روح أكتوبر العربية.. هل تستعيدها السعودية ضد التغول الأمريكى فى عصر جديد؟

05/10/2016 - 10:34:34

بقلم - السفير: د.عزمى خليفة

تحتفل مصر والأمة العربية هذا الأسبوع بالعيد – وليس الذكري، فالذكرى للأموات وليس للأحياء- الثالث والأربعين لنصر أكتوبر المجيد، الذى جسد إرادة الأمة العربية فى أقوى صورها فى ٦ أكتوبر ١٩٧٣، بعد أن أحيا مؤتمر القمة العربى بالخرطوم فى نوفمبر١٩٦٧ هذه الإرادة، فكان تجسيد هذه الإرادة العربية فى ١٩٧٣ خير دليل على أهمية التعاون العربى العربى لتحقيق المعجزات التى تبلورت فى تصنيف القوة العسكرية العربية دوليا فى الترتيب السادس فى أعقاب هذا النصر.


واليوم تحتفل مصر والأمة العربية بهذا النصر فى ظروف متقاربة إلى حد ما مع الظروف التى سبقت ولحقت فيما بعد بهذا النصر، فقبل المعركة بسنوات ست لا أكثر وحينما تم توجيه الدعوة للقمة العربية فى الخرطوم فى نوفمبر ١٩٦٧، كانت الأمة العربية منقسمة على نفسها بين دول الثروة فى المملكة العربية السعودية والخليج عامة من ناحية، ودول الثورة فى مصر وسوريا واليمن والجزائر من ناحية أخرى، وهو الانقسام الذى دفع بعض الباحثين الغربيين مثل والتر لاكير وغيره إلى إطلاق وصف الحرب الباردة العربية على هذه الأوضاع العربية، فى ذلك الحين مستبعدين أى إمكانية لاسترداد الأراضى العربية المفقودة فى ظل هذه الأجواء التى لم تكن تبشر بأى خير على الإطلاق.


إلا أنه بانعقاد مؤتمر الخرطوم للقمة العربية تلاحظ ظهور روح عربية جديدة تدب فى الأوصال العربية تختلف تماما عما كان قبلها، فتلاحظ أن الدول العربية قد نجحت فى استعادة الإرادة العربية من خلال نجاحها فى تغيير توجهات سياستها الخارجية لتشارك فى معركة تحرير الأرض العربية على قدم المساواة، وكل حسب طاقته، فإذا بالمملكة العربية السعودية بقيادة الراحل جلالة الملك فيصل يسمو فوق أى اعتبارات شخصية وفوق أى مشكلات مصرية سعودية فى اليمن فى ذلك الحين، وينضم للتيار العربى ويقبل تسوية عبد الناصر للأزمة اليمنية ليحتفظ اليمن بالنظام الجمهورى وبعلاقات حسن الجوار مع الجار السعودى فى نفس الوقت، مما جعل تواجد الجيش المصرى فى اليمن غير مبرر على الإطلاق فقام الرئيس عبد الناصر بسحبه، وكان قوام هذا الجيش هو الجيش الذى دخل معركة ١٩٧٣ فيما بعد، وإذا بالرئيس الجزائرى الراحل هوارى بومدين يؤكد بأعلى صوت من الجزائر قومية المعركة، قبل أن يتوجه إلى موسكو لتمويل احتياجات مصر من السلاح فور اندلاع الحرب فى ١٩٧٣، وإذا بدول الدعم العربى تتشكل كمجموعة واحدة مع دول الصمود والتصدى على خط المواجهة، لتقدم دول الدعم العربى التزامات واضحة مادية لإعادة بناء اقتصاديات وجيوش دول المواجهة فى إطار التزام عربي، وإذا بالسودان تفتح أراضيها أمام الكليات العسكرية المصرية لتكون فى مأمن من الطيران الإسرائيلي، لتصبح الأمة العربية فى ذلك الحين أمة واحدة تملك جيشا عربيا واحدا ورؤية عربية واحدة، وقامت مصر بدورها لتأكيد عروبة المعركة من خلال شن حرب الاستنزاف التى أفقدت إسرائيل صوابها فكان الحل الذى اهتدت إليه ضرب المدنيين فى مدن القناة دون تمييز بين شيخ مسن وطفل فى مدرسته، ورغم أن حرب الاستنزاف كانت تتكلف مليون جنيه يوميا أى مليونى ونصف المليون دولار يوميا، إلا أن مصر أكدت أهمية استمرارها ولم تتوقف إلا مع مبادرة روجرز لاحتياج مصر لفترة هدنة لتحريك حائط الصواريخ للأمام على حافة قناة السويس تمهيدا لشن حرب ١٩٧٣، وهو ما ساهم فى صعود القوات المسلحة العربية لتكون القوة السادسة فى العالم فى ذلك الحين.


