رصاصة فى القدم الأمريكى

05/10/2016 - 11:26:42

بقلم - سفير د. محمد حجازى

أرسى إصدار الكونجرس الأمريكى يوم الأربعاء ٢٨ سبتمبر الماضى قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب والمعروف اختصاراً باسم “جاستا”.


Justice Against Sponsers of Terrorism Act- JASTA


وذلك بعد نقض فيتو الرئيس باراك أوباما ضد مشروع القانون، سابقة خطيرة تتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولى، حيث يقوض مبدأ الحصانة السيادية للدول


State Soverigh Immunitg، والذى يقضى بأن الدول محصنة أمام المحاكم الوطنية


وجاء إصدار التشريع قبل شهر تقريبا من الانتخابات الرئاسية فى ٨ نوفمبر القادم وانتخابات الكونجرس الأمريكى ذاته والذى سيتم الاقتراع فى نفس التوقيت تقريبا على ٤٣٥ مقعداً فى ٥٠ ولاية أمريكية، وهو توقيت أدهش المراقبين لتزامنه مع المزايدات الانتخابية، مما أخضع قانوناً بهذا القدر من الخطورة لمواءمات انتخابية، حيث تم تغليب شعبوية التشريع على العقلانية المطلوبة فى شئون متصلة بالقانون الدولى، والتداعيات المتوقعة على المدى البعيد، والتى تمس وكما أوضح الرئيس الأمريكى أوباما ووزير دفاعه ورئيس مخابراته، الأمن القومى الأمريكى وتعرضه إلى أخطار.


فالحصانة السيادية للدول هو المبدأ الذى حكم العلاقات الدولية منذ مئات السنين، ومن شأن هذا القانون أن يخلق حالة من الفوضى السياسية والقانونية ستكون لها عواقب وخيمة وعلى الولايات المتحدة بالذات.


وجاءت ردود الفعل الدولية حاسمة فى رفضها هذا القانون ومخاطره، فقالت موسكو “إن القانون يضع الولايات المتحدة فى مواجهة مع العالم كله” بالمعنى الحرفى للكلمة، وقالت الخارجية الروسية إن إدراك البيت الأبيض لخطر أن تصبح الولايات المتحدة تحت طائلة قوانين مماثلة فى دول أخرى، هو الذى دفع الرئيس أوباما إلى استخدام الفيتو ضد القانون، وأعربت المتحدثة باسم الخارجية الروسية أن أوباما يدرك يقيناً معنى “المعاملة بالمثل” وفى تعليق لاذع أضافت أن “جنون العظمة” الذى يتجسد فى السعى لاستخدام القوانين الأمريكية ضد الدول، دون أخذ أى اعتبارات فى الحسبان، وضع المشرعين الأمريكيين فى موقف حرج، وسيتعين أن يتفهموا معنى “تذوق مرارة الكأس التى يريدونها لغيرهم.


بينما أكد الاتحاد الأوروبى أن قانون جاستا لايصب فى مصلحة الاتحاد الأوربى، ولا الولايات المتحدة ذاتها، وأنه متعارض مع قواعد القانون الدولى، وزادت فرنسا من ناحيتها أن القانون وكما تعتقد هى والاتحاد الأوربى تعتبر أنه مهدد للحملة الدولية ضد الإرهاب والتى تعمل فيها بلاده يداً بيد مع شركائها وتحديداً مع الولايات المتحدة، وتعتبر أن هذه المعركة يجب أن تخاض فى ظل احترام قواعد القانون الوطنى والدولى.


وتوالت ردود الأفعال الدولية وبلا استثناء لتحذر مما سيفضى إليه القانون من فوضى على المستوى الدولى وأنه سيكون له تبعات سياسية واقتصادية واستثمارية وأمنية، وسيطيح بقواعد السلوك المتعارف عليه بين الدول وسيفتح بابا لدول أخرى للحذو حذو الولايات المتحدة، والتى قد تكون من أكثر من سيتضرر من تبعاته، باعتبارها الدولة الأكثر تأثيراً وتدخلاً فى الشئون العالمية، وأن من الممكن النيل منها لتدخلها فى أفغانستان والعراق، وسوريا، ونيكارجوا وفيتنام وغيرها من أماكن النزاعات التى تورطت فيها الولايات المتحدة، حيث تستطيع أن تزعم تلك الدول نظريا أن التدخلات الأمريكية كانت عملاً إرهابيا قاد لخسائر مادية وبشرية باهظة تستحق التعويض والمساءلة، وسيفتح الباب أمام محاكمات لمسئوليها وأجهزتها وجنودها ورعاياها.


