نوبة الضحك التى شهرتنى

03/10/2016 - 11:15:08

عبدالغنى السيد عبدالغنى السيد

بقلم : عبدالغنى السيد

كان هذا في بدء حياتي الفنية وقد استطعت أن أتعاقد مع السيدة منيرة المهدية وكانت في ذلك الوقت مطربة مصر الأولي التي بلغت المجد تعاقدت معها علي أن أغني بعض المقطوعات بين الفصول وذهبنا إلي الإسكندرية لتقدم منيرة أحد مواسمها وذات ليلة وجهت الدعوة لبعض اصدقائي ليسمعوني وأنا أغني فلبوا الدعوة ووجدت ما وراء الكواليس هائجا مائجا الكل يتحدث عن «الست» التي تشاجرت مع الممثل اسكندر منسي الذي تجاسر ورفع صوته عليها وهي تتحدث إليه وقد غضبت «الست» منيرة لجرأته وأقسمت بكل عزيز أنه لن يقف علي خشبة المسرح في تلك الليلة.
وقالت الست منيرة:
- لما يجي الولد الجديد... خليه يجي في حجرتي
وما أن دخلت حتي قال لي ريجسير الفرقة:
- اتفضل يا أستاذ كلم الست!
ودخلت لاجدها في ثورتها وهدأت من ثورتها وهي تقول:
اسمع ياعبدالغني أنت الليلة حاتعمل دور علي المسرح، اسكندر مشي وأنت لازم تقوم بدور السلطان!
واحسست بدوار وهي تتحدث إلي لم أكن وقفت من قبل علي المسرح ممثلا فكيف أقف الليلة وبغير مران ولا خبرة؟!
وحاولت أن أفتح فمي لاتكلم فقالت لي بلهجة الأمر:
- روح للماكيير والبس فاضل تلت ساعة علي رفع الستار ولم أجد بدا من الطاعة وذهبت إلي غرفة اسكندر فلبست الثياب التي أشاروا بها عليّ ثوب فضفاض له ثقل «اللحاف» وهو مزركش كملابس اليابانيات وعمامة عالية يخيل إلي أنها ستصطدم بالسقف أن سرت بها وسألت المخرج عن دوري فقال لي:
- اسمع اللي حا يقوله لك الملقن قوله وراه أنت رجل مطرب وودنك حساسة تقدر تلقط كل حاجة!
كنت في ذهول عما حولي حين دق مدير المسرح دقاته الثلاث التقليدية ووجدتني قزما بجوار المقعد الضخم فلما أشار لي المخرج اتجهت إليه وجلست فاختفيت بين مسنديه العمامة فقط هي التي كانت ترتفع إلي أعلي وتثبت وجودي وحانت مني التفاتة إلي الصالة فوجدت في الصف الأول منها اصدقائي يضحكون وكان أمامي بعض الممثلين الذين يتحدثون في أصوات عالية تصم الآذان وعرفت أن اصدقائي يضحكون من منظري ويضحكون من أنني غررت بهم وقلت لهم إنني أغني...
ووجدتني أريد أن أضحك ولكني غالبت الضحك وحاولت أن أحصر ذهني فيما أمامي وفجأة سقط رجلان كانا يمثلان أمامي سقطا علي الأرض بجوار مقعدي الذي فهمت من الحوار أنه عرش وسمعت الملقن يقول: خذوهما ليشنقا ... خذوهما!
كان ينظر إليّ، أما أنا فكنت أنظر إلي الممثلين اللذين استلقيا علي الأرض ثم أنظر إلي اصدقائي الذين يضحكون وجاهدت كثيرا لأغالب الضحك فلم استطع وكان الملقن لا يكف عن الصراخ بعبارته التي يجب أن أقولها وخيل لي أن شيئا ما قد يحدث لي إذا لم أضحك... فضحكت!
ضحكت والجمهور لا يتوقع غير أن آمر بشنق الوغدين المستلقين علي الأرض والملقن يشد شعره ولم أضحك لثوان أو لدقيقة إنما استغرقت في الضحك!
وهنا رأيت الستارة تسدل... وتقدمت مني منيرة وفي عينيها شرر ثم مضت ففتحت الستارة بيدها ووقفت خارجها لتتحدث إلي الجمهور وتقول له:
- الأستاذ عبدالغني السيد مطرب مش ممثل واحنا اضطرينا ندي له دور ممثل غاب النهاردة..
واستدارت منيرة لتواجهني كانت خطورة الموقف قد جعلتني أكف عن الضحك وقالت لي منيرة:
- اسمع يا جدع أنت ... أنت تعتبر نفسك مفصول لو ما قمتش بالدور ده الليلة احنا حانبتدي الفصل من أول وجديد وإياك أن تضحك وساد المسرح هرج ومرج وجاءني الملقن ليقول لي أنه سيرفع صوته أكثر من ذي قبل لأستطيع سماعه ومرة أخري رفعت الستارة ومضيت إلي مقعدي في عظمة وحانت مني التفاتة لاصدقائي فوجدتهم يضحكون وعاودتني نوبة الضحك ولكني كتمتها وأبعدت عيني عنهم وتتابعت الحوادث أمامي وما أن سقط علي الأرض الرجلان اللذان سآمر بشنقهما حتي تجمع الضحك في صدري دفعة واحدة فانفجرت ضاحكاً.
ونزلت الستارة وكنت أريد أن اتجه إلي غرفة الملابس فأخلع ثياب السلطان وأغادر المسرح ولكني فوجئت بمنيرة المهدية وهي تقول لي: استعد علشان تغني ياعبدالغني الغلطة دي غلطتنا إحنا!
وكتبت كل الصحف عما حدث في مسرح منيرة المهدية وفي الليلة التالية كانت الجماهير تتدافع نحو شباك التذاكر لتري المطرب الذي مثّل وربك المسرحية والممثلين!
الكواكب العدد 232 - 10 يناير 1956