تعاون دولى لعقاب كل الإرهابيين بديل عادل لقانون «جاستا» الأمريكى!

05/10/2016 - 10:41:35

بقلم - عبدالقادر شهيب

رغم رفض الكونجرس الأمريكي بأغلبية ساحقة نقض الرئيس الأمريكي أوباما لقانون” جاستا» (العدالة لرعاة الإرهاب)، الذي أطلقت عليه وسائل إعلامية قانون محاسبة السعودية وإلزامها دفع تعويضات مالية ضخمة لأسر ضحايا حادث الحادي عشر من سبتمبر، إلا أننا لسنا بصدد إجراءات دراماتيكية سعودية أو خليجية، أو حتي عربية تجاه الولايات المتحدة ردا علي هذا القانون الذي وصفه الأوربيون الغربيون والروس بأنه يتعدى على السيادة الوطنية للدول وهو أحد المبادئ المستقرة فى القانون الدولي والعلاقات الدولية منذ مئات السنين.. وبالتالي لسنا بصدد زلزال سوف يصيب قريباً العلاقات سواء السعودية أو العربية الأمريكية.. أي لن نشاهد في الأغلب سحب السعودية ومعها دول خليجية استثماراتها المباشرة داخل الولايات المتحدة خاصة في مجال العقارات، واستثماراتها في سندات الخزانة الأمريكية التي تبلغ قرابة المائة مليار دولار، أو سحب الأموال السعودية من البنوك والمصارف الأمريكية والتي يقدرها البعض بما يتراوح ما بين ٥٠٠ مليار وتريليون دولار.. كما لن نشاهد أيضا انسحابا سعوديا أو خليجيا من التحالف الأمريكي الذي تقوده داعش.. وإنما ذلك لا يعني استبعاد توقف المستثمرين السعوديين والخليجيين من استثمار مزيد من الأموال داخل الولايات المتحدة، أو استبعاد فتور التعاون في مجال الإرهاب بين السعودية ودول الخليج مع الأمريكان.


وأيضاً رغم الرفض الساحق لنقض الرئيس الأمريكي أوباما لقانون جاستا والذي شارك فيه حتي نواب حزبه الديمقراطي في الكونجرس، فإن ثمة احتمالا لإعادة النظر من قبل الكونجرس مستقبلا بتشكيله الجديد بعد الانتخابات في هذا التشريع الذي يتيح للأفراد مقاضاة الحكومات والدول الأجنبية للحصول علي تعويضات مالية لوقوع ضحايا في العمليات الإرهابية، خاصة في ظل تزايد المعارضة الدولية له، والتي لم تأت من خصوم أمريكان فقط وإنما من حلفائها أيضاً مثل الدول الأوربية الغربية وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا، وأيضا في ظل تبين أن هذا القانون هو سلاح ذو حدين، فكما قد يستخدمه أمريكيون ضد دول أخري لابتزازها ماليا، فإنه يمكن أن يستخدمه غير أمريكيين ضد الولايات المتحدة نفسها التي رعت الإرهاب في أماكن عديدة من العالم.. في أفغانستان حينما دعمت وساندت بن لادن ورعت تأسيس تنظيم القاعدة وأمدت جماعات عديدة بالسلاح، مازالت تهدد استقرار هذا البلد.. وفي العراق حينما قامت بغزوه استنادا إلي أكاذيب اعترف بها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بلير، وأقر بها الأمريكان، حول امتلاك العراق تحت حكم صدام حسين أسلحة دمار شامل.


وربما هذا الاحتمال (أي إعادة النظر في هذا القانون) من قبل الكونجرس بتشكيله الجديد، هو سبب رد الفعل الدبلوماسي غير الحاد من قبل السعودية تحديدا تجاه رفض الكونجرس الحالي نقض الرئيس الأمريكي أوباما لقانون جاستا، وهو ما كانت واشنطن تطمئن به القيادة السعودية إزاء إصرار الكونجرس علي إقراره.. وهذا ما عبرت عنه الخارجية السعودية في بيانها الذي أصدرته بعد رفض فيتو الرئيس الأمريكى على القانون بأغلبية ساحقة من قبل الكونجرس، حيث لم يوافق على هذا الفيتو سوي عضو واحد من بين الأعضاء الذين صوتوا ضد الفيتو.. هذا البيان يقول: (قانون جاستا يعد مصدر قلق كبير للدول التي تعترض علي الإخلال بالمبدأ الذي يحكم العلاقات الدولية منذ مئات السنين لأن من شأنه إضعاف الحصانة السيادية والتأثير سلبيا علي جميع الدول.. والأمل أن تسود الحكمة وأن يتخذ الكونجرس الخطوات اللأزمة من أجل تجنب العواقب الوخيمة والخطيرة التي قد تترتب علي هذا القانون).


