قرأ ستة كتب عن نابليون و 98 كتاباً في المدرسة الثانوية والكلية الحربية: عبدالناصر .. قارئاً وكاتباً

30/09/2014 - 10:49:25

عبدالناصر عبدالناصر

كتب: أحمد النجمي

ما الذي جعل عبدالناصر زعيماً خالداً؟ تكلم الكثيرون من الكتاب والسياسيين عن «الكاريزما» الجبارة لشخصيته، وعن قراراته التاريخية، وعن قدرته علي مناطحة أكبر الأقطاب.. لكن أحداً لم يتكلم عن المنبع الذي خرجت منه «التركيبة الناصرية»، والمنبع الإنساني العام هو «الثقافة»، تلك التي تجعل الإنسان من النابغين، أو الزعماء، أو الموهوبين، أو تجعله من الخاملين وآحاد الناس.. ووفق الكتب التي يطالعها المرء، يحدد اتجاهاته في هذه الحياة، من هنا يتساءل المرء: ما الكتب التي قرأها الزعيم خالد الذكر «جمال عبدالناصر»، فجعلته زعيماً يترحم عليه شعبه بعد 44 عاماً من رحيله؟ ما الأفكار التي قرأها - وكتبها أيضاً - فجعلته رمزاً وطنياً وعروبياً تشتاق الشعوب إلي ذكراه كلما تاقت إلي الحرية وترفع صوره كلما هبت ثائرة؟!


< لعل قراءة مدققة متأنية في تلك العناوين التي قرأها «ناصر» في شبابه، تقودنا إلي الإجابة عن السؤال: كيف أسس جمال عبدالناصر ثقافته؟


- «د. هدي عبدالناصر» ابنة الزعيم الراحل وفرت علينا عناء البحث عن عناوين تلك الكتب التي قرأها والدها، لاسيما في صباه ومطلع شبابه، أو «قراءات فترة التكوين»، إذ تورد لنا د. هدي في الموقع الإلكتروني الذي تتولي تغذيته بالمادة وبالصور الفريدة علي الإنترنت «nasser.bibalex.org» - موقع الرئيس جمال عبدالناصر الإلكتروني - قائمة بالكتب التي طالعها والدها الزعيم في المرحلة الثانوية «.. قضاها ناصر بين مدرستي حلوان الثانوية بالقاهرة، ورأس التين الثانوية بالإسكندرية»، والتي قرأها وهو طالب في المدرسة الحربية «الكلية الحربية الآن..»، وتكشف هذه القائمة كثيراً من الأفكار والاتجاهات التي ترسخت في ذهن عبدالناصر في مطلع حياته، وهي الأفكار والاتجاهات التي تحكم عقل الإنسان بعد ذلك طوال العمر..!


أول ما يلفت نظر المرء لدي مطالعته هذه القائمة التي تضم فقط قراءات ناصر في المرحلة الثانوية ودراسته العليا العسكرية، ولا تتطرق لما قرأه بعد ذلك، هو تركيز ناصر علي قراءة التاريخ وسير الشخصيات إلي جانب القراءات العسكرية المتخصصة، فضلاً عن قراءته في مساحة بين السياسة والتاريخ، مثل قراءاته عن ملف السودان، وملف اليابان، وتاريخ أوربا السياسي.


ومن يطالع هذه العناوين - التي تبلغ 98 عنواناً، بين كتب عربية وأخري مترجمة، وبين موسوعات وكتب - يكتشف أن جمال عبدالناصر كان مغرماً إلي حد كبير في صباه بشخصية «نابليون بونابرت»، إذ قرأ عنه خمسة كتب، جميعها مترجمة إلي العربية، هي: «بونابرت حاكم مصر» لشارل رو، و«نابليون» لإميل لودفيج، و«نابليون وواترلو» - جزآن - لبيك، و«مغامرة بونابرت في مصر» لألجود، و«تألق نجم بونابرت» لويلكنسون، فضلاً عن كتاب «الثورة الفرنسية» لبيلوك.. ونابليون ليس نجمه الأساسي لكن الكتاب يتطرق إليه.