وفى رد فعل أولى بدأ العديد من قيادات الكونجرس ذاتها والتى قادت عملية التصويت لصالح القانون تتراجع وتنحى باللائمة على الرئيس أوباما بحجة أنه لم يتشاور معهم بالقدر الكافى لإيضاح مخاطر القانون. وبات الحديث عن تعديلات يتم إدخالها بحيث لايضع القانون الولايات المتحدة فى مواجهة مع العالم.


الرئيس أوباما حذر فى مقابلة مع شبكة CBs الأمريكية أننا إذا أفسحنا المجال أمام أفراد أمريكيين لمقاضاة حكومات دول بشكل مستمر، فإننا سنفتح المجال أمام مقاضاة الولايات المتحدة فى البلدان الأخرى، وفقا لمبدأ المعاملة بالمثل.


وفى لقاء مفتوح بجنود أمريكيين عقب وقف الفيتو الرئاسى وإصدار القانون، علق الرئيس بأن قرار الوقف كان مسيساً ومتجاهلاً للعواقب الخطيرة التى يخلفها إصدار القانون فالمسئولون الأمريكيون حول العالم قد يكونون مهددين بالمثل إذا ما تم انتهاك الحصانة السيادية للدول، وحذر من أن القانون غير موجه لدولة بعينها لكنه يفتح الباب أمام خصومات مع دول عدة من بينهم “حلفاء تاريخيون للولايات المتحدة”.


من جانبه حذر “جون برينان” رئيس جهاز المخابرات المركزية الأمريكية CIAمن أن القانون سيكون له تداعيات خطيرة على الأمن القومى الأمريكى وسيوقع الضرر على عاتق مسئولى الحكومة الأمريكية الذين يؤدون واجبهم فى الخارج نيابة عن بلدنا، فمبدأ الحصانة السيادية للدول يحمى المسئولين الأمريكيين كل يوم، وهو قائم على مبدأ المعاملة بالمثل.


قلل البعض من مخاطر القانون وأكدوا أنه قابل للتعديل، فيقول برفسور ستيفن فلادك أستاذ قانون الأمن القومى والقانون الدستورى الأمريكيين فى جامعة تكساس، إن “جاستا” قانون “رمزى” ومثير للجدل ولن يكون فعالاً، فالقانون لايتضمن ما يخول المحاكم الفيدرالية مصادرة أصول الدول المعنية، أى أن فرص المدعين للحصول على تعويضات هى صفر”.


بينما وصف رئيس المجلس الأوربى لدراسات الشرق الأوسط البرفسور جونتر مايير وهو رئيس مركز أبحاث العالم العربى فى جامعة ماينز الألمانية، أن القانون صدر دون دراسة مستفيضة من جانب الكونجرس وهو أمر مثير للاهتمام وممكن تفسيره على أساس الحملة الانتخابية بين كلينتون وترامب، ودون التفكير ملياً فى عواقبه قبل إطلاقه، وأن الكلمة الأخيرة لم تطلق بعد فى هذا الموضوع سواء فى الولايات المتحدة ذاتها أو فى أوروبا أو فى الشرق الأوسط.


ورغم تراجع عدد من نواب الكونجرس وإشارة بعضهم أنهم لم يقرأوا القانون بشكل كاف، فإن مراجعة لبنوده الستة نجد فى المادة الخامسة ذاتها أن من حق المدعى الأمريكى التدخل لوقف الدعوة المدنية كليا أو جزئيا - والمقامة ضد دولة - لمدة (١٨٠) يوما قابلة للمد لمدة أخرى مشابهة، إذا ما شهد وزير الخارجية بأن الولايات المتحدة تتشاور مع الدول المعنية للتوصل لحلول لهذه الدعوى.


وعموما فإن باب تعديل هذا القانون لايزال مفتوحاً فى ظل ضغوط دولية بما يقلل من مخاطره والآثار المترتبة عليه.


