناة السويس عام ١٩٤٥. ويذكر موقع بلومبرج الإخبارى أن الاتفاق بين الاثنين كان ينص على أن تشترى أمريكا البترول من السعودية مقابل توفير الاحتياجات الأمنية والعسكرية للسعودية.


وفى المقابل وافقت السعودية على تحويل مليارات الدولارات من عوائد البترول إلى سندات بالخزانة الأمريكية لتمويل الإنفاق الأمريكي. وظلت تفاصيل هذا الاتفاق فى طى الكتمان.


على مدار السنوات الطويلة أصبحت العلاقة وثيقة جدًا بين الولايات المتحدة والسعودية وبخلاف المسائل العسكرية والبترولية، يتوجه عشرات الآلاف من الدارسين السعوديين للولايات المتحدة، بالإضافة إلى الاستثمارات السعودية التى تقدر بمليارات الدولارات فى مجال التكنولوجيا العسكرية وتعاون أجهزة الاستخبارات فى مجال مكافحة الإرهاب ونتيجة لهذه العلاقة الوثيقة فإن الولايات المتحدة لديها تواجد عسكرى كبير فى الخليج ولديها قواعد عسكرية فى قطر والبحرين والإمارات، وتتعاون مع السعودية فى العملية العسكرية فى اليمن وتتشارك الدولتان فى المعلومات الاستخبارية فى الحرب ضد القاعدة والجهاديين وداعش.


وإذا أخذنا فى الاعتبار الحجم الضخم للاستثمارات السعودية فى الولايات المتحدة وأن السعودية أصبحت أهم الدائنين الأجانب بالنسبة لواشنطن يمكن الاستنتاج بأن السلاح المالى والاقتصادى السعودى سيلعب دورًا فى مسألة تعديل قانون جاستا.


فقد ذكر موقع بلومبرج أن السعودية لديها ١١٧ مليار دولار فى صورة سندات خزانة أمريكية. وسبق أن حذر وزير الخارجية السعودى فى مارس الماضى من أن السعودية ستقوم ببيع ما قيمته ٧٥٠ مليار دولار قيمة أصول وسندات سعودية فى أمريكا لحمايتها من التجميد حال صدور القانون.


وعلى مدار السنوات لم تخل العلاقة الوثيقة من الشد والجذب, وربما كان موقف السعودية وقت حرب أكتوبر ٧٣ وتزعم السعودية للخطر البترولى عن الغرب هو اللحظة التى حركت تيار سياسى أمريكى يميل للمناورات السياسية كبديل للعلاقات الاستراتيجية ومن حين لآخر يفتح السياسيون الأمريكيون ملفات حقوق الانسان والحريات فى السعودية كورقة ضغط عليها.


وهنا يتردد السؤال وهو هل تبيع السعودية بشكل سريع الأصول التى تملكها فى أمريكا سريعًا أم أنها ستنقلها إلى خارج الحدود الأمريكية، أم ستلتزم بموقف الحكمة والعمل الدبلوماسى الهادئ فى انتظار تعديل «جاستا»؟