بين الشيطان «ونوس» والمتصوف «الخواجة عبدالقادر» .. عبقرية الفخرانى المتوهجة

03/10/2016 - 11:27:36

كتبت - هبة عادل

اسأل نفسي كيف لممثل أن يلعب دور الرجل صاحب الكرامات والمعجزات وأن يقدم لنا الشيطان «لابس بدلة» ما لم يكن وراء الإجابة سر اسمه يحيي الفخراني.
العظيم الدكتور الفنان الرائع .. يحيي الفخراني اسمح لي أن أشكرك قبل أن أهنئك وأهنئ نفسي وجمهورك العريض بوجود فنان مثلك علي ساحة الفن المصري والعربي وتقبل مني سطوري القادمة التي قادني إلهامي أن أكتبها علي هيئة خطاب موجه لشخصك الكريم... وما إلهامي إلا بعض مما منحك الله من إلهام يفوق حدود التصور بل والخيال حتي تخرج علينا بهذه الموهبة العبقرية التي جاد عليك الله بها فجودت أنت علينا بأروع الأعمال..
تاريخ
وقبل أن تكون الصحافة مهنتي التي أشرف بها وقد وعيت علي الدنيا أتابع اعمالك واجها دون وعي أو إرادة أو توجيه إلا من نفس تعشق الجمال فأتذكرك تماما في مسلسل «ابنائي الأعزاء شكرا» الشهير بـ «بابا عبده» وأنت بعدك في مرحلة الشباب والشعر المجعد والوجه «الكلبوظ» وبدايات الموهبة الأصيلة داخلك وكبرنا ومعي جيلي وهو يتابعك وعلي مر سنوات العمل والمهنة والخبرة لم اضبط نفسي وقد تركت مسلسلا أنت بطله ولم أتابعه فمن يمكنه أن يسير معك عبر السنوات في المسلسل الشهير «ليالي الحلمية» ويمكن أن يترك لك متابعة عمل تلو الآخر وأنت تنضج وتتوهج.. من مسلسل «لا وللعدالة وجوه كثيرة وعباس الأبيض في اليوم الأسود وابن الأرندلي ... واللي يتربي في عزو والليل وآخره وشرف فتح الباب» إلي آخره من الأعمال البديعة.
ولكن ولا أدري لماذا «خاصة في وقتها» إذ أنني أدركت الآن لماذا لم أحظ بمتابعة مسلسل «الخواجة عبدالقادر» أثناء عرضه عام 2012 رغم حرصي الشديد وأنا أرتب جدول مشاهدة الأعمال الرمضانية كل عام علي أن يكون عمل الفخراني في مقدمتها دون جدال.. ولكني الآن عرفت أنه كان في ذلك حكمة.. وهذا بعد أن تابعت في رمضان الماضي مسلسلك الرائع «ونوس» والذي سنخوض غمار الحديث عنه مطولاً وبعد حالة الاستمتاع بهذا العمل... قادني حظي السعيد بعد رمضان بفترة لم تبرحنى فيها إثارة حالة الاستمتاع الممتدة بدور «ونوس» لتأتي إحدى القنوات الفضائية معلنة عن إعادة مسلسل «الخواجة عبدالقادر».
انبهار
الذي جلست أتابعه وأنا أغوص بكل جوارحي في حالة من الانبهار الذي افهمني حكمة تأخير مشاهدتي لهذا العمل الرائع... إذ أن متعة المقارنة وخلق روابط واستنتاجات بين ونوس والخواجة كان لها وقع ومذاق كنت سأحرم منه كثيرا لو أنني شاهدت الخواجة قبل سنوات.
بداية كنت أيام هذه الحالة الممتدة من العبقرية في التكامل التام بين هذا الثالوث شديد التميز حيث الفخراني الأب وشادي الفخراني الابن والمخرج والبديع الموهوب السيناريست عبدالرحيم كمال.