اقرأ العناوين التي ذكرناها - أيها القارئ الكريم - مرة أخري من فضلك.. ستكتشف أنها تتنوع بين السيرة الذاتية لنابليون وبين غزوته الشهيرة لمصر «1798» ومعركة «واترلو»، وبين تألقه كسياسي.. قبل أن يلقي مصيره منفياً محسوراً.


نابليون هو أشهر الشخصيات الأوربية التي جمعت بين السياسة والعسكرية في التاريخ الفرنسي حتي ذلك التوقيت، فبعده ظهرت شخصية «ديجول»، كان ظهور «ديجول» في أربعينيات القرن العشرين، بعد أن تخرج جمال عبدالناصر في الكلية الحربية بسنوات، لم يقرأ ناصر كتباً عن ديجول، لأنه عاصره.. فنابليون - إذن - احتل مكانة رئيسية في اهتمام جمال.. ولعل في حياة نابليون تشابهاً مع حياة ناصر، كلاهما عسكري سياسي، جمع السيف والقلم، لكن ثمة فارقاً واضحاً.. فحين انهزم نابليون عسكرياً انتهت أسطورته وحكم عليه بالنفي، بينما عبدالناصر بعد الهزيمة في 1967 ولدت زعامته من جديد، خرجت الجماهير في حشود ضخمة في «مظاهرات التنحي» ترفضه وتلزم عبدالناصر بالبقاء في منصبه «يونيه 1967»، وحين رحل جمال في 28 سبتمبر 1970 خرجت الجماهير تودعه في أضخم جنازة لرئيس في القرن العشرين.. إذن انتهي نابليون مذموماً، وانتهي ناصر وهو في قمة مجده.. الفارق واضح بين الشخصيتين، فبرغم تأثر جمال فكرياً بنابليون، وإعجابه بشخصيته - فيما يبدو - إلا أنه لم يلق مصيره.. كان - فيما يبدو - مفتوناً بفكرة «العسكري حين يتحول إلي سياسي»، وحين يلمع نجمه ويصبح زعيماً.. لاحظ أن هذا التأثر حدث وجمال عبدالناصر دون العشرين من عمره، وقبل أن يصبح - أصلاً - ضابطاً بالجيش المصري.


ونقرأ أيضاً في قائمة الكتب التي قرأها ناصر في نفس الفترة وأثرت فيه.. عنوان «الإسكندر الأكبر» لآرثر ويجال، وكتاب «بسمارك» لهيدلام مورلي «و«هندنبورج والثورة الألمانية» لإميل لودفيج، هذه كتب سيرة ذاتية لرجال من عظماء التاريخ الأوربي والشرقي في العالمين القديم والحديث.. «الإسكندر» فتح الشرق كله، وتحولت مصر مع فتح الإسكندر لها «332 قبل الميلاد» إلي «مملكة بطلمية»، امتزجت فيها حضارة الفراعنة بحضارة اليونان لتنتج الخليط الفريد في العصر البطلمي.. كان ناصر - الشاب الصغير - مفتوناً أيضاً بفكرة «القائد العظيم» الذي يفتح الدنيا بسيفه، ويؤسس أوضاعاً سياسية جديدة في نفس الوقت.. كان الإسكندر الأكبر هو هذا البطل الأسطوري في تاريخ أوربا القديم، ويبدو أن ناصر كان يتطلع إلي نفس هذه المكانة ولكن هنا.. في مصر والشرق الأوسط.


أما بسمارك وهندنبورج وغيرهما من الساسة الأوربيين الكبار في القرن التاسع عشر، فقد تأثر بهم ناصر في ذلك التوقيت، في أفكارهم واتجاهاتهم، وجميعهم أصحاب تجارب فريدة في تاريخ بلادهم.. الخلاصة أن جمال عبدالناصر في قراءته للسير الذاتية والتاريخ، كان - علي ما يبدو - في «حالة بحث» عن ذاته، هذا الفتي النحيل الأسمر، لا يحلم لنفسه فقط، يحلم لوطنه أيضاً.. كان الحلم في مرحلة «الاختمار» لايزال، لذلك كان ناصر في مرحلة «الدهشة» الممتزجة برغبة نهمة في المعرفة، لعله يهتدي إلي أنموذج.. الإنسان في هذه المرحلة - ما دون العشرين - قد يختار المهنة التي سينبي فيها، لكنه لا يرسم مصيره ومستقبله، كان جمال - تحت العشرين - قد تخطي فكرة «تحديد المهنة» إلي فكرة «تحديد المصير»، مصيره ومصير الوطن كله، كان - فيما يبدو - يبحث عن دور له في مصر، أو دور لمصر.. فيه!


ومن الأدلة علي هذا البحث عن دور.. أن ناصر قرأ في المسألة السودانية، تلك التي لا يمكن لسياسي مصري أن يدعي حمل لقب «السياسي» من دون أن يلم بها إلماماً دقيقاً.. في الكتب التي قرأها في المرحلة الثانوية، تذكر القائمة التي بين أيدينا عنوان كتاب «غوردون والسودان» لألين، و«غوردون والخرطوم» لجون بوكان، وفي مرحلة «المدرسة الحربية» تذكر القائمة عنوان كتاب «السودان المصري» لوسوود.. إن ناصر مشغول بالنصف الجنوبي المحتل مثل النصف الشمالي من «المملكة المصرية» وقتئذ، أدرك - برغم حداثة سنه في المرحلة الثانوية - أنه لا اكتمال للفائدة من القراءة، إلا بالإلمام الدقيق بحالة السودان.. واحتلالها، هل أثرت تلك القراءة المبكرة لناصر عن «الحالة السودانية» في موافقته بعد ذلك - حين أصبح رئيساً لمصر علي الاستفتاء علي تقرير المصير السوداني والذي أسفر عن استقلال الخرطوم عن القاهرة؟ من المؤكد أن هذه القراءات المبكرة أثرت فيه أعمق تأثير..!


إلي ذلك.. تجد أن جمال عبدالناصر انشغل - بقوة - بالثقافة العسكرية الحديثة.. كان هذا الانشغال نادر الحدوث في ذلك العصر، لا يقبل عليه إلا عظام القادة، وإذا كان أمراً مميزاً في ذلك التوقيت أن يطالع ضابط في الجيش المصري كتباً عسكرية إستراتيجية متخصصة، فما بالنا بطالب في المرحلة الثانوية؟ نعم.. قرأ ناصر - وهو طالب بالمدارس الثانوية - هذه العناوين: الجنود والساسة «جزآن» لروبرتسون، والجغرافية العسكرية الإمبراطورية لكول، و«حملة فلسطين» لويفل، و«موقعة المارن» لويل كينج، وتاريخ الحرب العالمية الأولي من سنة 1914 إلي سنة 1918 لكيرس، و«الإستراتيجية الألمانية في الحرب العظمي» لنيم، وحرب النهر لتشرشل، والإستراتيجية الإنجليزية لموريس، والتدريب علي السلاح «من المراجع البريطانية الرسمية».. تخيل أيها القارئ الكريم أن فتي لا يتجاوز 17 عاماً قرأ هذه المراجع العسكرية المتخصصة.. ناهيك بما هو أكثر دقة وصعوبة منها في مرحلة دراسته في المدرسة الحربية، لقد كان ناصر يعد نفسه كقائد، لا كمجرد رجل يمارس «التثقيف الذاتي»!


وقبل أن نغادر قائمة الثمانية والتسعين كتاباً، يستلفت نظرنا عنوان «قناة السويس» لأرنولد ويلسون، ذلك الكتاب المعقد، الذي لم يقرأه بعض كبار المثقفين المصريين إلي الآن.. قرأه ناصر وهو طالب في المدرسة الحربية، ألا يكشف هذا عن بوادر اهتمامه بقناة السويس، التي اتخذ قراره العظيم بتأميمها شركة مساهمة مصرية 1956، وواجه علي خلفية التأميم - الزعيم والدولة والشعب - العدوان الثلاثي الغاشم علي مصر، والذي خرجت منه مصر قوة لا يستهان بها وخرج منها ناصر زعيماً حقيقياً؟!


كان ناصر - أيضاً - يقرأ بالإنجليزية.. كان يطالع - وفق القائمة - «التايمز» الأسبوعية، وجريدة «إجبشيان جازيت»، وجريدة «هيئة الجيش الملكية المتحدة»، وكان حريصاً علي قراءتها منتظماً فيها.