وعموماً سجل الولايات المتحدة فى التعامل مع التشريعات والقوانين الدولية، ليس الأفضل على الإطلاق وتحكمه اعتبارات تدرك مخاطر تدخلاتها الدولية، وتسعى لتحصين مسئوليها وجنودها، حتى لو اقتضى هذا التحصين لىّ ذراع المجتمع الدولى وفرض إرادتها على الدول، ومن الأمثلة الأهم والتى تعكس إدراكا أمريكيا واضحاً بأنها ارتكبت ما يمكن محاسبتها على أساسه من أخطاء وتصرفات وجرائم، هو علاقتها بالمحكمة الجنائية الدولية (ICC) والضغوط التى مارستها على الدول للتوقيع على اتفاقيات للحصانة الثنائية لجنودها ومسئوليها Bilateral Impusity Agreewent (BIA)بحيث تحول تلك الاتفاقيات الثنائية عن محاكمة مواطنيها أمام المحكمة الجنائية الدولية (ICC) . واستخدمت الولايات المتحدة تكتيكات عدة لإجبار الدول على التوقيع على تلك الاتفاقيات الثنائية وهددتها بوقف المساعدات التنموية والمساعدات العسكرية، كما قدمت مساهمات مالية لبعض الدول عند التوقيع، وبالفعل وقعت نحو ٨٠ دولة حتى الآن على هذه الاتفاقيات الثنائية (BIA) ورفض التوقيع علانية ٤٥ دولة، ولم توقع ٢٣ دولة رغم قطع المساعدات العسكرية عنها، وهو أعلنته إدارة الرئيس كلينتون فى ١٥ يونيو ٢٠٠٤ .


وكانت الولايات المتحدة قد دفعت خلال الأعوام من ١٩٩٥ حتى ٢٠٠٠ لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية ولكنها اشترطت بعد ذلك أن تبحث المحكمة ما يعرض عليها من مجلس الأمن - حيث تتحكم بحق الفيتو - وألا تحاكم المحكمة مواطنيها، وتصدت دول أوربية وأخرى لهذه المطالب وسحبت الولايات المتحدة توقيعها عام ٢٠٠٢ فى كل الأحوال.


والمقصود من هذا السياق والاستشهاد بمثل المحكمة الجنائية الدولية أن الولايات المتحدة ذاتها مدركة أنها ارتكبت العديد من الأخطاء والممارسات بحكم تورطها فى مناطق العالم المختلفة ودعمها الديكتاتوريات، وتدريبها لأجهزة وتسليحها لمليشيات ارتكبت جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان، ناهيك عن الآثار الناجمة عن الحروب خاصة بالعراق وسوريا وأفغانستان ولم يكن هناك مبررات تستوجب ما ارتكب وهى أمور يمكن الاستناد إليها كأعمال مجرمة وفقا للقانون الدولى يمكن على أساسها مقاضاه الولايات المتحدة ومسئوليها وأجهزتها وجنودها أمام محاكم وطنية أو أجهزة قضائية وعدلية دولية .


إن نظرة الولايات المتحدة لنفسها كقوى أحادية يجب أن تكون فوق كل قواعد القانون الدولى ما لم تكن هذه القواعد متسقة ومحددة من جهتها، فهى ستسعى لدعم العدالة الدولية ولكن “على الآخرين” وليس على مواطنيها حماية لـ ٢٠٠ ألف جندى منتشرين فى ٤٠ دولة.


ومع ما يفتحه القانون الجديد من أبواب تعصف بمبدأ الحصانة السيادية، ومقاضاة الدول وفقا للتشريعات الوطنية، فإن الخطر الداهم هو على الولايات المتحدة أكثر من غيرها وكأنها تطلق بالقانون جاستا الرصاص على أقدامها.


ورغم ما قاله الرئيس أوباما إن القانون لا يستهدف دولة بعينها، ورغم إشارته إلى أن القانون جاستا يضر بمصالح الولايات المتحدة ويفتح الباب أمام خصومات مع “حلفاء تاريخيين للولايات المتحدة”، فإن البعض مدرك أن المستهدف بقانون جاستا هو النيل من دول بالشرق الأوسط على رأسها المملكة العربية السعودية، والتى جاء ردها حاسماً فى إدانته للقانون ومخاطره على القواعد المستقرة للقانون الدولى وإضعافه للحصانة السيادية للدول، وجاء الموقف منضبطاً فى التعامل مع الموضوع، ولم تخل التلميحات والتحليلات بما يمكن للمملكة السعودية القيام به، وما تملكه من أدوات ضغط فى المقابل ما لم تراجع الإدارة والكونجرس موقفها، لا سيما وأن السعودية تقف ضد الإرهاب، وتقود تحالفا إسلاميا ضده، وتعرضت لعمليات إرهابية كبرى ولا تزال، كما أن لجنة أمريكية برأت السعودية من أى صلة بأحداث ١١ سبتمبر وعموماً الموقف السعودى وقور ومتزن اتسم بالحكمة والعقلانية، تحدث الأمير محمد بن نايف ولى العهد وذكر أن المملكة مستهدفة والاستهداف واضح لا يختلف عليه اثنان، ولا نستطيع أن نقول لهم لا تستهدفونا، لكن المهم أن نحصن أنفسنا قدر الإمكان”، هذا التوجه البعيد عن التصعيد والتشنج هو ما ميز الموقف السعودى الذى يملك من أوراق الضغط ما يمكنه عند الحاجة لمواجهة تداعيات هذا القانون لو استخدم كأداة لابتزاز المملكة أو الدخول بها فى سجالات قانونية أو محاولة التأثير على دورها الإقليمى المتنامى، والسعودية عموماً غير متهمة بشيء ويمكنها الدفاع بوعى وثقة عن نفسها، ولكنها فى دفاعها لن تكون وحدها سيقف منعها حشد من الأشقاء سواء فى محيطها العربى أو الإسلامى الجامع أو على مستوى دول مجلس التعاون الخليجى،و بحيث تدرك الولايات المتحدة أن هناك ثمناً سياسياً ودبلوماسياً سيتم دفعه ليثقل كاهل علاقات مستقرة عبر السنين، ومن السهل تصور تأثيرات اقتصادية كبرى مرتبطة بأرصدة واستثمارات المملكة والتى تقدر وحدها بنحو ٧٥٠ مليار دولار، علاوة على ما تحتفظ به من سندات الخزانة وتقدر بنحو ٧٥ مليار دولار وما تملكه من الديون الأمريكية، الذى يؤدى بيعه فى الأسواق لآثار جانبية خطيرة على الاقتصاد الأمريكى، ناهيك عن باقى دول الخليج، والتى تتوحد إراداتها عند استشعار الخطر، أو الاستهداف كما ذكر سمو ولى العهد محمد بن نايف، ولعل الموقف الجماعى من المواجهة السعودية مع السويد منذ فترة، والموقف الخليجى من قطر فى مرحلة ما يوضح أن هناك دوما إرادة خليجية جماعية يمكن أن يضاف لها الرصيد العربى والإسلامى والدولى، ليؤثر سلباً على التعاون الاقتصادى والاستثمارى مع الولايات المتحدة وعلى سهولة وصولها لمرافقها وقواعدها العسكرية بالمنطقة، وعلى التعاون الاستخباراتى فى مجال مكافحة الإرهاب، وكلها مصالح استراتيجية كبرى مرتبطة بالأمن القومى الأمريكى، ولا أظن أنها غائبة الآن عن ذهن من شرع هذا القانون ومن سيفكر مراراً فى طريقة تطبيقه وما هو المطلوب لتجنب التصعيد والعودة لحظيرة القانون الدولى الذى أسهم فى علاقات دولية سيادية مستقرة، لا مجال فيها لتحدى الإرادات، وفرض القوانين المحلية على دول ذات سيادة، يمكنها بنفس القدر إيذاء الولايات المتحدة، التى تظل حتى الآن تملك فرصة تعديل هذا القانون المعيب دولياً والذى سيضر بمصالح مستقرة للولايات المتحدة مع شركاء استراتيجيين، وعلى الإدارة الجديدة والكونجرس مراجعة مواقفهم وقوانينهم، وعلينا أن نتدارس الموقف على الساحة العربية والإسلامية لبحث خياراتنا، دون تصعيد أو مبالغة، ولكن بحكمة ووعى وثقة..