لكن ليس هو السبب الوحيد فقط لرد الفعل الهادئ للمملكة السعودية، والذي خلا من إجراءات توقعها عدد من المراقبين وتحدثوا بها من قبل، مثل بدء سحب الأموال السعودية في أمريكا، علي الأقل المستثمرة في سندات الخزانة الأمريكية، أو مثل بيع جماعي للممتلكات العقارية لسعوديين في أمريكا، الأمر الذي يهدد بانهيار حاد في سوق العقارات بها، وبالتالي يهدد الاقتصاد الأمريكي بشدة، هناك أسباب أخري يمكن التماسها في تلك الأصوات التي ارتفعت مؤخراً داخل المملكة العربية السعودية تتحدث عن ضرورة التزام الحكمة والعقل وعدم التهور في رد الفعل السعودي والخليجي بل والعربي أيضا.. مع أن يؤخذ في الاعتبار الحرص علي العلاقات الأمريكية السعودية بإجراءات تتسم بالانفعال.. ويمكن تلمس هذه الأسباب أيضا في تصريحات لوزير الخارجية السعودية قال فيها إن الرياض لم تهدد بسحب مليارات الدولارات من أمريكا وحجبها عن الاقتصاد الأمريكي، ويصحح بأن الرياض حذرت فقط من تراجع ثقة المستثمرين في الولايات المتحدة بعد إقرار قانون جاستا.


إذن الحرص علي العلاقات السعودية والولايات المتحدة أسهم في كبح جماح رد الفعل الانفعالي سواء من جانب السعودية ومعها دول الخليج أو من الدول العربية.. فجاء رد فعلها هادئاً ولكنه محذر من أخطار هذا القانون وعواقبه الوخيمة وما سيترتب عليه من أخطار.. ولذلك لم تدع السعودية مثلا لعقد اجتماع قمة طارئ لمجلس التعاون الخليجي، أو حتي علي مستوي وزراء الخارجية لاتخاذ موقف موحد تجاه إقرار الكونجرس لهذا القانون، ولم يدع طرف عربي واحد أيضاً لقمة عربية أو لاجتماع لمجلس وزراء الخارجية العرب ليحث العرب على صياغة موقف عربى موحد.