ومن الثابت تاريخياً أن جمال عبدالناصر لم يكتب شيئاً مطبوعاً حتي العام 1955، حين نشرت له مجلة «آخر ساعة» سلسلة مقالات عن «يوميات حرب فلسطين 1948»، صدرت في كتاب.. ثم قصة «في سبيل الحرية» التي بدأ كتابتها وهو طالب بالمدرسة الثانوية وفازت بالجائزة الأولي في المسابقة التي أجراها المجلس الأعلي للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية «المجلس الأعلي للثقافة الآن»، وصدرت في عام 1959.. أما الكتاب الأبرز - والثالث والأخير في ترتيب الكتب التي تحمل توقيع الزعيم الراحل جمال عبدالناصر - فهو كتابه الأشهر «فلسفة الثورة» الذي صدر في 111 صفحة، قام بصياغتها الأستاذ محمد حسنين هيكل، وكان في الخمسينيات، والكتاب عبارة عن خواطر فكرية وسياسية وفلسفية عن الثورة ومصر، الحاضر واستشراف المستقبل، وتتألف من ثلاثة أبواب: ليست فلسفة، العمل الإيجابي، بعد غيبة ثلاثة شهور.


جاء في مقدمة «فلسفة الثورة» ضمن ما جاء (.. ولكنها «يقصد فلسفة الثورة» ليست لشرح أهداف ثورة 23 يوليو 1952 وحوادثها، وإنما دورية استكشاف لنفوسنا لنعرف من نحن، وما هو دورنا في تاريخ مصر المتصل الحلقات، واستكشاف الظروف المحيطة بنا في الماضي والحاضر، لنعرف في أي طريق نسير، واستكشاف أهدافنا والطاقة التي يجب أن نحشدها لنحقق هذه الأهداف، واستكشاف الظروف المحيطة بنا لنعرف أننا لا نعيش في جزيرة يعزلها الماء من جميع الجهات، مجرد دورية استكشاف في الميدان الذي نحارب فيه معركتنا الكبري، من أجل تحرير الوطن من كل الأغلال..)!


أبعد هذا نندهش من حجم زعامة جمال عبدالناصر وتأثيره في الجماهير؟ إن من يندهشون من ذلك الأثر السحري لا يفهمون معني أن يكون الزعيم مثقفاً، بل أن تولد الزعامة من رحم «عقلية مثقفة» مثل عقلية عبدالناصر.. لقد جربت مصر أن يحكمها رجل نصف متعلم مثل «فاروق» فكان أن ثار عليه المصريون وأنهوا حكم أسرة محمد علي برمتها، وجربوا أن يحكمهم رجل سطحي لم يقرأ إلا قليلاً مثل مبارك فخرجوا عليه ثائرين، وجربوا أن يحكمهم رجل لا علاقة له بالثقافة ولا بالسياسة ولا الفكر الاجتماعي مثل مرسي فهبوا ضده ثائرين.. من يحكم مصر يجب أن يكون مثقفاً، عارفاً بتاريخها، وتاريخ الدول المحيطة بها، وأن يقرأ في العلوم الاجتماعية والإنسانية، لأن مصر هي أم الدنيا، وأقدم حضارة منظمة عرفها البشر، وبالتالي فإن علم الاجتماع وعلم التاريخ لابد أن يتوقفا طويلاً أمام تجربتها.. وقد يكون الشعب المصري نفسه بسيطاً، و40 في المائة منه أميون - حسب آخر الإحصاءات - لكن المصريين مثقفون بالفطرة، لذلك يجب علي من يحكمهم أن يكون مثقفاً بالفعل، هذه الثقافة التي لا تكمن في القراءة فقط، بل تترجم إلي قدرة واضحة علي الحكم.. وإذا كان جمال عبدالناصر قد نجح في ذلك قبل نحو 60 عاماً، فإننا نري الرئيس السيسي الآن ينجح في السياق ذاته، يتكلم، ويتصرف، بعقلية مثقف منحاز إلي هذا الشعب.. وينحاز إليه هذا الشعب.. ويفهم جيداً أن الثقافة - بمعناها الأشمل - هي مفتاح حكم هذا الشعب النبيل