الحلقة الأولى التفتيش فى أوراق صناعة السياسات الأمريكية

05/10/2016 - 10:25:12

بقلم - عميد. خالد عكاشة

“مؤسسة راند” الأمريكية وهى بالإنجليزية (RAND) أكبر وأشهر “مركز تفكير” فى الولايات المتحدة الأمريكية، والأكثر اقترابا من دائرة صناع القرار فى الإدارات الأمريكية المتعاقبة الديموقراطية والجمهورية على السواء، وهى بالأصل تقدم نفسها كمؤسسة مستقلة غير ربحية منذ إنشائها فى العام ١٩٤٨م، ولتلك المؤسسة تاريخ ونشاط من المهم إلقاء ضوء سريع عليه


ففيه من الإشارات الدالة ما قد يفيد فى تفهم آلية صنع القرار الأمريكي، خاصة فى شئون القضايا الدولية التى لها تماس مباشر بالمصالح والاستراتيجيات الأمريكية عامة، ففى لحظات نشأتها الأولى اشتقت اسمها اختصارا من اصطلاح (البحوث والتنمية) باللغة الإنجليزية (Research and Development )، وعلى يد مجموعة صغيرة من الخبراء العاملين بسلاح الجو الأمريكى الذين انتقلوا بعد الحرب العالمية الثانية للعمل بشركة (دوكلاس لصناعة الطائرات)، أسست فى الأساس لتقديم خدمات البحث والتحليل لـ (الجيش الأمريكي) ، وبعد ذلك توسعت فى مجالات البحث والتحليل وأصبحت تتعامل مع حكومات وشركات وهيئات أخرى، وأدركت هذه المجوعة بإلهام من دروس الحرب العالمية الثانية أن استمرار السلام العالمى أمر غير مضمون، وأن على من يدعمون السلام أن يعملوا دون كلل لتعزيز هذا المسعى، وهى كمنظمة بحثية تقدم التحليلات الموضوعية والحلول الفاعلة التى تعالج التحديات التى تواجه كلا من القطاعين العام والخاص، والمؤسسة منذ إنشائها تؤكد على الحاجة للتعاون بين الكيانات الصناعية الكبرى والأجهزة الحكومية والجامعات، سعيا إلى الوصول إلى الحد الأقصى من التنسيق بين أهل العلم و المعرفة لمعالجة أى مشكلة من كافة جوانبها، وفى النهاية تقدم “راند” ما تعتبره تحليلا مفصلا ودقيقا لمدى واسع ومتنوع من القضايا، وهو ما استتبع أن يتساءل كثيرون من المراقبين من خارج المؤسسة عن علاقتها بـ (البنتاجون، ووزارة الدفاع الأمريكية)، ولعل هذا التفكير مبعثه أن “راند” ركزت الجزء الأكبر من مواردها فى البداية على البحوث الخاصة بالدفاع والأمن القومى الأمريكي، وكانت ذروة هذا الجهد إن باحثى “راند” أصحاب الفضل فى وضع الأسس التى قام عليها (برنامج الفضاء الأمريكي).


ورغم أن مؤسسة “راند” تقدم نفسها وتكتب على موقعها الرسمى ومطبوعاتها أنها منظمة بحثية لا تهدف إلى الربح، لكن هذا لم يمنع أن تذكر فى العام ٢٠٠٤م أنها قد حققت عن هذا العام فقط دخلا صافيا قدره (٢٢٧ مليون دولار)، والجدير بالإشارة إليه أن مجلس أوصياء مؤسسة “راند” يتشكل من عدد كبير من الشخصيات المرموقة مثل “بول أونيل” وزير الخزانة الأمريكية سابقا، و”هارولد براون” أحد مستشارى مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، ويتولى الآن مدير المركز “دافيد آرون” الذى كان يشغل منصب نائب مستشار الأمن القومى للرئيس جيمى كارتر، والذى سبق أن عمل كمبعوث من قبل البيت الأبيض إلى أجزاء متعددة فى العالم، كما يعمل فى المؤسسة كل من: “بول بريمر” القائد السابق لقوات التحالف فى العراق، و”راى مابوس” السفير الأمريكى فى المملكة العربية السعودية كعضوين فى المجلس الاستشارى للمركز البحثي، حيث تنقسم “راند” إلى عدة أقسام بحثية تغطى مجالا واسعا من القضايا والتخصصات: من الصحة والتعليم إلى الأمن القومى إلى الدفاع وشئون التسليح، وغير ذلك من المجالات التى تحظى باهتمام دولى إلى جانب إدارتها لقسم خاص بالنشر وخدمة قاعدة البيانات التى تتيحها لاستخدام الباحثين المسجلين بالجامعات الأمريكية أو العاملين بالوزارات والجهات الرسمية للحكومة الفيدرالية، ويعمل فى تلك المؤسسة “١٧٠٠ باحث وموظف” فى مقرها الرئيسى الفخم والمجهز بأحدث التقنيات التكنولوجية الكائن فى كاليفورنيا الأمريكية، فضلا أن للمؤسسة ٩ مقرات أخرى حول العالم أحدها بالدوحة عاصمة دولة قطر .