وكيف أنهم ثلاثة رجال تسير حاملة روح وثابة منطلقة مندفعة نحو الاكتمال بشكل يحسدون عليه.
فيما لا يمكن أبدا أن ننسي عملهم الرائع «دهشة» المأخوذ عن المسرحية العالمية «الملك لير» والتي قدم فيها الفخراني دور الأب الصعيدي باقتدار لا يباري وهو الذي كان قد سبق وقدمها علي خشبة المسرح القومي لسنوات.
ولا ننسي أيضا مسلسل «شيخ العرب همام» ونجاحه الساحق بالنص الذي كتبه أيضا عبدالرحيم كمال وفي كل مرة من المرات نجد الفخراني بشكل وهيئة وملابس ولهجة جديدة ومتجددة ومتوهجة ومتألقة .. إلي حد يجعلني أقول إنه لو أن هناك عدداً محصورا من أدوات التمثيل.. فأنت أيها الفخراني لا ينقصك واحدة منها بل أنت تزيد من عندك علي الكثير من أدوات أي عمل تتقمصه وتضيف له من الخبرة ما لا يمكن حصره.
مقارنة
..وإذا عدنا إلي عقد هذه المقارنة الممتعة بين هذين الدورين اللذين اتحدث عنهما حيث الفجوة الشاسعة بين أو الشخصيتين اللتين تقدمهما بين الخواجة عبدالقادر ... ذلك الرجل العفوي الطيب البسيط الزاهد - المتصوف - الشفاف - المتواضع - العاشق وبين «إبليس» نفسه والذي جسدته في دور واسم «ونوس».
ومع بساطة ومباشرة الجملة والتي يستوقفني معناها العميق كثيرا وهي أن التمثيل هو فن «السهل الممتنع» إلا أن بساطة العبارة لا يجردها من صفة التأمل ولذا اسمح لنفسي أن اسأل كيف للممثل أن يلعب دور الرجل صاحب الكرامات والمعجزات والمقامات الرفيعة أن يقدم لنا الشيطان «لابس بدلة»!! ما لم يكن وراء الإجابة سر اسمه يحيي الفخراني.
سر.. يجعل كل من حوله وكأنه يدور في فلكه فنجد هالة صدقي وهي في حالة مختلفة تماما عن هالة التي نعرفها.. حتي أن هالة نفسها تقول عن تألقها وأدائها لدور الأم انشراح في مسلسل ونوس .. إنها غيرت جلدها من أجل عيون الفخراني ونجد حنان مطاوع أيضا والتي أكد النقاد علي ارتفاع أدائها أمام الفخراني تقول: الفخراني بالتأكيد هو نجم النجوم نتعلم منه الكثير فنياً وإنسانيا ونتعلم كيف نذاكر الدور جيدا ومعه نضمن أننا «متشافين» بشكل جيد جدا فالجمهور يتابع وهو ضامن أعلي مستوي من الاحتراف وفي هذا الإطار نجد كيف أن الفخراني «يعلي» من أداء أي ممثل يقف أمامه في مباراة شديدة الابهار... فالحال نفسها كما نجدها في أبطال ونوس.. لا سيما نصفه الآخر في العمل.. أو البطل المقابل له طبقا للحبكة الدرامية والصراع الأزلي بين الخير والشر لنجد نبيل الحلفاوي عملاقا بكل المقاييس والمعايير يقدم النفس الإنسانية التي تميل بفطرتها إلي الجنوح للسلم والخير ولكن سطوة الشيطان وجبروته تظل حجر عثرة أمام هذه المحاولات.
إتقان
ونفس الملاحظة نرصدها أيضا له في مسلسل «الخواجة» حيث نجد نظيره هنا وبالعكس فحيث لعب الفخراني دور الخواجة المتدين الطيب نجد أمامه العدو الشديد الذي قدمه بإتقان شديد الفنان الكبير أحمد فؤاد سليم ونجد عبقرية محمود الجندي الذي يقدم من خلال الأحداث التي جاء سردها علي الشاشة في إطار لا يمكن تجاهله.. وكيف كان المزيج الرائع الذي صاغه المبدع عبدالرحيم كمال بأسلوب الفلاش باك... بين كمال الطفل الصغير الذي تتلمذ علي يد الخواجة عبدالقادر الذي كبر ليكون النجم محمود الجندي الذي يحكي لأسرته عن الخواجة الراحل وكراماته وقصة حياته وحبه وكنا نري في المسلسل وفي الحلقة الواحدة مشاهد متتالية حيث كمال الطفل مع الخواجة وكمال بعد رحيل الخواجة والخواجة نفسه قبل أن يأتي إلي السودان أو وهو في السودان حيث أسلم علي يد الشيخ السوداني ورفاقه كل هذا في نسيج من خيوط من حرير لا يفلت فيها الإيقاع لحظة واحدة أو طرفة عين.
أدوات الإبهار
وكنت قد خشيت في البداية عندما كان الخواجة يتحدث العربية بالفصحي ثم تحول إلي العربي «المكسر» ولكن سرعان ما ألفته أذني بل عشقت هذه اللهجة التي ذابت بين طيات أداء الفخراني والتي إذا أضفنا لها عنصر الشكل وتلونه الرهيب وكيف أن الفخراني يقوم بفرد شعره وكيه ليكون نموذج الرجل الأوروبي بملامحه الشقراء .. وتقارن بين أداء العيون وزوايا النظر في شخصيتي الخواجة وونوس لنتوقف مشدوهين غير مصدقين أنهما في الأصل شخص واحد... اتخيل أن د. يحيي نفسه عندما يؤدي شخصية ما يتماهي في خباياها وتفاصيلها حتي أنه ينسي شخصيته الأصلية لدرجة أن تصوري الذي قد يصل إلي حد اليقين إنه يعيش في منزله في غير أوقات التصوير بهذه الشخصية التي يلعبها.. وبين قبعة الخواجة عبدالقادر و«كاسكتة» الشيطان ونوس أو تحتهما بمعني أدق تكمن عشرات وعشرات التفاصيل .. فمثلا نجد «المشية» بالقوام المترهل والمنكب علي نفسه وعلي الأرض التي أتي منها في الخواجة عبدالقادر حيث الرجل غير المحب للحياة متمنيا الموت والذي يعيش تعيسا مع زوجة لا تفهمه ثم رحلة تحوله إلي عاشق لفتاة صعيدية يرفض أخوها الأكبر تزويجه إياها فهو المقهور دائما الا في لحظات تصوفه وتوحده مع حالة العشق الإلهي علي عكس ذلك نجد خطاه الواثقة والثابتة في ونوس وهو يسعي ليعيث في الأرض فساداً ويحاول غواية كل من حوله من أبطال العمل.
صدق
ونري كيف يستطيع بالشر أن يستميل
قلب هالة صدقي في «ونوس» وكيف يستطيع بالحب والطهر أن يستميل قلب السورية سولاف معمار في «الخواجة» وفي الحالتين أنت تصدقه وتعشقه وتنبهر به.
- تصدق أن الشخص الذي يكره الحياة ويشرب الخمر ويتمني الموت هو الذي يحبها ويموت فيها من أجل حبيبته وهو أيضا الذي يستطيع تدمير من حوله إذا أراد.
- تصدق أن العيون التي تملؤها براءة الطفل يمكن أن تكون عيون ذئب متوحش يريد افتراس كل من حوله.
- وأخيراً وليس آخراً.. في الختام اعود لاشكرك واهنئك وأضم صوتي مع أصوات الجميع... يا أيها الفخراني .. نصدقك ونعشقك دائما في انتظارك مع كل إبداع قادم جديد وكل مسلسل وأنت بألف خير.