تجريف نصر أكتوبر!!

05/10/2016 - 10:12:07

بقلم: حمدى رزق

تَجريف: (اسم)، وتَجْرِيفُ التُّرَابِ، كَسْحُهُ، وجَرَّفَ: (فعل)، جرَّفَ يجرِّف، تجريفًا، فهو مُجرِّف، والمفعول مُجرَّف، وجَرَّفَ السّيْلُ كُلَّ شَيْءٍ: ذَهَبَ بِكُلِّ مَا وَجَدَهُ فِى طَرِيقِهِ (من معجم المعانى الجامع).


أخشى على نصر أكتوبر من التجريف اسماً وفعلاً، وقبل مرور نصف قرن على الذكرى الغالية يعمل المرجفون المجرفة فى جرف النصر، وحرف النصر عن مساره، واستلاب النصر من أصحابه، يجرفون الذاكرة الشعبية التى تحفظ النصر للأجيال القادمة.  


أخشى يوماً لا يبقون على نصر، ويحولون النصر إلى ذكرى تفتقد إلى المعنى، ويشوهون صورة النصر، واجباً وطنياً الآن توثيق نصر أكتوبر خلال السنوات القليلة المتبقية على مرور نصف قرن على العبور العظيم، توثيقاً أميناً شفافاً يعطى الحق لأصحابه، ويسجل بكل أمانة الأدوار جميعها، بعيداً بعيداً بعيداً عن الهوى والغرض، لأن الغرض كما يقولون «مرض». 


فصل حرب أكتوبر وقادتها وأبطالها وتجليهم أبطالاً مرسومين فى لوحة النصر عن لجة بحر السياسة ضرورة وطنية، أبطال أكتوبر فى أعلى عليين، وتنزيلهم إلى الأرض الزلقة، وحسابهم على خطايا سياسية لحقت، يخدش وجه النصر العظيم، وتفصيل النصرعلى مقاس السياسة ظالم ومجحف، وقص صور الأبطال من الصورة الجماعية للنصر العظيم خطيئة وطنية.


أقول قولى هذا بعد قراءة الفاتحة ترحماً على شهداء الوطن، ألف رحمة ونور على الغر الميامين، قضينا شطراً ننتقص من صورة أكتوبر، اسم الفريق العظيم سعدالدين الشاذلى، وتم إخراجه بليل من صورة المعركة، وقضى الرجل ردحاً من الزمن منفياً خارج وداخل مصر، يلفه صمت رهيب وهو من آباء النصر الأصليين، ورحل عن الدنيا ولم يسترد حقه ويعاد إليه شرفه العسكرى إلا بعد رحيله.


كان سعد الشاذلى محارباً شجاعاً، لم تكف شجاعته وبسالته لينال الوسام المستحق فقط لأنها السياسة التى أخرجته من الصورة، وقذفت به خارج محيط النصر، وكان محزناً أن تناوله بعض الأقلام التى لم تمسك يوماً سلاحاً دفاعاً عن الوطن، تتهمه وهو المحارب العظيم بالخيانة، ويقدم للمحكمة بتهمة لا تليق بتاريخ قائد عسكرى عظيم.. ذهبت الاتهامات أدراج الرياح وبقى الاسم يلمع كالذهب.


واسم بطل النصر العظيم وصاحب قرار العبور محمد أنور السادات، لحق به أذى كبير، ونالوا من شجاعته التى أطلقت الأسود يوماً أغر من قيودها، كان بطلاً حقيقياً قبل أن يغير العقورون على صورة النصر يبغون انتزاعه عنوة من قلب الصورة، كانوا يتحدثون عن النصر بفخار، ويغمضون الأعين بخسة، ولا يأتون على ذكر بطل النصر الرئيس صاحب قرار الحرب.


كم كان مخزناً أن يذكر اسم السادات على هامش السطر أو فى الحاشية على المتن، وكأنه نصر بلا أب، ونصر بلا قائد، ونصر بلا شخصية فذة وقادرة على قيادة الجند فى معركة الانتصار، إنها السياسة التى جعلت من جبنوا وهزموا وانسحبوا يوماً لم تطلع عليه شمس يسمونه خائناً، ويصمونه بما ليس فيه، وينكرون عليه النصر، ثم يغتالونه بدم بارد فى يوم عرسه، فى يوم نصره، فى يوم العبور العظيم، وعاد من غزوتهم نادمين، يعتذرون، ويتوبون، ويسمونه شهيداً.