بالنظر إلى الدراسات والأبحاث المهمة التى عملت عليها مؤسسة “راند” لسنوات وقدمت نسخا منها للإدارات الأمريكية، وفى الكثير وفق نمط عملها قامت بالتنقيح والتعديل والتبديل وفق متغيرات الواقع والتطور السياسى الذى يحدث على تلك القضايا، نجدنا أمام عناوين غاية فى الأهمية والخطورة أبرزها على سبيل المثال دراسة بعنوان (المساعدة على إقامة دولة فلسطينية ناجحة)، والدراسة تعمل على الإجابة عن التساؤل الآتي: ما هى الشروط الواجب توفرها لقيام دولة فلسطينية دائمة؟ “، وقد قدمت المؤسسة توصياتها فى هذا الصدد من خلال ما نشر فى تقريرين عن هذه الدراسة هما: “ بناء دولة فلسطينية ناجحة” و”القوس: هيكل رسمى للدولة الفلسطينية”، حيت عالجت التوصيات مسألة خلق هيكل قابل للتطبيق عمليا للدولة الفلسطينية، وأفاد البحث أن احتمال بقاء الدولة الفلسطينية يزيد قوة إذا توفر لها قدر كبير من سلامة الأراضى والحدود المفتوحة والأمن الكافى سواء بداخلها أو لجيرانها، وفيما قبل العام ٢٠١١م كانت للمؤسسة مجموعة أخطر من الدراسات والبحوث مثلت النشاط الأبرز لباحثيها، والتى عملت عليها لما يقارب الخمسة أعوام اعتبارا من العام ٢٠٠٦م حتى الوصول إلى ما سمى بـ “الربيع العربي”، تضمنت تلك الدراسات أشهرها وأكثرها إثارة للجدل بعنوان “دعم جماعات المسلمين المعتدلة”، وهى دراسة تهدف ـ وفق ما أعلنت عنه المؤسسة ـ إلى تقديم العون للزعماء المسلمين المعتدلين فى “حرب الأفكار” التى يخوضونها ضد المتطرفين، وألحقتها فى العام ٢٠٠٧م بتقرير مطول حمل عنوان “بناء شبكات إسلامية معتدلة”، بحث فى خطط وآليات بنائها وكيفية التواصل معها واحتوائها لاحقا، وقدمت على إثر ذلك دعما ماليا ضخما لدراسات الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية فى الولايات المتحدة الأمريكية بشكل عام، والتى تهدف إلى فحص الوضع الحالى للبرامج الأكاديمية والتركيز على الشرق الأوسط والإسلام وتقديم المقترحات لكل من الحكومات والمؤسسات التعليمية، وفيما يتعلق بتحسين هذه البرامج من أجل نشرها فى أكثر من دولة عربية وشرق أوسطية .


