السفر إلى ممالك الخيال .. ملامح وأصوات فى الرواية العربية

04/10/2016 - 9:49:35

أحمد شامخ

(السفر إلى ممالك الخيال ملامح وأصوات فى الرواية العربية ) هذا هو عنوان كتاب الهلال الذي يصدر في 5/10/ 2016 للكاتبة اعتدال عثمان التي تقول عنه الكتاب أنها بدأت كتابة دراساته منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، وبالتحديد منذ نشرت أول دراسة عام 1982 في مجلة " فصول". وتجد الآن أنه من الممتع والمفيد أيضا أن تنظر وراءها متأملة أوراقها النقدية القديمة والجديدة، وتحاول من خلالها أن تلتقي بالناقدة داخلها.
فوجدت أن المبدع يقرأ نص الكون/ العالم/ المجتمع/ الإنسان ويعيد كتابته في نص أدبي موظفا طاقة الخيال الخلاق المنطلق، والمنفلت معا،من أسر ما يفرضه الواقع على الإنسان من قيود وتمزقات ومخاوف وانكسارات، لكي يعود الإنسان إلى هذا الواقع نفسه، وقد أضاف الفن إلى حياته حيوات لم يعشها، لكنه جاب أرجاءها واستمتع بمباهجها وعانى عذاباتها، وعاد منها إلى واقعه مسلحا بالرؤية والوعي بإمكان أن تستعيد الإرادة الإنسانية قدرتها على الفعل المغير لهذا الواقع نفسه. إن المبدع يشيد عالمه الفني - الروائي في حالتنا – مستجمعا موهبته وثقافته ورؤاه لكي يتخلق عالمه على الورق، وفق قوانين جمالية يتبعها يبتكرها، أما الناقد المبدع فإنه ينطلق من النص المنقود ليدخل في صميم التجربة الإبداعية نفسها كاشفا جذورها في علاقاتها الفلسفية والاجتماعية والنفسية، ومحللا الأدوات الفنية التي استخدمها المبدع الأول لتجسيد رؤيته، ومواطن الأصالة والإحكام الفني فيها، وتقدير مدى قيمتها الفنية والجمالية. والناقد المبدع من هذا المنطلق، وبوصفه قارئا متميزا في المقام الأول، يسعى سعيا جادا حثيثا ومنهجيا لاستجلاء جماليات النص وتقريبها إلى القارئ الذي يجد في ذلك النص النقدي نصا موازيا قادرا على النفاذ إلى أسرار العمل المنقود، تفتح أمامه آفاق التلقي والتفاعل الحر مع ما يطرحه الكاتب من رؤى وما يستخدمه من تقنيات، فالناقد لا يقوم بتقريب جماليات النص إلى القارئ فحسب، بل إنه يدعوه إلى المشاركة في العملية الإبداعية نفسها بتحرير خياله من القيود والوصول إلى قراءته الخاصة، وقد استضاء نقديا، على أساس أن العمل الأدبي يحتمل قراءات غير متناهية.
تقول الكاتبة إن القراءة الأولى لهذه الأوراق النقدية دلتني على أن الروائيين العرب باختلاف أجيالهم، وعلى تفرد كل منهم وخصوصيته، يجمعهم مشهد موحد تتآلف مكوناته وعناصره البنائية لتشكل لوحة شاسعة للواقع العربي الراهن المرتبك بأبعاده التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية، على نحو ما ينعكس على مرايا المتخيل الأدبي في الأعمال الروائية. بدا لي أن إلحاح سؤال الهوية هو الشاغل الأساسي على مستوى الفرد والجماعة، كذلك لا ينفصل البحث عن الهوية بالمعنى الثقافي عن هوية النوع الأدبي الذي اختاره الروائيون ليعبروا من خلال مواضعاته الفنية عن رؤاهم أو حتى من خلال الثورة على هذه المواضعات نفسها، للتعبير عن رؤى مغايرة، وكأن وسيلة البحث، وهي البناء الفني الروائي، لا تنفصل عن موضوع البحث وغايته، وكأن الإجابة على سؤال الهوية هى الإجابة التي تتحدد على ضوئها خصوصية الرواية العربية.
إن هذه الخصوصية تبدأ بالمحلية ولا تنتهي عندها، بمعنى توظيف مخزون الذاكرة الثقافية بما تحويه من تراكمات الثراث الشفهي والمكتوب والأساطير وفنون القول والعادات والتقاليد في المكان على تنوعه بين القرية والمدينة والصحراء والسهل والجبل، وعلى اختلاف الزمان بين ماض بعيد وقريب وحاضر ملتبس ومستقبل أكثر غموضا، هذه المكونات يعاد استكشافها على ضوء تغيرات الواقع المتلاحقة دون أن يصاحبها تغير في بنية الوعي الذي يتلقى العالم وضرورة التفاعل مع هذا العالم نفسه بأنظمته المعرفية والتكنولوجية المتطورة، دون أن نفقد خصوصيتنا، ودون أن نكتفي بدور المستهلك المبهور أو الناقم الذي يريد تدمير كل شيء حوله باندفاع دون تدبر العواقب.
الكتاب على جزأين رئيسيين، يضم الجزء الأول ملامح عامة بدت للكاتبة سمات مميزة لتحولات السرد الروائي لدى عدد من روائيينا العرب على امتداد الخرائط من المحيط إلى الخليج، كما كنا نقول، وما زلنا برغم الانقسامات والصراعات والأخطار المهددة لإعادة ترسيم هذه الخرائط في غيبة الوعي العربي اليقظ المستنير.
أما الجزء الثاني فيبرز خصوصية أصوات روائية في إطار المشهد الروائي العربي العام، فتتوقف الدراسات لاستجلاء صور إبداعية، موسعة نسبيا أو مركزة، لدى عدد من كبار كتابنا المخضرمين، كما تتوقف أمام أعمال روائيين من أجيال متوالية يجمعهم رباط حب الكتابة والسفر إلى ممالك الخيال.