وبجانب ذلك كان هناك أيضاً سبب آخر لرد الفعل الخالي من الانفعال من قبل السعودية تجاه هذا القانون الذي وصفته الخارجية السعودية بأنه خطير وسيكون له عواقب وخيمة.. ويتمثل هذا السبب في أن تطبيق هذا القانون علينا مرهون بتوفر شروط إثبات أولاً أن دولة ما، سواء كانت السعودية أو غيرها، متورطة بدعم الإرهاب فعلاً ومتورطة في أحداث ١١ سبتمبر، وهذا أمر ليس سهلاً، في ظل أن العديد من المؤسسات الأمريكية الأمنية برأت السعودية من التورط في هذه الأحداث، بل ولم تتهم دولة بعينها حتي الدول التي اشترك من يحملون جنسيتها في تدمير برجي نيويورك، كما أن تنفيذ هذا القانون مرهون ثانيا أيضا بشرط عدم الإخلال بالأنظمة الدولية، وثالثا بأن أي قرار يتخذ لإلزام دولة وجهة أو أشخاص في دولة بدفع تعويضات يحتاج الرجوع للسلطة التنفيذية في واشنطن أي للإدارة الأمريكية، وقد سبق للإدارة الأمريكية في ظل حكم الجمهوريين أن اعترضت علي هذا القانون ورفضته مثلما رفضته الإدارة الأمريكية في ظل حكم الديمقراطيين حاليا.. وبالطبع يمكن تفهم تجاهل كلا المرشحين لانتخابات الرئاسة الأمريكية - هيلاري وترامب - اتخاذ موقف تجاه هذا القانون لأنهما يخوضان الانتخابات ويسعيان لجمع أكبر عدد من الأصوات المؤيدة، ولعل هذا هو الذى دفع أعضاء الكونجرس لتأييد إصدار هذا القانون ورفض فيتو أوباما عليه، لأنهم يسعون لحشد أصوات الناخبين فى الانتخابات البرلمانية أيضا وهكذا نجحت أخيرا محاولة إقرار هذا القانون بعد أن أخفقت ثلاث مرات من قبل .. فى أعوام ٢٠٠٣، ٢٠٠٥، ٢٠٠٧ ، ومن هنا يأتى التوقع الذى يراهن على البعض وراهنت على السعودية .. كما عبر عنه بيان وزارة خارجيتها - فى أن يعيد الكونجرس بتشكيله الجديد النظر فى هذا القانون، بعد أن يرفع سيف الانتخابات المسلط على رقاب أعضاء الكونجرس .. ويشير هؤلاء إلى الخطاب الذى شارك فى توجيهه نحو ثلاثين من أعضاء الكونجرس يعبرون فيه عن مخاوفهم من تداعيات هذا القانون، وهى التداعيات التى رصدها مساعد وزير الدفاع السابق تشاس فريمان فى تراجع التمثيل الدبلوماسى بين أمريكا ودول خليجية، وتقلص التعاون الأمريكى الخليجى فى مجال مكافحة الإرهاب وسحب مليارات الدولارات المملوكة لخليجيين أو لحكوماتهم والمستثمرة فى الولايات المتحدة . بل إن التداعيات لهذا القانون فى تقدير أمريكيين تتجاوز اضطراب العلاقات الأمريكية السعودية بصفة خاصة والخليجيين بشكل أوسع لتشمل ماهو أخطر ويتمثل فى أن ذلك القانون يتيح مقاضاة أمريكا وابتزازها مالياً، أى أن يرتد إلى صدور الأمريكيين بدلا من أن يستخدموه فى ابتزاز غيرهم مالياً.


غير أن هناك من يقللون من هذا التوقع فى ظل تخطيط أمريكى قديم سبق أن أعده المحافظون الجدد فى أمريكا ويستهدف السعودية مع الدول العربية بالتفكيك والتقسيم لإعادة تشكيل المنطقة العربية، وهو مخطط استكملت واشنطن تنفيذه فى ظل حكم الديمقراطيين، وهو يتضمن تقسيم السعودية تحديدا إلى خمس دول صغيرة مهيضة الجناح، وهذا لم يعد سراً وقد تبارت صحف ووسائل إعلام أمريكية فى الكشف عنه .. ولذلك فإن ابتزاز السعودية ماليا وإلزامها بدفع تعويضات يقدرها البعض فى حدها الأدنى بمئات المليارات من الدولارات وفى حدها الأقصى بأكثر من تريليونين من الدولارات يساعد على إضعافها ويسهل بالطبع تقويض كيان دولتها الوطنية.. ولذلك لايتوقع هؤلاء أن يراجع الكونجرس مثل هذا القانون مستقبلا إلا إذا واجه معارضة قوية، كما يقول مراقبون، ليس من السعودية أو الدول الخليجية أو العربية كلها، وإنما من الحلفاء الأكبر من الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، وأيضا بريطانيا فضلا عن بقية الدول الكبيرة فى العالم مثل روسيا والصين واليابان.. وفى هذا الإطار يمكن فهم النقد الذاتى الذى وجهه بعض الكتاب والمحللين السعوديين للذات العربية التى لم تحرص على تكوين لوبى عربى داخل الولايات المتحدة يمنع صدور هذا القانون ويحافظ على المصالح العربية.


على كل حال فإن قانون العدالة لرعاة الإرهاب «جاستا “قد صدر وصار محصنا بعد رفض فيتو الرئيس الأمريكى عليه، وأضحى نافذاً ويمكن العمل به الآن حتى يحين إجراء أى تعديل عليه ، والذى ليس متاحاً قبل عدة أشهر على الأقل.. وحتى عائلات ضحايا أحداث ١١ سبتمبر يمكن أن تقيم دعوى قضائية ضد أى - شخص سعودى سواء كان مواطنا عادياً أو مسئولاً، أو ضد الحكومة السعودية للمطالبة بتعويض مالى ، قد يكون مساوياً للتعويض الذى دفع لضحايا لوكيربى أو ضعفه .. وقد بثت أخبار عن أول دعوى قضائية ستقدم قريبا من هذا النوع .


