جراندول

04/10/2016 - 9:48:27

وجدان حامد

تصدر روايات الهلال في 15 أكتوبر 2016 عددها الجديد، " جراندول" للكاتب البحريني خالد البسًام، الذي وافته المنية والرواية قيد الطباعة. وقد تناول خالد في مؤلفات عدة تاريخ البحرين والخليج العربي، وفي " الجراندول" يتناول أحد الموضوعات المسكوت عنها، فيتناول بعض الجوانب الاجتماعية والثقافية للمهمشين من خلال تجارة الرقيق والبغاء في الخليج العربي وخاصة نموذج " الجراندول" حي الدعارة الأشهر في البحرين في التاريخ القديم.
تدور الأحداث من خلال مجموعة من التلاميذ في الصف الأول الثانوي " حسان، عبدالله، أحمد، موسى.." يعيشون في حي محافظ وسط المنامة ويتعلمون في مدرسة ثانوية للأولاد فقط لا يستطيعون محادثة الفتيات أو ملاقاتهن. وفي تلك الفترة عام 1951 تتحمس "شلة الأنس" لزيارة " جراندول" الشهير في وسط المنامة ومشاهدة ما يجري من أحداث داخله، كانت الفكرة بالنسبة لهم مغامرة مثيرة لم تثنهم عنها تحذيرات ولا نصائح أصدقائهم الشباب الكبار لهم عندما عرفوا بأنهم ذاهبون إلى الحي الشهير.
يسرد الكاتب قصصاً عجيبة وأموراً غريبة عن خطف الفتيات من بلدانهن من خلال عصابات متخصصة واقتيادهن إلى الميناء حيث تنتظرهم سفينة صغيرة مبحرة إلى المنامة. كما يحكي تفاصيل اليوم التي تمر بها نساء الجراندول منذ استيقاظهن وحتى غروب الشمس وأحاديثهن ومسامراتهن صباحا ثم ما يقمن به مساء من زينة وتبرج لإغواء الرجال. وعلى الجانب الآخر تتجمع نسوة كبيرات في السن في بيت صغير عزف عنهن الرجال لكبرهن، أطلق عليهن "العجائز الصغيرات"، يندبن حظهن ويتذكرن حالهن في بيوتهن ووسط زميلاتهن وما كن يحلمن به من مستقبل، وتخضع الفتيات للكشف الطبي من خلال وفد للوكالة البريطانية يزور الحي لتقييمه من حيث الصحة والنظافة يرأسه طبيب. وفي شهر فبراير حيث الأجازات التي تأخذها الفتيات وما يحدث بها من هروب البعض ويتم استقبال غيرهن وتشديد الحراسة عليهن. وكيف أن بعض المهمشين والفقراء كانوا يدفعون ببناتهم إلى ذلك الحي ويطرقون باب أحد منازله ومن هؤلاء "زهور" التي دفعت بها أمها برغبتها إلى "الجراندول" فيقول " جبار" كبير قوادي الحي أن الفتاة لن تأخذ سوى 25 % من المال الذي ستجمعه متعللا بالالتزامات الكثيرة التي تدفع للوكالة البريطانية مقابل الرخصة وأخرى للسكن والأكل والشرب والحماية، ويطلق على الفتاة اسم "جميلة"، ويحكى البسّام كيف أن "جميلة" كانت تكره أمها لما فعلته بها وكيف صارت فيما بعد ملكة جمال عرش " جراندول بلا منازع" فتطالب العاهرات العجائز برحيلها من الحي كله، وهو ما يرفضه القوادون محاولين إخراج العجائز من الحي مقابل إعطائهن أموالا كي يتدبرن حياتهن القادمة، وبالفعل يستطيعون ذلك بعد محاولات عدة ويستبدل العجائز بشحنة أخرى جديدة من الفتيات الصغيرات.
ويشير البسَام من خلال الأحداث إلى تاريخ الحي وكيف انتقلت القيادة فيه من النساء إلى الرجال الذين لم يكونوا سوى خدم وبلطجية يحمون النساء "القوادات" ويأتمرون بأمرهن فيحكي كيف قامت ثورة رجال الجراندول، التي هربت على إثرها القوادات العجائز.
ومن خلال عبدالله يكمل المؤلف حكاياته عن الحي ونسائه، وكيف أن بعض الشباب يقع في حب الغانيات رغم عائلته ومكانته الاجتماعية وثرائه، فيغرق عبدالله في حب " لولوة" ويرسب الشاب الذي كان من الأوائل في التوجيهية، ويتجه بنصيحة فتاته إلى دراسة الإنجليزية في مدرسة الأمريكان ويستطيع الحصول على عمل في شركة النفط وهو لم يصل للعشرين من عمره ويتزوج " لولوة". وتتوالى الحوادث في الحي فتتهم "عائشة" بقتل أحد القوادين وكانت أول جريمة قتل تحدث بالحي، و" قمر" يأتى أبوها لإخراجها من الحي ولا يتسنى له ذلك إلا من خلال قواد مرتش. وبسبب الحوادث المتلاحقة التي توالت على "الجراندول" تضطر الشرطة أن تخضعه لسيطرتها المباشرة بعد أن كانت تترك الحي ومشكلاته لقواديه دون تدخل منها.
ويحدث أن يعرض تاجر ثري " أبو جبارة" شراء الحي بأكمله ويقدم عرضه للوكالة البريطانية في المنامة. ويرفض طلبه من " كيرك جلاس" نائب الوكيل السياسي فيعيد الطلب مرة أخرى فيتقدم الفتيات بإيعاز وإغراء من القوادين بزيادة نسبهن من الأموال التي يحصلن عليها من الرجال بطلب إلى الوكالة اعتراضا على طلب شراء الحي إلا أنهن يكتشفن خداعهن من القوادين الذين يزدادون شراسة في التعامل معهن، وتتكرر حوادث اعتداء وضرب من القوادين على الفتيات تصل أصداؤها إلى جريدة " التايمز" اللندنية فتبرق الخارجية البريطانية للوكالة مستفسرة عما يحدث وتطلب اتخاذ بعض الإجراءات المناسبة كي لا تلطخ سمعة "الدولة البريطانية البهية" في العالم. وقد كان الناس ينظرون إلى علاقة "الجراندول" بالوكالة البريطانية على أنها علاقة وثيقة وتحالف مقدس، إلى أن جاء العقاب المناسب بحريق شب في "الجراندول" بفعل فاعل راح ضحيته العديد من سكانه فبدا وكأنه مكان لقصف قوات ألمانية نازية سوت معظمه مع التراب "وبقي جراندول على هذا الحال طويلا مجرد بيوت محترقة وبشر رحلوا عنها وتركوها للريح والنيران الجديدة والذكريات والمرح والدموع والتاريخ".