تعليقاً علي ملف الكواكب «هروب الأفلام الأجنبية من التصوير في مصر» جاءنا هذا المقال من الدكتور حسن عطية .. فيلق سينمائى فى الجيش المغربي

03/10/2016 - 11:34:03

بقلم: د. حسن عطية

أثار ملف مجلة الكواكب في العدد رقم 3394 الصادر بتاريخ 6 سبتمبر 2016 عن هروب الأفلام الأجنبية من التصوير فى مصر، جدلا كبيرا فى الساحة السينمائية والإعلامية ، لغياب رؤية الدولة كنظام، والحكومة كمؤسسة تنفيذية، لاسيما وزاراتها الخاصة بالثقافة والسياحة والآثار، وكبرلمان مهمته ليست فقط مناقشة ما تعرضه عليه الحكومة من قوانين وموضوعات موقوتة بزمنها الراهن، بل والأهم المشاركة فى تحديث هذا الوطن ووضع رؤية استراتيجية لمستقبله المتقدم .
ودون البكاء على اللبن المسكوب، والذى مازالت القوانين الحكومية تسكبه على الأرض، دون إدراك لقيمته، أقصد قيمة السينما الفكرية والفنية والاقتصادية والسياحية، والتى أدركها قديما رجال السينما المصرية ، ونجحوا منذ بداية تعرفهم على هذا الفن الراقي، فى تحويلها لمؤسسة اقتصادية ضخمة، توازى وتخدم باستوديوهاتها ورءوس أموالها على حضورها الفنى المتميز فى مصر والوطن العربي وامتداده خارجه دوليا، حتى أن إيران كان جزء من تنامي علاقتنا فى النصف الأول من القرن العشرين بها إلى حد المصاهرة، كان بفضل السينما المصرية، لاسيما أفلامنا الغنائية، وأتذكر أنى منذ سنوات قليلة زرت مدينة (دربندخان) الكردية، الواقعة على الحدود الإيرانية العراقية، والتى لا يتعامل أهلها بغير اللغتين الكردية والإيرانية، فوجئنا بمتابعة البسطاء قبل النخب بالأفلام المصرية، وفهم إفيهاتها والتعلق بشخصياتها، حتى أننا فى طريقنا من العاصمة أربيل حتى دربندخان كانت الحواجز الأمنية توقفنا كما هو معتاد فى عدة نقاط تفتيش، وكان ضباط الأكمنة ما أن يعرفوا جنسيتنا المصرية، حتى يسألونا عمن معنا من النجوم، وكان السؤال الرئيسي "معكم الفنان عادل إمام"، فاعتذرنا بأنه ليس معنا، فظهر الامتعاض على وجه ضابط الكمين الأول، ومن باب بث الأمل بقلبه، قلنا له "إنه قادم هذا الأسبوع، وأننا فريقه المصاحب، وفورا فتح لنا الكمين، وصار اسم "عادل إمام" أيقونة المرور السريع فى الذهاب والعودة من كافة الأكمنة .
أما فى المغرب فقد اندهشنا بإصرار الأصدقاء على تنظيم زيارة لنا لما يسمونه (مصر المغربية)، بمدينة (ورزازات) الملقبة بمدينة السينما المغربية، والتى تجد فيها صحراء نيفادا الأمريكية ، إلى جوار معابد أثينا وروما الإغريقية والرومانية القديمة، جنبا إلى جنب ساحات مصر ومعابدها فى العصور القديمة، والتى حتما فوجئ بها المتابع للأفلام العالمية المعروضة فى مصر، والدائرة موضوعاتها فى أجواء ما يعرف بالأزمنة الفرعونية، وخلفيات هذه الأفلام معابدنا العظيمة، وأهلها يلبسون الملابس المصرية القديمة، بينما وجوههم مغربية وبربرية خاصة ، ولكن هذا ليس مهما بالنسبة للجمهور غير العربي، فكلنا فى الشكل عرب، ويبدو أنه لم يعد مهما لدينا أيضا، أو يشغلنا مغربي يقول "أنا أحمس طارد الهكسوس"، كما لم يعد يهمنا الرواج الاقتصادي، الذى قد يدفعنا لعدم الاقتراض من صناديق الدين الخارجية، بجذب الاستثمارات الضخمة التى تحققها شركات السينما المتجاوزة للقارات فى المناطق التى تصور فيها، ومدى ما توفره من نقد أجنبي يدخل البلاد، وفرص عمل لآلاف من الفنيين والكومبارس والعمال، بل وحياة فاعلة وسط المناطق المصور فيها، والقرن والمدن المحيطة بها.
هذا فضلا عن فرص الجذب السياحى، التى يحققها وجود مخرجين كبار مثل : مارتن سكورسيزي وبرناردو برتولوتشي وريدلي سكوت وأوليفر ستون وغيرهم، ويدعمها حضور قوى وحقيقى للحضارة المصرية (غير المقلدة) على الشاشة العالمية .
كنا نعرف هذا الجهد المتميز الذى تقوم به المغرب الشقيق، وصناعته الاقتصادية والسياحية والاجتماعية الضخمة فى مدينة (ورزازات) ومدينة (الدار البيضاء) أخيراً، غير الذي أدهشنا أكثر أن الجيش المغربي لديه مكتب للسينما يشرف على فيلق عسكرى مقيم بثكنة فى مدينة (ورزازات) معد خصيصا للمشاركة كجنود وضباط فى الأفلام الأجنبية المصورة فى المدينة، ويمتلك معدات عسكرية كاملة، ومن كافة العصور، ومدعوما بأسراب من الطائرات وفقا لأزمنة موضوعات هذه الأفلام، وجاهز فى أية لحظة للمشاركة فى تصوير المعارك الحربية، التى يجيدها كعسكرى مدرب، أفضل من أى كومبارس، "لابس مزيكة" كما كنا نقول قديما على الآلاتية غير المدربين فى فرق الجنازات الموسيقية .
المهم أن هذا الفيلق المغربي المعد للمشاركة فى الأفلام العالمية، والذى تفضله جهات الإنتاج لخبرته وسرعة تنفيذه للأوامر، أنه أيضا يقوم بمهمة حماية مجموعات التصوير خلال إقامتها، وأثناء انتقالها بمعداتها ونجومها من المطارات المختلفة لمناطق التصوير عودتها، وهو دخل آخر يدخل خزينة الدولة، ومصدر أمان لشركات الإنتاج المختلفة .
فهل يمكن ان نستفيد مما فعلته المغرب فى هذا المضمار؟ بأن نكون من بعض جنودنا، الذى أنهوا مدة خدمتهم الوطنية فى الجيش، ولا يريدون العودة لأعمالهم السابقة، أو لا يملكون أصلا أعمالا سابقة، نكون كتيبة مدربة، تشرف عليها إدارة الشئون المعنوية بالقوات المسلحة، التى من مهامها إنتاج أفلام خاصة بالجيش المصرى، تميزت أخيراً بالجودة التقنية والرؤي السينمائية الراقية؟، وتدعم جنود هذه الكتيبة فنيا، وترويج وجودها خارجيا، لتكون أحد عوامل جذب للشركات الأجنبية، ضمن عوامل أخرى كثيرة، أشارت إليها حوارات ملف الكواكب المشار إليه .