وفى المقابل من يريد من أسر ضحايا وقعوا فى أفغانستان أو العراق أو سوريا أو ليبيا أو أى مكان فى العالم صار متاحا التعامل بالمثل وإقامة دعاوى قضائية ضد شخص أمريكى أو ضد الحكومة الأمريكية للحصول على تعويضات مالية .


وهكذا سنجد أنفسنا فى حالة فوضى دولية، وخروج على أحد المبادئ الدولية المتعارف عليها منذ مئات السنين فى التعامل بين الدول، وهو المبدأ الذى يراعى سيادة وحصانة الدول، حتى إن كان البعض يرى أن هذا المبدأ تم تجاوزه من قبل بالنسبة لحقوق الإنسان، وهو الذى أعطى الحق فى مساءلة حكام وحكومات ومسئولين من قبل منظمات دولية فى مقدمتها محكمة العدل الدولية، ولعلنا لا ننسى ما حدث ومازال للسودان الذى لم يتم الغاؤه بعد بإلقاء القبض على الرئيس السودانى البشير .. ولكن حتى مع الإقرار بذلك فإن الخرق والتجاوز لسيادة الدول سيكون أكبر وأوسع، والأخطر سيطال الأموال والاقتصاديات من خلال ما يتيحه هذا القانون الأمريكى من إمكانية استخدامه فى الابتزاز المالى ، والأخطر سوف يكون مبررا لتدخلات سياسية أكثر من قبل الدول الكبرى فى شئون بقية الدول الأخرى .. هذا هو الخطر الذى يتضمنه هذا القانون الأمريكى . إنه ليس مجرد وسيلة للابتزاز المالى وجمع التعويضات من السعودية ودول أخرى، ولكنه يشرعن التدخل الأمريكى فى شئون الدول الأخرى ، والذى لايقتصر على ممارسة الضغوط عليها لإجبارها على اتخاذ قرارات أو الامتناع عن اتخاذ قرارات أخرى، وإنما وصل مداه إلى درجة الإطاحة بنظم حكم وفرض حكام على عدد من الدول، مثلما حدث لدينا عندما سعى الأمريكان إلى فرض حكم الإخوان علينا، ومازالوا يسعون الآن لحماية الإخوان وإعادة إدماجهم فى العملية السياسية.


ولذلك .. قد يكون مفيدا هنا أن يبادر العرب ليس فقط بمجرد رفض قانون «جاستا “أو التنديد به والتحذير من أخطاره وإنما يطرحون على الإدارة الأمريكية الجديدة سواء كانت سترأسها هيلارى أو ترامب اقتراحا بالتعاون الدولى الحقيقى فى مواجهة الإرهاب يصاغ فى شكل قانون دولى يتجاوز ذلك القانون الأمريكى .. تعاون شامل فى مواجهة الإرهاب فكراً وتمويلاً وتنظيماً وأعمال عنف .. أى مواجهة تشمل كل من يرعون الإرهاب سواء من خلال توفير التمويل اللازم للإرهابيين أو الذى تحتاجه الجماعات الإرهابية، ومن يرعون الإرهاب من خلال توفير الملاذ الآمن للإرهابيين وتقديم المساعدات اللوجستية للتنظيمات الإرهابية.. وأيضا من يرعون الإرهاب من خلال تقديم السلاح والمعدات والمتفجرات لهم .. وكذلك من يسكتون على وجود الإرهابيين ونشاط الجماعات الإرهابية أو يتحالفون معها .


هذا أمر لم يكف الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ تولى مسئولية رئاسة الجمهورية فى مصر عن المطالبة به ، وكان آخر مرة طالب بذلك أمام منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام مضت .. وهو أمر أيضا يمكن إقناع الأمريكيين به، والتقدم به ليس للإدارة الأمريكية الجديدة، وإنما الكونجرس الجديد أيضا.. فهو كلام منطقى وصار ضروريا فى ظل اتساع نشاط الجماعات الإرهابية حتى طال الولايات المتحدة الأمريكية نفسها التى كانت تعتبر نفسها فى مأمن من الإرهاب، بل ولا تتحمل أية خسائر نتيجة لعملياته على عكس أوربا التى سبق أن ضربها الإرهاب وتحملت خسائر جمة بسببه بالهجرة إليها.


نحن أيضا نريد العدالة لرعاة الإرهاب.. كلهم.. أو من تورطوا فى عمليات إرهابية بالعالم وليس فى ١١ سبتمبر فقط.