فى العام ٢٠٠٩م بدأ العمل أيضا فى دراسة أخرى بعنوان “المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية فى الشرق الأوسط”، والتى كانت تتصدى لفحص جوانب التحرك والتحديات التى تواجه الإصلاح فى بلدان الشرق الأوسط ذات الأهمية القصوى للولايات المتحدة الأمريكية، مثل مصر والمملكة العربية السعودية، وهناك دراسة أخرى بعنوان “عدة النجاة للضحايا من الأطفال فى حرب أفغانستان والعراق” تتناول ابتكار مواد تربوية تعليمية للأطفال الذين عانوا من الحروب فى بلدانهم، كما تولت مؤسسة “راند” تنفيذ برامج إصلاحية لعدد من المؤسسات العربية منها “نظام التعليم فى دولة قطر”، والذى تم بموجب هذا البرنامج صياغة المناهج الدراسية والاستخدام التقنى فى مراحله المختلفة، فى العام ٢٠١٦م أعدت المؤسسة تقريرا مهما خاص بمستقبل الإرهاب والحركات المسلحة، بعنوان “بعقر ديارك تكون المعارك ـ الخطر الذى يشكله المقاتلون الأجانب العائدون من سوريا والعراق” التقرير يبحث حالة تنظيم “الدولة الإسلامية/ داعش” عبر محورين مهمين، أولهما من جهة كون التنظيم الإرهابى المسلح يشكل لأول مرة ما يسمى دولة، والثانى من جهة التهديد الذى يمكن أن يمثله على الغرب فى عقر ديارهم باعتبار التنظيم يمكنه مستقبلا ممارسة ما أسماه “الإرهاب المتحرك”، وعزا ذلك لوجود عدد ضخم من المقاتلين الأجانب فى صفوفه والذين يمكن أن يعودوا لديارهم ولدولهم بعد هزيمتهم، فالتقرير ناقش وتناول نقاط غاية فى الأهمية تكاد تكون قد صاغت سياسة الولايات المتحدة العسكرية والأمنية فى حربها ضد داعش والإرهاب بشكل عام، فهذا التقرير تم تقديمه ( للجنة الأمن الداخلى والشؤون الحكومية فى الكونجرس)، وفيه يرى أن تنظيم “الدولة الإسلامية” لا حل أمامه سوى مواصلة معارك التمدد القطرى وإلا سيواجه خطر استنزاف نفسه بنفسه داخليا، وبالتالى التقرير أعد لشيء آخر فى منتهى الخطورة من وجهة نظر محرروه وجاء فيه نصا ...


السؤال عن: ماذا يمكن أن يحدث لو تم هزيمة الدولة؟ أين سيذهب هذا العدد الضخم من المقاتلين الأجانب فى صفوفها ؟ بل ماذا لو شعرت الدولة بانكماش مناطقها فسعت لكسر إرادة دول التحالف بالضرب فى عقر ديارهم؟ أو لو لم يحدث أحد الاحتمالين ولكن قررت الدولة فجأة أن تغير من استراتيجيتها وتستهدف الغرب فى عقر داره كيف يمكن مواجهة هذا ؟


هنا يقارن التقرير بين الاستراتيجية الأولى لتنظيم القاعدة استهداف العدو البعيد كما سماها التقرير، وبين استراتيجية تنظيم الدولة التى تهتم بالمحافظة على المناطق التى سيطرت عليها وتسعى لتمديدها، ثم سرد التقرير التجربة الأمريكية وغيرها من التجارب لدول مماثلة فى مواجهة مثل هذا الخطر )عودة المقاتلين الأجانب(، ووضع بناء عليها توصيات جديدة لتفادى الأمر والحد من خطورته .


هذه هى مؤسسة “راند” البحثية والتى يطلق عليها “مركز للتفكير” وهذه هى نشاطاته واهتماماته البحثية التى يعمل عليها، والتى تترجم نفسها بصورة قريبة جدا من صانع القرار الأمريكى فى سياسات واستراتيجيات بالأهمية التى تم ذكر عناوينها السابقة كنماذج دالة لعمل المؤسسة، وفى هذا الإطار ننشر ونتناول بالتحليل فى (مجلة المصور) كأول مطبوعة مصرية وعربية تنفرد بالرؤية الأمريكية الخاصة بالأزمة السورية، والتى أعدتها مؤسسة “راند” نهاية العام ٢٠١٥م وأضافت عليها الكثير من التنقيحات فى منتصف ٢٠١٦م، تحت عنوان “خطة سلام من أجل سوريا” تتضمن حلا مقترحا للأزمة المتفاقمة فى سوريا، قام بإعدادها كل من “جيمس دوبنز” الرئيس الفخرى لوحدة الأمن والسياسة فى راند وهو مساعد سابق لوزير الخارجية الأمريكي، و”فيليب جوردون” زميل أقدم فى مجلس العلاقات الخارجية ومساعد وزير الخارجية للشئون الأوروبية والأوراسية، و”جيفرى مارتيني” محلل للشرق الأوسط فى راند وقضى عام ٢٠١٤م فى وزارة الخارجية فى لجنة النزاعات وعمليات توطيد الاستقرار، وهى الخطة الموجودة فى ثلاث نسخ بالبيت الأبيض الأمريكى وبوزارة الخارجية والبنتاجون الأمريكى منذ تاريخ صدورها بنسختها الأولية وبما جرى عليها من تعديلات، ننشرها باللغة العربية لما فيها من رؤى ومخططات فائقة الخطورة والأهمية تتحرك على ضوءها الإدارة الأمريكية الحالية وستنتقل إلى الإدارة القادمة، نلتقى معها على حلقات متتالية بـ (مجلة المصور) اعتبارا من الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى .