أعظم عبقرية موسيقية فى القرن العشرين .. سيد درويش قدم أروع الألحان ولم تعرف قيمته إلا بعد الرحيل

03/10/2016 - 11:23:17

كتب - خالد فؤاد

فى مثل هذا الشهر منذ 93 عاما وتحديدا فى يوم 15 سبتمبر 1923 ووسط الاحتفالات الشعبية التى أقيمت بمدينة الإسكندرية لاستقبال الزعيم الخالد سعد زغلول برائعة (بلادى بلادى) انتشر خبر وفاة صاحب هذه الأغنية الخالدة التى تحولت فيما بعد لنشيد مصر الوطنى حتى اليوم .
المفاجأة المؤلمة هى عدم اكتراث غالبية أهل مصر بخبر الرحيل ، فلم يكن أحد يدرك أهمية وقيمة هذا الموسيقار الشاب الذى ودع عالمنا وهو فى ريعان الشباب (31 عاما) ، ولعل أكبر دليل على هذا عدم مشاركة أحد فى تشييع جنازته اللهم إلا عدداً قليلاً جدا من الأهل والأصدقاء.
فلم يكن أحد على الإطلاق يتوقع أنه بعد مرور بضعة أعوام على الرحيل سيتم إدراك قيمته بأنه أعظم عبقرية موسيقية مصرية ظهرت في العصر الحديث .
وبحسب موقع «بيت الموسيقي» المعني بتاريخ رواد الموسيقي بمصر والعالم العربى فقد أورد أن سيد درويش ولد في الساعة التاسعة من صباح يوم 17 مارس عام 1892 بحي كوم الدكة بالإسكندرية..
كان أبوه درويش البحر بحاراً فقيراً له ورشة صغيرة في كوم الدكة وكانت أمه اسمها (ملوك) كانت سيدة من أسرة فقيرة أيضاً.
ويعد حي كوم الدكة الذى ولد ونشأ فيه من الأحياء الشعبية الفقيرة يسكن فيه عمال المعمار من بنائين ونجارين ونقاشين.. الخ، ولهذا الحي تاريخ مجيد في النضال الشعبي ضد الغزاة الأجانب وضد الولاة الأتراك.
حفظ القرآن
كان أبوه يريد أن يراه شيخاً معمماً يحفظ القرآن ويجوده وأدخله كتاب حسن حلاوة بالحي نفسه فتعلم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ قسطاً من القرآن الكريم وكان شغوفاً في طفولته بالاستماع الى الشيوخ الذين يحيون المولد النبوى الشريف ويقوم بتقليدهم أمام أطفال الحى .
وفي سن العاشرة كان قد أجاد القراءة والكتابة وحفظ قسطاً كبيراً من القرآن وعندئذ توفى أبوه فصممت أمه على أن يتم تعلمه كما أراد أبوه ونقلته الى مدرسة أولية تصادف من كان فيها معلم يهتم بتحفيظ الأطفال الأناشيد الدينية والقومية واسترعى الطفل سيد درويش انتباهه فخصه بعنايته وجعله يقود الأطفال في ترتيل الأناشيد، ونمت معه موهبته وخرج من حدود الحي وأصبح يرتاد الأحياء الشعبية الأخرى ويستمع الى مشاهير الشيوخ والمطربين الذين يحيون الأفراح والموالد الدينية واشترت له أمه ملابس رجال الدين وهو غلام في الثالثة عشرة من عمره وتقدم للالتحاق بالمعهد الديني التابع لأحد مساجد الإسكندرية وهو مسجد (المرسى ابوالعباس) لكي يتم حفظ القرآن وتجويده، وكان شغوفاً بالقراءة والاطلاع ويقرأ كل ما يقع في يده من كتب وصحف عربية.
وفي سن الرابعة عشرة وجد أنه يستطيع أن يكسب عيشه وعيش أسرته من الغناء في الأفراح والموالد بما حفظه من التواشيح والأناشيد الدينية فتوقف عن الدراسة وتفرغ للغناء والإنشاد فكان يقوم بتقليد مشاهير الطرب والقراءة فى هذا العصر .
عامل معمار
وجاءت الأزمة الاقتصادية العالمية في سنة 1907 ليعانى الفنانون من كساد كبير وأصيبوا بالبطالة، ولكون سيد درويش كان قد أصبح المسئول الاول عن أمه وشقيقاته فقد خلع ملابس الشيوخ واشتغل مع عمال المعمار مساعد نقاش مهمته أن يناول النقاش المونة، وفي أثناء العمل كان يغني فكان العمال الذين يشتغلون في البناء يطربون أشد الطرب ولاحظ المقاول أن العمال ترتفع معنوياتهم ويزيد إنتاجهم إذا كان العامل سيد درويش يغني لهم، فطلب إليه أن يتوقف عن العمل وأن يكتفى بالغناء للعمال .
وكان أمام العمارة التي يعمل بها مع زملائه مقهى متواضع تصادف أن جلس فيه ممثل اسمه أمين عطا الله (وكان ذلك سنة 1908) شقيق سليم عطا الله صاحب الفرقة التمثيلية التي تعمل في الإسكندرية وسمع صوت هذا العامل الفنان وسرعان ما تقدم إليه وعرض عليه العمل في فرقة أخيه ولم يتردد سيد درويش والتحق بالفرقة ليغني مع الكورس وليؤدي منفرداً بعض الأغاني بين فصول المسرحية .
غناء وإنشاد
وفي السنة نفسها سافر مع الفرقة الى لبنان ولكن الفرقة فشلت ولم تلق إقبالاً بسبب سوء الأحوال الاقتصادية وتشتت أفراد الفرقة وظل سيد درويش ببيروت ودمشق وحلب يكسب عيشه بقراءة القرآن في المساجد ويبحث عن أساتذة الموسيقى ليتعلم منهم أصول الموسيقى الشرقية ويحفظ عنهم التراث القديم كله.
وبعد أن قضى في الشام قرابة تسعة أشهر عاد الى الإسكندرية واستمر يشتغل بالغناء والإنشاد في الأفراح والموالد والمقاهي الشعبية حتى أعاد سليم عطا الله تأليف فرقته التمثيلية سنة 1910 فانضم سيد درويش إليها.
ثم سافر مع سليم عطا الله الى لبنان في رحلتها الثانية التي نجحت هناك نجاحاً مكنه من البقاء هناك فترة أطول (أكثر من سنة) حضر فيها كبار أساتذة الموسيقى ومنهم ندوات وأمسيات لـ «الشيخ إبراهيم الموصلي» استكمل فيها دراسة علوم الموسيقى العربية وحفظ عن ظهر قلب حفظاً كاملاً كل التراث العربي، ثم عاد الى الإسكندرية سنة 1912 واستمر يعمل في الأفراح والمقاهي الشعبية لينتشر ويتمتع بشهرة كبيرة وبدأ يجاهر بأنه ملحن ويقدم للناس ألحانه بنفسه وكانت تقابل بالاستحسان وتنتشر على ألسنة الناس.
فرقة سلامة حجازى
وجاءت أخباره الى القاهرة وتردد اسمه في الأوساط الفنية فكان كبار فناني القاهرة إذا زاروا الإسكندرية يبحثون عن المقهى الذي يغني فيه الشيخ سيد درويش ليسمعوه، ومن هؤلاء الفنانين المغني المشهور الشيخ سلامة حجازي الإسكندرانى الأصل الذي كان صوته أجمل وأقوى الأصوات في عصره .
فقد سمع سلامة حجازي صوت سيد درويش وألحانه فذهل وتعرف به وشجعه على الحضور الى القاهرة ليقدمه على مسرحه، وفعلاً حضر سيد درويش وقدمه سلامة حجازي للجمهور بين فصول الرواية التي كانت تمثلها فرقته وغنى سيد درويش من ألحانه غناء لم يكن مألوفاً وقتها ولكن الجمهور لم يرض عنه خصوصاً وأن صوته لم يكن في جمال صوت سلامة حجازي فقوبل بالصفير والاستهجان مما جعل سلامة حجازي يخرج من خلف الستار ليقول للناس إن هذا الفتى سيكون عبقري المستقبل ولم يكن يأخذ أحد كلامه على محمل الجد.
الحرب العالمية
وحزن سيد درويش لفشله وعاد الى الإسكندرية واستمر يعمل فيها سنوات الحرب العالمية الأولى وكان إذا كسد سوق الغناء ينتقل الى العمل عاملاً أو كاتب حسابات في متجر للأثاث القديمة يملكه زوج أخته الكبرى.
خلال عمله الغنائي هناك كان اسمه يتردد في القاهرة على انه ملحن صاحب اتجاه جديد في التلحين، وكانت في القاهرة فرق تمثيلية عدة بعضها يقدم ألواناً هزلية مطعمة بأغان موزونة على (قده) ألحان بسيطة يونانية أو تركية وبعضها يقدم مسرحيات درامية او تراجيدية، وفي هذه الأخيرة كانت توجد فرقة الممثل التراجيدي الكبير جورج أبيض الذي ضعف الإقبال عليها لأن أحزان الحرب كانت توجه الناس الى اللون الكوميدي للتسلية والترفيه عنهم، ورأى جورج أبيض أن يحول فرقته الى اللون الكوميدي الاستعراضي الغنائي واستدعى سيد درويش من الإسكندرية وكلفه أن يلحن له أول أوبريت باسم (فيروز شاه) .
نجيب الريحانى
وقبل سيد درويش هذه المهمة وانتقل الى القاهرة وألف ألحان هذا الأوبريت الذي كان شيئاً جديداً تماماً على الموسيقى العربية، ولم تلبث أن أخذ الناس يرددونها وخصوصاً الفنانين المشتغلين في المسارح الغنائية الأخرى وسمع الفنان الكبير نجيب الريحاني بعض أفراد فرقته يغنون في أوقات راحتهم بين البروفات ألحاناً غريبة وجديدة فسألهم عنها ولما عرف قصة هذا الملحن الجديد أسرع بالتعاقد معه ليلحن ثاني أوبريت واسمه (ولو).
وكانت ظاهرة غريبة إذ انتشرت ألحان هذه الرواية الثانية انتشاراً هائلاً حتى كان يرددها الأطفال في الشوارع والعمال في المصانع والفلاحون في حقول الريف، ولذلك تهافت عليه أصحاب الفرق فكان يؤلف لهم ما يطلبونه إذ أعجبه موضوع الرواية وأعجبه الشعر الشعبي للألحان.
وكو سيد درويش فرقة خاصة باسمه قدم بها روايتين أحداهما باسم (شهرزاد) والثانية باسم (البروكة)، وكان يؤدي بنفسه دور الفتى الأول.
ووضع ألحان 22 اوبريتاً.
وفي حياته الفنية بين الإسكندرية والقاهرة ألف عشرة أدوار للتخت، وهي عبارة عن سيمفونيات عربية و17 موشحاً على النمط القديم ولكن بروح جديدة ونحو 50 طقطوقة وهي الأغاني الخفيفة .
وقدم أروع الألحان مثل: أنا هويت وانتهيت وليه بقى لوم العزول، وضيعت مستقبل حياتى فى هواك وزرونى كل سنة مرة.
آخر زوجاته
وبعد حضوره للقاهرة التقى بأكثر من مطربة وعملن معه كبطلات لأوبريتاته الغنائية وأبرزهن حياة صبرى، التى أجرى الكاتب الصحفى يوسف الشريف لقاء نادرا معها، بعد أن هجرت الأضواء فلم يكن يعرف أحد مكانها سوى أربعة أشخاص فقط هم، الشاعر والكاتب الكبير كامل الشناوى، والملحن والممثل عبدالعظيم عبد الحق، والفنان عبدالعزيز خليل، والفنانة الكبيرة نجمة إبراهيم.
ويقول يوسف الشريف فى كتابه (مما جرى فى بر مصر) الذى صدر عن دار الشروق .. إن عبدالعظيم عبد الحق هو الذى دله على مكانها واسمها الحقيقى عائشة عبد العال وهى من مواليد الإسكندرية وتزوجت سيد درويش بعقد عرفى فى أواخر أيامه.
ووصفته قائلة : كان عقله سارحا دائما، وكان ايضا كريما جدا، يأخذ عربون الأوبريت 100 جنيه، ويسهر أصحابه معاه ويصرف عليهم كل المبلغ فى ليلة واحدة، كان وجيها زى القمر وشهما ويكره الوحدة .