د. نعمات أحمد فؤاد عاشقة الوطن.. وحارسة الحضارة

05/10/2016 - 10:14:59

بقلم: محمد الشافعى

(آفة حارتنا النسيان) وهكذا هتف فينا أديبنا الراحل نجيب محفوظ.. وهو قول ينطبق على أهل الفكر والثقافة.. عندما نسوا أو تناسوا ولسنوات طويلة الدكتورة نعمات أحمد فؤاد.. وهى واحدة من المناضلات البارزات فى كل قضايا الوطن.. وخرج أهل الفكر والثقافة من (كهف النسيان) على خبر رحيل الدكتورة نعمات.. والتى عاشت لسنوات طويلة جدًا ملء السمع والبصر.. من خلال دفاعها المستميت عن نهر النيل شريان الحياة بالنسبة للمصريين.. ودفاعها الجسور عن الآثار المصرية.. وقد اختارت الدكتورة نعمات منذ أن انتهت من دراستها الجامعية.. أن يكون نهر النيل محور حياتها.. وبؤرة اهتمامها.. حيث كانت رسالتها للدكتوراه بعنوان (النيل فى الأدب المصرى)..


وعندما قامت بطباعة هذه الرسالة فى كتاب صدر فى ٤٥٠ صفحة.. وبلغت عدد مراجعه ٢١٦ مرجعًا باللغة العربية.. ٨٥ مرجعًا باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية واللاتينية.. وذلك عدا المجلات والجرائد والدوريات بشكل عام.. وقد استهلت هذا الكتاب المهم بعبارة شديدة البلاغة قالت فيها (إلى الضفاف الخضر من قلبى صلاة). وقد تحول حصول الدكتورة نعمات أحمد فؤاد على درجة الدكتوراه إلى معركة بين الكبار.. حيث أرسل لها المفكر الكبير عباس محمود العقاد برقية قال فيها (إن نعمات هى الوحيدة التى تتشرف بها الدكتوراه) فى غمز واضح لخصيمه الشيخ أمين الخولى.. والدكتور طه حسين.. فالشيخ الخولى زوج الدكتورة بنت الشاطىء.. والعميد أستاذ الدكتور سهير القلماوى.. وكان العقاد يقصد أن كلتيهما لا تتشرف بهما هذه الدرجة العلمية.


وعلى درب العقاد سار الأديب الكبير أحمد حسن الزيات حيث أرسل هو الآخر برقية تهنئة للدكتورة نعمات أحمد فؤاد بعد حصولها على درجة الدكتوراه.


ورغم قوة القضايا التى فجرتها الدكتورة نعمات.. ورغم شراسة المعارك التى خاضتها دفاعًا عن أفكارها وآرائها.. إلا أن مجتمع الأدب والأدباء تجاهل كل هذا.. وربما يعود ذلك إلى كونها أقرب إلى روح المفكر أكثر منها أديبة.. حيث لم تكتب الشعر أو الرواية أو القصة القصيرة.. وإن كان بعض كتبها أقرب ما يكون من (روح الأدب) مثل كتاب (إلى ابنتى) والذى كتبته بعد أن رزقت بابنتها الكبرى حنان.. وعبارات الكتاب رقيقة عذبة تشع منها آيات الحنان والعطف والحب.. إلى جانب نصائح الأم إلى ابنتها رغم أنها لم تكن قد تخطت مراحل الطفولة الأولى.. وقد تعرضت الدكتورة نعمات إلى جرح إنسانى غائر عندما فقدت ابنتها الثانية (فينان) والتى كانت الأولى على مستوى الجمهورية فى الثانوية العامة.. والتحقت بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. وأكد كل أساتذتها على أنها ستكون عالمة مرموقة فى مجال دراستها.. وللدكتورة نعمات ابن ثالث هو الدكتور أحمد طاهر أستاذ مادة التسويق فى الجامعة الأمريكية.. أما الزوج محمد طاهر.. فقد كان عمله منقسمًا بين الأرقام والقانون.. حيث كان يعمل (محاسب قانونى).. ولكن (نداهة) الأدب أشارت له فكتب رواية طويلة بعنوان (العنقاء).


وقد خاضت الدكتورة نعمات أحمد فؤاد من خلال مقالاتها وخاصة فى جريدة الأهرام.. ومن خلال كتبها العديد من المعارك الشرسة.. ولعلها أقواها وأخطرها كان مع الرئيس محمد أنور السادات.. عندما قرر دعم ومساندة (هضبة الأهرام).. والذى تبناه مجموعة من المستثمرين الأجانب والمصريين بهدف تحويل منطقة هضبة الأهرام إلى (برودواى مصرية) تنتشر فيها الملاهى والأندية الليلية وربما المولات.. وأمام هذا المشروع الذى يمثل خطورة كبيرة على منطقة الأهرام وأبو الهول.. خرجت الدكتورة نعمات وكأنها فى مهمة وطنية انتحارية لتعارض المشروع وترفضه.. رغم تبنى وتأييد رئيس الجمهورية له.. واستمرت حملة الدكتورة نعمات أحمد فؤاد عدة أسابيع إلى أن كونت رأيًا عامًا ضاغطًا جعل صاحب القرار يتراجع عن هذا المشروع المريب.