القتلة ندموا وتابوا ولكن غيرهم لم يتب عن تجريد حرب أكتوبر من قادتها وأبطالها، واليوم يقتطعون من الصورة قائد الطيران محمد حسنى مبارك، مبارك الذى اختاره عبدالناصر على عينه، واعتمده السادات قائد لسلاح الجو المصرى، معلوم مبارك العسكرى قصة ومبارك السياسى قصة أخرى، الخلط هنا خطير، ونسخ البطولة العسكرية بالهزيمة السياسية يأخذ من النصر ولا يضيف للسياسة.


 الحساب السياسى لمبارك وعصره ضرورة وطنية لاستقامة الطريق نحو المستقبل، لكن قص مبارك من صورة أكتوبر خطيئة وطنية، وتخليص ثارات السياسة فى ثياب المعركة ليس عادلاً ولا منصفاً، هذه نقرة وتلك نقرة أخرى كما يقولون، والمعركة قصة تروى بأبطالها، والسياسة قصة أخرى لهم فيها مالهم وعليهم ما عليهم، ولا يزيدون ولا ينقصون إلا بقدر.


أكتوبر نصراً ومعركة وأبطالاً وقادة وصف وجنود قصة تروى كاملة للأجيال، وصورة أكتوبر لابد أن تعلو بها فوق الهامات، وسيرة أبطال الحرب تسجل بأمانة درساً وعبرة وعظة لأجيال لم تشهد الحرب ولم تقف على دقائقها، ولا قرأت عن مراحلها، ولا وقفت على تضحيات أبطالها، أكتوبر تقرأ فى سياقها العسكرى كواحدة من المعارك العظيمة فى تاريخ العرب، جنباً إلى جنب مع حطين وعين جالوت، أكتوبر يجب حمايتها من «مقص دار السياسة» التى يقصها باترونا على مقاس النظام السياسى القائم، ووجهته، وتوجهه، وصبغته.


أذكر فى هذا السياق الانتقائى لصورة الحرب كيف تجرأ جاسوس الإخوان المنتخب أن يجنب القادة العسكريين، قادة النصر احتفال النصر فى إستاذ القاهرة وأجلس فى مقاعدهم قتلة بطل الحرب، كيف جلس هؤلاء القتلة يحتفلون بالنصر الذى قتلوا صاحبه، وبلغ الفجر برئيسهم الجاسوس أن يركب سيارة قائد الحرب ويحيى الجماهير الملتحية بجلابيبها فى المدرجات فى سيارة مكشوفة الوجه، ولم يخجل وهو يحتفل بنصر لم يعرفه ولم يقربه ولم يمسك فيه سلاحاً ولا عرف إلى الجبهة طريقاً، كان يتجسس على الجيش، الخيانة فى دمائهم طبع.


والذكرى تنفع المصريين، لماذا لا نحتفظ لحرب أكتوبر بصورتها ناصعة نقية من كل غرض سياسى، لماذا لا ننزهاعن الهوى السياسى، لماذا لا نخرجها من لجة احترابنا، ونضعها فوق الرءوس كل الرءوس، لماذا لا تبعد تماماً عن الفضاء السياسى؟!


لماذا تبضعون حرب أكتوبر فى أسواق السياسة، لماذا تنسبون أكتوبر لمن لم يعش أكتوبر، لماذا تظل أكتوبر رهينة من فى قمة السلطة فيجيرها ويشهلها كل لدعم حكمه، ولإثبات ما ليس معلوماً بالضرورة، لماذا تخضع حرب أكتوبر للهوى السياسى، أكتوبر ليست بضاعة حاضرة، تحت التصرف، بل هو نصر تحقق بكل الفخار، وآباء النصر من القادة معروفين بالاسم، ولا يتخيل أن يشطب اسماً فقط لأسباب خلاف النصر!.


وأخيراً، لماذا تنسب أكتوبر لأشخاص وهى معركة شعب، للأسف تاريخ مصر تاريخ شخصيات وزعامات ورئاسات من أيام عرابى وحتى الآن، هذه الشخصيات صنعها الشعب، وهذه المعارك خاضها الشعب، وهذه الانتصارات حققها الشعب، ونصر أكتوبر نصر الشعب ويجب تمليك النصر للشعب للأجيال القادمة دون قص ولصق ودون تفصيل ودون تفضيل، وبعيداً عن الهوى والغرض والمرض.