إن هذا الشعب جاء موعده مع القدر..: ولايزال ناصر محمولاً على الأعناق وفى القلوب

30/09/2014 - 10:51:59

عبدالناصر عبدالناصر

كتب - د. عاصم الدسوقى

هناك شخصيات فى تاريخ الأمم يظل اسمها محفورا فى ذاكرة شعوبها أبد الدهر مهما توالت الشئون وتعاقب الحكام، ومن ذلك وعلى سبيل المثال: غاندى فى الهند صاحب فلسفة "الساتياجراها" أى المقاومة السلمية للاحتلال البريطانى (اللاعنف)، وشارل ديجول فى فرنسا مؤسس الجمهورية الخامسة (1958) حيث نحت الفرنسيون من اسمه مصطلح "الديجولية" ليعبر عن الاستقلال والبعد عن التبعية لأمريكا، وإبراهام لينكولن فى أمريكا الذى خلع عليه دعاة حقوق الإنسان لقب "محرر العبيد"، ونيلسون مانديلا فى جنوب إفريقيا رمز مقاومة العنصرية.


وفى مصر يذكر المصريون أحمد عرابى ومقولته الشهيرة للخديو توفيق "لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا أو عقارا .."، ويذكرون لمصطفى كامل قولته "لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا، ومحمد فريد الذى قال: مصر للمصريين لا للترك ولا للإنجليز، وسعد زغلول: الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة، ويقدرون نضالهم من أجل الحرية، لكن ذكرهم يأتى عرضا فى مناسبة معينة على طريقة الشيء بالشيء يذكر، وينتهى الأمر.


أما جمال عبد الناصر فإنه ينفرد عن أولئك الذين من قبله فى أنه لا يزال يعيش فى قلوب الغالبية الغالبة ليس فقط من المصريين باعتباره نصير الفقراء، بل من العرب فى كل مكان رمزا للوحدة والدفاع عن حقوق الفلسطينيين، وبين شعوب العالم الثالث رمزا لتحدى أطماع الغرب الإمبريالى فى المنطقة. ومن دلائل هذه الحيوية رفع صورته فى المظاهرات الجماهيرية التى تتحرك فى مختلف أنحاء العالم حين يكون الموضوع خاصاً بحق الفلسطينيين فى دولتهم، أو بشأن التحرر من التبعية للنظام العالمي، وأن شخصيته لا تزال ساكنة فى نفوس المصريين، يستحضرون مواقفه فى الكوارث السياسية والاجتماعية التى شاهدوها تحت حكم السادات-مبارك إلى أن عثروا على ضالتهم فى شخصية عبد الفتاح السيسى حين لمحوا فى مواقفه بعض معالم سياسات العدل الاجتماعى والدفاع عن كرامة مصر، فرفعوا صورته إلى جانب صورة جمال عبد الناصر. وهذا هو ذكاء المصريين الفطرى الذى يجعلهم يميزون بين الطيب والخبيث دون ضغوط أو مجاملة.


لماذا أصبح عبد الناصر هكذا شخصية خالدة فى التاريخ ومحل احترام الخصوم والأعداء قبل الأصدقاء وخاصة فى بلده مصر ومحيطها العربى الإفريقى؟.


لم تأت هذه المكانة التى تمتع بها عبد الناصر عفو الخاطر، بل لقد كانت نتيجة التقاء الفرصة (نجاح الثورة) بالموهبة والاستعداد فتحقق له المجد، أو طبقا لعبارته الشهيرة: إن هذا الشعب جاء على موعده معه القدر. وفى هذا الخصوص قدر له أن يصنع تاريخا لمصر بقلب الأوضاع القائمة كلها لصالح الطبقة الوسطى وعامة الفلاحين والعمال، وشق تيار واقعية جديدة انتقل بمقتضاه العمل السياسى من قلاع الارستقراطيات وأبراجها إلى حدود الحارة والقرية. وكانت البداية بقانون الإصلاح الزراعى (9 سبتمبر 1952) الذى استهدف تجريد كبار ملاك الأراضى الزراعية من مصدر القوة فى القرية ومن مصدر السلطة السياسية فى المدينة، وتخفيض إيجارات المساكن التى بنيت من أول يناير 1944 بنسبة 15% (17 سبتمبر 1952)، وأيضا بإصدار تشريع فى ديسمبر من نفس العام بمنع الفصل التعسفى لعمال الصناعة (أى الاستغناء)، فاطمأن العمال على مستقبلهم.


ولضمان استقرار البعد الاجتماعى للثورة، كان لابد من التخلص من القوى السياسية القائمة الممثلة فى الأحزاب التى تمثل مصالح الأغنياء فى المقام الأول. ومن هنا كان إلغاؤها (17 يناير 1953)، ثم إعلان الجمهورية (18 يونيه 1953). ثم حدث صراع على استقرار السلطة بين جمال عبد الناصر القائد الحقيقى لتنظيم الضباط الأحرار وبين محمد نجيب الواجهة الرسمية للتنظيم، انتهى لصالح الثورة فيما عرف بأزمة مارس 1954، وهى الأزمة الى لا يزال خصوم عبد الناصر يعتبرونها أزمة الديموقراطية مع أنها كانت أزمة القوى السياسية القديمة مع الوضع الجديد، حين نجحت تلك القوى فى احتواء محمد نجيب فى صفها حين أخذ يتحدث بلسانها ويردد عبارة عودة الجيش للثكنات وعودة الأحزاب للحكم، وكأن شيئا لم يحدث ليلة الثالث والعشرين من يوليه (1952).


ثم نجح جمال عبد الناصر فى إزالة الوجود البريطانى من مصر وهو ما أخفق فيه السياسيون منذ الاحتلال وأصبح يوم 18 يونيه 1956 عيد الجلاء. ثم ما كان من دخوله معركة البناء والتنمية الاقتصادية وتسليح الجيش بصفقة السلاح مع تشيكوسلوفاكيا (سبتمبر 1955)، ورفض الانضمام إلى الأحلاف التى ترتبها أمريكا فى المنطقة، وهنا أصبح عبد الناصر بالنسبة للغرب الأوربى-الأمريكى زاوية حادة فى التوازنات الدولية يتعين كسرها أو إزالتها، وفى أحد تقارير الأمن القومى الأمريكى (فبراير 1956) قيل للرئيس آيزنهاور: إنه لا بد من توجيه ضربة للجيش المصرى قبل أن يتدرب على السلاح الجديد الذى أخل بتوازن القوة مع إسرائيل.


ثم ما كان من إنشاء القطاع العام (1961)، ليقود اقتصاد السوق والخدمات والإنتاج، وأصبحت الدولة مسئولة عن تعيين خريجى الجامعات وحملة الدبلومات المتوسطة فى سائر شركات ومؤسسات القطاع العام، مما أدى إلى تدعيم الطبقة الوسطى التى أصبح ولاؤها لا تردد فيه للثورة. ومن ناحية أخرى حققت الثورة بهذا الإجراء سلاما اجتماعيا منشودا وحالت دون انحراف شباب الخريجين نحو تيارات مناوئة. ويكفى التأكيد فى هذا الخصوص على أن الفلاح المصرى الذى قال له عبد الناصر: ارفع رأسك يا أخى فقد انقضى عهد الإقطاع، لم يبرح أرضه تحت ضغط ظروف اقتصادية، وأن العامل المصرى الذى أمن على مستقبله من فصل صاحب العمل له فى أى لحظة ولأى سبب لم يهجر وطنه بحثا عن لقمة العيش، وأن جميع المصريين فى زمن الهزيمة (1967) كانوا يجدون قوت يومهم وعلاج مرضاهم والترويح عن أنفسهم بالسعر المناسب مع الدخل المحدود وأنهم لم يشعروا بالتضخم الاقتصادي.


ومن باب حماية أهداف الثورة اندفع عبد الناصر بكل قوته للمشاركة فى تأسيس تجمع ثالث فى العالم ألا وهو حركة الحياد الإيجابى وعدم الانحياز فى باندونج إبريل 1955، وكان قوام هذه الحركة الجديدة مستعمرات الغرب فى العالم الثالث التى حصلت على استقلالها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وبطبيعة الحال رأت الكتلة الشرقية فى هذه التجمع الجديد حليفا طبيعيا ولو من باب التكتيك، أما الدوائر الغربية فقد وصفت هذا التجمع بأنه انتهازى ولا أخلاقي.


وفى هذا السياق أدار عبد الناصر حركة الوحدة العربية والصراع مع إسرائيل باعتبارها عقبة فى سبيل الوحدة، وإليه ينسب فضل التعظيم من شأن قضية الفلسطينيين والانتقال بها من مشكلة لاجئين تبحث الأمم المتحدة عن وسيلة لإعاشتهم إلى أن تكون قضية المصير العربى المشترك. ومن هنا احتضانه المقاومة الفلسطينية التى تمثلت فى حركة "فتح" كبرى المنظمات الفلسطينية، والأكثر من هذا تحديد علاقة مصر بدول العالم على أساس موقف هذه الدول من القضية.


ولا شك أن صك شعار "حرية-اشتراكية-وحدة" بعد انفصال سوريا من الوحدة مع مصر (الجمهورية العربية المتحدة)، يمثل نضجا ملحوظا عند عبد الناصر فى ترتيب خطوات حركة التحرر الوطنى والاجتماعى العربي، بل إن تحقيق الوحدة السياسية على أساس التنظيم الإشتراكى للاقتصاد يمثل إضافة فى نظرية القومية، ذلك أن الفكر الماركسى يرى فى حركة القومية حركة البورجوازية من أجل السوق.


وفى ذكرى رحيله يكون من المناسب استدعاء بعض المواقف والأقوال التى يتبين منها مدى تمسكه بالعزة والكرامة والإرادة الحرة المستقلة. فقد كان يعى أساليب الاحتواء ويفهم لغة الغرب الناعمة للوصول إلى هدفها حتى لقد كان يقول: «إذا أعدائى اللى أنا عارف إنهم أعدائى مدحونى .. فمعناه إنى ماشى غلط (أى فى طريقهم) .. وطول ما بيشتمونى فمعناه إنى ماشى صح».


وفى الأزمة التى حدثت بعد تأميم قناة السويس رفض عبد الناصر أن يحضر المؤتمر الذى نظمته جماعة المنتفعين من قناة السويس (16 أغسطس 1956) لأن تأميم القناة أمر يخص مصر ولا يحق لأحد أن يتدخل فيه. وتقرر فى المؤتمر تشكيل لجنة برئاسة روبرت منزيس رئيس وزراء أستراليا مهمتها عرض اقتراح تدويل القناة على عبد الناصر وشرح أهدافه. وفى 3 سبتمبر استقبل ناصر منزيس الذى قدم له الاقتراح قائلا "أن يقبله كما هو أو يرفضه دون مناقشة أو مفاوضة". ورد ناصر بأن فصل القناة عن السيادة المصرية غير ممكن لأن القناة فى أرض مصر. وهنا أشار منزيس إلى أن تحركات القوات البريطانية والفرنسية ليست بغرض التهويش ولكنها تتحرك من أجل تسوية الأمر مع مصر. وأمام هذه الكلمات الخشنة طوى عبد الناصر أوراقه وانتفض واقفا وأعلن عدم استعداده فى الاستمرار فى المناقشة تحت التهديد وكان هذا معناه أن الزيارة انتهت.


وعندما اشترك فى تأسيس سياسة "عدم الانحياز" شرح هذه السياسة فى كلمات بسيطة موحية ومعبرة فيقول: إن عدم الانحياز يعنى إقامة تكتل دولى من أجل السلام العالمى والرخاء والحرية وصيانة ودعم مسيرة الدول المتخلفة نحو التقدم وذلك يستلزم عدم التورط فى التبعية للتكتلات الدولية إثنتين كانت أو ثلاثة" (5 يوليو 1964).


ويؤكد على استقلالية القرار المصرى وان السياسة الخارجية التى يتبعها هى دائما فى خدمة السياسة الداخلية .. أى خدمة البناء والتنمية والاستقلال الاقتصادى .. ويرسل كلمات ذات مغزى كبير للتعبير عن ذلك فيقول .. "هناك بلاد داخلة فى تحالفات .. تخضع وتقبل الشروط .. وتعيش مثلما كنا نعيش قبل 1952 .. وتأخذ بعض معونات ولا يكون لها أى كلمة فى الشئون العالمية .. وليس لها إلا أن تسمع أوامر وتنفذ هذه الأوامر .. إنها بلاد اتبعت سياسة سلبية ولم تستطع أبدا أن تطور نفسها داخليا ( فى 12 نوفمبر 1964 الجلسة الافتتاحية لمجلس الأمة).


وعندما أوقفت أمريكا مباحثات حصول مصر على القمح (21 ديسمبر 1964) قال بعد يومين وفى مناسبة الاحتفال بعيد النصر (23 ديسمبر): "نحن لا نبيع استقلالنا من أجل القمح .. وإن المساعدات الأمريكية لا تعطى الحق لأمريكا لتفرض سياستها على مصر .. واللى مش عاجبه كلامنا يشرب من البحر .. وإذا كان البحر الأبيض لا يكفيه .. قدامه البحر الأحمر كمان". وفى 14 أبريل 1966 قال: إننا لم نعد نريد قمحا أمريكيا طالما كان المقابل تمرير صفقات سلاح لإسرائيل". وهو الذى قال إن البنك الدولى لكى يعطينى مساعدات يطلب منى رفع الدعم عن السلع .. وإن الاستجابة لهذا الطلب معناه إشعال ثورة الجماهير.