واليوم تحتفل مصر والأمة العربية بعيد انتصار أكتوبر فى ظروف لا تقل خطورة عن ظروف ١٩٦٧ التى عقد فى ظلالها مؤتمر الخرطوم، فالأمة العربية اليوم تواجه أشرس هجمة عدائية أمريكية غربية ضدها ممثلة فى محاولات مستميتة للقضاء على العروبة والانتماء العربى من خلال تطبيق مشروع الشرق الأوسط الموسع أو الكبير، فقد وجدت واشنطن فى ثورات الربيع العربى فرصة مواتية لتطبيق سياساتها التى سبق وأعلنت عنها فى التسعينيّات تحت هذا المشروع، فقررت دعم بعض تنظيمات المجتمع المدنى المرتبطة بها، ونسيت القيادات العربية أن هذه مجرد خطوة فى تنفيذ المشروع استكملتها بخطوات أخرى بعقد مؤتمرات عدة تحت مسمى قمة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتسابقت إلى حضورها أولا وتنظيمها ثانيا هذه القيادات، وكان من نتيجتها انقسام حاد فى دول الخليج حول بعض مكونات هذه السياسة ومنها الانقسام بشأن الانضمام إلى مبادرة اسطنبول التى طرحها حلف شمال الاطلنطى لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير، بينما تعثرت محاولات الحلف مع دول جنوب وشرق المتوسط نتيجة الإصرار الغربى على أن تكون المبادرة بوابة خلفية للتطبيع مع إسرائيل، وهو ما عارضته مصر فى ذلك الحين.


وعلى أراضى البحرين الشقيقة عقد أحد المؤتمرات، مؤتمر لصندوق المستقبل عام ٢٠٠٥، وكان صندوق المستقبل إحدى الآليات الهامة لدعم مشروع الشرق الأوسط الكبير من خلال تقديم دعم مالى لبعض منظمات المجتمع المدنى فى دول الإقليم للقيام بأنشطته، وشهد هذا الاجتماع خلافا فى وجهات النظر بين وزير خارجية مصر فى ذلك الحين السيد أحمد أبو الغيط الأمين العام الحالى للجامعة العربية وكوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية فى ذلك الحين، وكان محور الخلاف الرغبة الأمريكية الصريحة لتقديم الدعم المالى لهذه المنظمات دون حاجة للتنسيق مع الدول الموجودة بها هذه المنظمات بل ودون إرادة هذه الدول إن لزم الأمر، وكانت وجهة نظر مصر أن تتم هذه المساعدات بمعلومية الدولة ولمنظمات مسجلة بالفعل وفقا للقانون فى هذه الدول، وتطور هذا الخلاف إلى اختلافات حادة بين الطرفين تصدرت الصحافة العربية قبل الأجنبية فى تلك الفترة.


فهذا المشروع بكل مكوناته ضد الأمن القومى العربى لأنه يقوم على دعامتين أساسيتين هما: إذابة الأمة العربية فى كيان جغرافى أكبر وأكثر تعددا من الناحية اللغوية والعرقية والمذهبية والدينية، وهو ما لم تفطن إليه القيادات العربية فى ذلك الحين، وأدى إلى تقزمها وإلى تسابقها كما ذكرت لحضور مؤتمرات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتسابقها أيضا على استضافة هذه المؤتمرات على الأراضى العربية من البحرين إلى المغرب الشقيق.