وعلى نفس المنوال سارت الدكتورة نعمات أحمد فؤاد حيث دخلت مع وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى فى العديد من المعارك الشرسة من أجل حماية آثار مصر.. حيث كانت وزارة الثقافة فى ذلك الوقت تدير أيضا الآثار وقبل أن يصبح لها وزارة مستقلة.


ورغم أن الدكتورة نعمات كانت تنطلق فى كل معاركها من روح وطنية وانتماء حقيقى لهذا الوطن.. إلا أن بعض آرائها كانت تنحرف قليلا عن هذا الاتجاه.. ومن بينها موقفها من (عروبة مصر).. فقد أنشأت الدكتورة نعمات أحمد فؤاد فى بيتها الريفى إلى جوار استوديو مصر بالهرم مكتبة خاصة.. تحوى العديد والعديد من أمهات الكتب.. وقامت بتقسيم هذه المكتبة إلى ثلاثة أقسام كبيرة.. الأول الجناح الخاص بمراجع مصر الفرعونية.. والقسم الثانى خاص بمراجع مصر الإسلامية.. والقسم الثالث خاص بمراجع مصر القبطية.. وعندما سألها أصدقاؤها ومريدوها وأين قسم مصر العربية؟ أجابت بكلام قد يتصادم مع قناعات الغالبية العظمى من المصريين.. حيث قالت إن فكرة العروبة روج لها جمال عبدالناصر.. ثم انتهت برحيله ولم تصادف أى قبول عام.. ولهذا خلت مكتبتى من أى جناح عن مصر العربية.


وهذا الكلام يتصادم وبقوة مع آراء ورؤى العلامة د. جمال حمدان فى كتابه العمدة (شخصية مصر).. والغريب أنه يتصادم أيضًا مع التقسيم الذى وضعته الدكتورة نعمات لمكتبتها.. فمراجع مصر الإسلامية.. لابد وأن تنطلق من العروبة.. فالقرآن أنزله الله باللغة العربية.. والعرب أول من أسلم بهذا الدين الحنيف.. كما أن علاقات مصر العربية سابقة على الإسلام.. كما أن اللغة العربية هى لغة كل أهل مصر.. المهم أن الخلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية.. فالمنجز النهائى للدكتور نعمات أحمد فؤاد كبير ومشرف.


وبعيدا عن النيل والآثار اهتمت الدكتورة نعمات أيضا بقضايا التعليم والشباب.. حيث طالبت مرارا وتكرارًا بضرورة بل بحتمية تغيير مناهج التعليم من الحضانة إلى الجامعة.. لتتواءم مع روح العصر.. وتصبح أكثر جاذبية.. وأكثر قدرة على جذب الطلبة إلى التعليم.. وكانت تصرخ بأن التعليم الجامعى يدفع إلى الحياة العامة بمجموعة من (أنصاف الأميين).. وهى أكثر خطورة على المجتمع من الأمى تماما.. وكانت تلقى بالمسئولية على مؤسسات الدولة.. وعلى الأسرة أيضا. وكانت ترفض روح التشاؤم واليأس وتؤكد على أن كل المشاكل مهما كانت صعبة وقاسية.. فلها حلول يمكن من خلالها مواجهة المشاكل أو آثارها.. كما اهتمت الدكتورة نعمات أحمد فؤاد بالشباب.. وكانت تؤكد أن الشباب فى حاجة لأن يشعر بأن له مكانًا حقيقيًا فى وطنه.. من خلال توفير الخدمات الثقافية والعقلية والصحية والاجتماعية.. وبعد أن نوفر له كل ذلك يمكننا أن نطالبه بأن يؤدى ما عليه من واجبات.. والأهم من كل ذلك كانت الدكتور نعمات تؤكد على أن مسئولية الدولة تجاه الشباب أن تعمل على ترشيد الفراغ لديه.. وأن تعمل أيضا على بعث شخصية مصر فى أعماق الأجيال الجديدة من خلال الثقافة والفنون والآداب وذلك لإيقاظ روح الانتماء والوطنية.


وفى نهاية هذه الإطلالة السريعة على شخصية وعطاءات الدكتورة نعمات أحمد فؤاد تؤكد أنها كانت شخصية عصامية موسوعية تتسم بكثير من الوطنية والانتماء وعشق الوطن.. ومثل هذه الشخصية لا تغيب عنا بالموت.. فالعطاءات العظيمة التى تركتها تضمن لها وجودا دائما على لوحة خلود هذا الوطن.