ولم يسمح لنفسه أن تخضع لكلمات الإغراء وعبارات المديح الجوفاء، وجاءت قوته هذه من استقامته .. فلم يطرأ على نمط معيشته فى المأكل والملبس أى تغيير بعد رئاسته. وعندما اقترح البعض تعيينه رئيسا مدى الحياة رفض الاسترسال فى هذا الحديث إذ أدرك روح النفاق وراء الاقتراح، وعندما سعى البعض لإقامة قرية بنى مر بشكل نموذجى ووضع لافتة على الطريق المؤدية إليها رفض وقال: يجب أن نبنى أولا خمسة آلاف قرية نموذجية فى مصر وهى إشارة لعدد القرى المصرية آنذاك وبعدها يأتى الدور على بنى مر.


ومن مظاهر استقامته أنه كان يدخن السيجارة الإنجليزية دانهلDunhill فلما بدأت علاقاته تتأزم مع إنجلترا وجد أنه من العيب أن يظل يدخن تلك السيجارة. ويبدو أنه صارح بعض المقربين بتلك المشاعر ولهذا تم إنتاج سيجارة مصرية باسم "كليوباترا" اعتزازا بموقفه حتى لا يقول له أحد كيف تهاجم إنجلترا وتدخن سيجارة إنجليزية ؟.


وكلما جاء الثامن والعشرون من سبتمبر فى كل عام أعود بذاكرتى إلى مساء ذلك اليوم الحزين (الإثنين) حين طيرت الأنباء خبر وفاة جمال عبد الناصر، فقد خرجت مندفعا وبكل سرعة من منزلى ووجدت نفسى وسط طوفان من البشر من كل الأعمار رجالا ونساء وشيوخا وأطفالا تجمعوا فى ميدان التحرير والشوارع المحيطة يبكون وينتحبون على مدى ثلاث ليال انتظارا لتشييع جنازة الزعيم إلى مثواه .. وهى صور سجلتها الكاميرات كما هو معروف وأذيعت على شاشات التليفزيونات..


ومن بين العبارات التى كانت تتردد على ألسنة الناس ولم تبرح ذاكرتى حتى الآن بل ويقشعر بدنى دائما عند استعادتها ما كانوا يقولونه مخاطبين عبد الناصر: سايبنا ورايح فين يا جمال .. سايبنا لمين بعدك .. احنا بقينا أيتام يا جمال .. يا نصير الفقراء .. يا حبيب الملايين.


ولقد أثبتت الأيام صدق مشاعرهم عندما بدأت الدولة تحت حكم السادات-مبارك تتخلى عنهم لصالح الأغنياء وامتثالا للمؤسسات الدولية صاحبة المنح والقروض، وكانت انتفاضتهم فى 18-19 يناير 1977 أول تعبير عن هذا الخوف من المستقبل المظلم الذى بدا واضحا للجميع حيث بدأ المصريون يواجهون مشكلات الفقر بشكل حاد مرة أخرى إذ انكمشت فرص العمل وانخفضت الأجور نظرا لزيادة قوة العمل فى السوق. والذين يفوزون بفرصة عمل بشروط إذعان يسعون للحفاظ عليها فلا يعترضون على الأجر الضئيل أو على ظروف العمل لأن الاعتراض أو عدم الرضا يعنى الاستغناء عنهم وإتاحة الفرصة بأجر أقل لمن يطلب العمل من سوق العمالة الوفير ..


وهكذا .. كلما ازداد الفقراء فقرا وازدادت العشوائيات عددا وازدحمت بالمهمشين، تذكر هؤلاء عبد الناصر حبيب الملايين الذى اجتهد فى التقريب بين الطبقات وأقام سلسلة المساكن الشعبية ووحدات المبانى الاقتصادية.


وكلما تكررت حوادث غرق الشباب الهارب من مصر فى "هجرة غير مشروعة" وعادوا جثثا لذويهم أو لا يعودون، تذكر الناس زمن عبد الناصر حيث لم يعرف الناس الهجرة من أجل لقمة العيش وفرصة العمل.


وكلما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والحاجات الأساسية فوق طاقة الأجور والمرتبات .. تذكر الناس عبد الناصر الذى تمكن من السيطرة على الأسعار طالما أنه لم يكن فى الإمكان زيادة المرتبات.


وكلما ضاقت فرص العمل أمام الشباب ورأوا بأعينهم توريث الوظائف والمناصب تذكر آباؤهم مبدأ عبد الناصر فى تكافؤ الفرص للجميع.


وعندما رحل الزعيم ولم يظهر من يشغل مكانه .. وتوالت الأزمات ولا من مستجيب .. تستدعى الجماهير الزعيم الذى رحل فى حنين وشوق ليستمدوا منه المدد، ويستعيدوا مواقفه البطولية فى مواجهة الأعداء، ومواقفه الشجاعة فى مواجهة الأزمات.


هذا هو عبد الناصر الذى ترفع الجماهير صورته كلما اشتد الخطب داخليا وخارجيا