أما الدعامة الثانية التى قام عليها المشروع، فكانت تقسيم الدول العربية إلى دويلات عدة على أسس مذهبية وعرقية ولغوية ودينية، وكانت الأولوية فى المشروع لدول المشرق العربية فى الشام لاعتبار استراتيجى هام وهو مواجهتها لإسرائيل، فالأمن الإسرائيلى يتطلب وجود دويلات ضعيفة، فكان غزو أمريكا للعراق ووضع بذور تقسيمه فى الدستور الذى صاغته أمريكا من وراء الستار مع بعض العناصر العراقية التى أقامت بالغرب وتحديدا أمريكا بدعوى أن الدول الحديثة تقوم على حكومات تحالف يضم كل ألوان الطيف السياسى وهو المبدأ المعروف باسم:Political Inclusion بدلا من استبعاد بعض عناصر الطيف السياسى :Political Exclusion ومن ثم تسعى واشنطن جاهدة لضم عناصر الإسلام السياسى إلى معادلة الحكم فى جميع الدول العربية وليس الإخوان فقط، والسبب واضح أن جميع تيارات الإسلام السياسى ترفض فكرة الدولة القومية ومازالت تحيا فى كهوف التاريخ ساعية لإقامة الخلافة الإسلامية من جديد، حتى إن كانت تحت قيادة تركيا الدولة الأورواسيوية والتى لا تتحدث لغة القرأن والعضو بحلف شمال الأطلنطي، والتى تجاهد لحظة بلحظة للانضمام إلى الاتحاد الاوربي، وهى عضوية بعيدة المنال لأن هذا الانضمام ببساطة يغير التركيبة السكانية لأوربا وهو ما يعانى منه الاتحاد الاوربى ويسعى لاحتواء آثاره وبخاصة بعد انضمام أوربيين إلى المنظمات الإسلامية المتطرفة الإرهابية مثل داعش.


وإضافة لما سبق ونظرا لنجاح جيش مصر فى حمايتها من مشروع الشرق الأوسط الكبير ومخاطره، ونظرا لتحولات الموقف فى سوريا والعراق على غير الهوى الأمريكى والسياسة الأمريكية، فقد غيرت واشنطن من أساليبها السياسية وبنفس سيناريو فرض الحصار على ليبيا نتيجة إسهام الدولة فى حادث لوكيربي، ففتحت واشنطن ملف ١١ سبتمبر ٢٠٠١ مجددا لتتيح فرصة لاهالى الضحايا لرفع قضايا على السعودية تبتلع بها الودائع السعودية فى أمريكا ومن ثم تجردها تماما من تهديداتها بسحب هذه الودائع أو تحويلها لعملة أخري، بل ولتترك الحكومة السعودية لمصيرها فى مواجهة شعبها لعجزها فى هذه الحالة عن الوفاء بالتزاماتها الاقتصادية خاصة بعد تدنى أسعار النفط بفعل السياسات الأمريكية، وبالرغم من المحاولات السعودية والوعود الأمريكية باستخدام الرئيس الامريكى حق الفيتو ضد رفع اى قضايا ضد السعودية، إلا أن الكونجرس انتهى إلى اصدار قانون جاستا المعروف باسم قانون العدالة ضد ممولى الإرهاب Justice Against Sponsors of Terrorism Act والكونجرس الأمريكى ألغى فيتو الرئيس، ومن ثم فهو يحاصر السعودية فى وقت تشتد فيه الأزمة السورية وفى وقت يحتاج فيه العراق إلى فرصة لالتقاط الأنفاس، وفى وقت تراوح فيه الأزمة اليمنية مكانها.


فقانون جاستا رغم أنه يبدو ضد السعودية مباشرة، إلا أنه ضد الأمن القومى العربى إجمالا لأن أى تقييد لدور السعودية القومى سيكون اعتداءً على الأمن القومي، وهذا هو بيت القصيد الأمريكي.


إن ما تواجهه السعودية اليوم ليس مجرد اعتداء عليها، ولكن الهدف هو إخراجها من معادلة الأمن القومى العربى وإلى الأبد كما تم إخراج العراق وسوريا، ولن تكتفى أمريكا بالسعودية فبعدها ستركز على الجزائر ثم مصر فى النهاية، فالمخطط الأمريكى واضح وضوح الشمس لأنه يستهدف هدم دعائم الأمن القومى العربي، وهذا الأمن عبر تاريخه قام على أربع دول أساسا هى مصر فى القلب والجزائر فى شمال إفريقيا، والسعودية فى الخليج، وسوريا أو العراق بالتبادل فى الشام، فإذا كانت واشنطن قد نجحت فى تدمير سوريا والعراق، وتواجه اليوم المملكة السعودية، فمن المؤكد أنها غدا ستتوجه إلى الجزائر، وأداة التدخل موجودة: داعش وأخواتها الذين سينتقلون إلى الجزائر من ليبيا ومن مالى جنوبا والسنغال، والمتابع لأعمال شبكة الدراسات الاستراتيجية الأمريكية والاجتماعات التى تعقدها لدول الساحل والصحراء يدرك جيدا أن الجهود الأمريكية تستهدف ريادة الروابط الجزائرية بهذه المجموعة من الدول على حساب الروابط الجزائرية العربية، وهو أمر ينبغى أن يكون موضع اهتمامنا، وموضع دراستنا للمخطط الأمريكى فى المنطقة.


ولكن ماذا تفعل السعودية فيما تواجهه من مأزق استراتيجى نسجه حولها الصديق الأمريكي؟


من المؤكد لا يمكن الخروج من هذا المأزق إلا بمزيد من دعم الأمن القومى العربي، وهذا يتطلب منها إعادة صياغة توجهات سياستها الخارجية كما فعل جلالة الملك فيصل رحمه الله عام ١٩٦٧ بإعلاء المصالح القومية على المصالح الشخصية والمصالح المذهبية، فالعالم تغير حولنا، وآن الآوان لأن نتغير نحن أيضا، فالصراع المذهبى بين الخليج وإيران آن له أن يتوقف ويمكن لمصر أن تلعب دورا حيويا فى هذا المجال، بمعنى أكثر وضوحا أن تتم إعادة العلاقات المصرية الإيرانية فى إطار صفقة أكبر تضمن الأمن القومى العربى فى الخليج والشام، وهذه الصفقة ستضمن إنهاء الحرب فى اليمن وفى سوريا، أعلم أن ما أقترحه دواء مر، ولكن البديل سيكون مؤلما ومرا، وقد يصل بنا إلى أن نتحدث يوما عن المملكة العربية كتاريخ، وهو أمر لا نرتضيه كعرب لأى دولة عربية عامة وللسعودية خاصة.


كذلك هذه التغييرات الهيكلية للتوجهات السعودية ستتطلب تغييرات مماثلة من مصر سواء تجاه إيران أم تجاه تركيا التى تبحث عن طريق لإعادة العلاقات مع مصر بما يضمن موافقة مصر دون تشدد فى طلباتها، وقد سبق لى أن اقترحت فى مقال سابق أنه لا سبيل لوقف التدهور فى الأمن القومى العربى إلا بعودة العلاقات المصرية مع إيران وتركيا لأنهما جيراننا المباشرون، وأمننا العربى ينعكس على أمنهما إيجابيا، والعكس صحيح، وهنا فالدبلوماسية العامة يمكنها لعب دور حيوى بدلا من الدخول فى مهاترات دبلوماسية رسمية ستمتد حتما إلى صفحات الصحف خاصة أننا فى عصر المعلومات المفتوحة، كما أن تركيا مدركة لأخطاء الماضى وخطيئة احتواء الإخوان وتنظيمهم الدولى وقنواتهم التى تحض على الكراهية والإرهاب وأضحت


أكثر استيعابا لدورهم المخرب للعلاقات بين البلدين.


إذا كانت تحديات الأمن القومى العربى على هذه الدرجة من الأهمية والخطورة، فمن الطبيعى أن تكون سياسات الدول العربية كلها عامة ومصر والسعودية والجزائر خاصة على نفس المستوى من الأهمية والفاعلية لمواجهة الغد وليس اليوم، ويجىء العيد الثالث والأربعون للنصر، ليذكرنا أن روحه ترفرف على أمتنا العربية فى ظرف تواجه فيه تحديات لا تقل عن تحديات احتلال أراضى ثلاث دول عربية عام ١٩٦٧، فما أحوجنا لاستعادة هذه الروح فى هذه اللحظة، فهل تساعدنا المملكة العربية السعودية وتساعد نفسها باستعادة هذه الروح مرة أخرى؟


أملى كبير فى أن يستعيد جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود هذه الروح العربية مرة أخرى فى أسرع وقت ممكن، ولا ننسى أن أمريكا سبق وأعلنت أن ممولى داعش هم السعودية والإمارات وتركيا، مما يجعل الدول الثلاث معنية أكثر من غيرها بقانون جاستا ومن بعدهم الجزائر، ولله الأمر من قبل ومن بعد.