لا دكتاتورية فى مصــر

28/09/2016 - 2:41:28

لواء د. مصطفى كامل محمد

وجه الرئيس عبد الفتاح السيسى فى كلمته من على منبر الجمعـية العامة للأمم المتحدة ـ صوت العالم ـ فى دورتها الـ ٧١ عـدة رسائل تُوضح وتُوصف المشهد الدولى والمشهد الإقليمى فى منطقة الشرق الأوسط والمشهد المحلى فى مصر توصيفا حقيقيا صحيحا، وقــد استهـل الرئيس رسائـلـه بالمشهـد الدولى، حيث وصفه بأنـه أصبـح يموج بـ”الصراع الدولى”، الذى ألقى بظلال تداعـياتـه على أوضاع العالم العـربى، حتى أصبحت المنطقة تزداد حساسية وتعـقـيـدا يوما بعـد يوم، وأصبحت فى حاجة إستراتيجية ملحَة لتحقـيـق الاستقرار بإيجاد حل دائم عادل ومتكافئ للقضية الفلسطينية، وأضاف أنه بالرغم من أن مصر تعيش وسط محيط إقليمى شديـد التوتر والاضطراب، إلا أنها استطاعت أن تحافظ على استقرارها السياسى والأمنى بفضل تماسك مؤسساتها ووعى شعـبـها، حيث قام بحمايتها وحماية مؤسساتها من الانزلاق فى منزلقات الفوضى والتناحر والاقتتال، وتمكن من تأسيس دستور يرسَخ الحماية للفئات التى تحتاجها، ويضمن حقوق وحريات الأفراد التى شملها الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، ونجح فى انتخاب مجلس ينوب عنه فى ممارسة السلطة التشريعية ومراقبة السلطة التنفيذية، وأن مصـر تمضى قدما وبثبات فى الاتجاه السليم نحو الإصلاح الاقتصادى، الذى يضمن مراعاة البعـد الاجتماعى.


وفى لقائه التليفزيونى لإحدى القنوات الأمريكية أضاف الرئيس، أن الشعب المصرى أراد التغـيير فى ٢٥ يناير ٢٠١١، بينما قرر تصحيح إرادته فى ٣٠ يونيه ٢٠١٣، وفيما يتعلق بحقوق الإنسان فقد أكد الرئيس أن جميع الأمور يتم التعامل معها فى إطار القانون فى مصـر، حيث يوجد بها أكثـر من ٤٠ ألف منظمة غـير حكومية تقـدم خدماتها للمجتمع المصرى، وتشارك فى تحقيق التنمية المجتمعية، كما أن البرلمان يناقش حاليا مشروع قانون ينظم عمل هذه المنظمات، وأن الإعلام لا يقدم الحقائق بشكل دقيق، وأشار إلى أن مصر لديها الآن دستور لا يسمح ببقاء الرئيس بعـد انتهاء رئاسته ولو ليوم واحد، وأن هناك انتخابات رئاسية سيتم إجراؤها بحلول منتصف عام ٢٠١٨ لانتخاب رئيس جديـد أو إعادة انتخاب الرئيس، فلا يوجد دكتاتور فى مصر.


ولكى يكون لدينا نقطة انطلاق صحيحة لتحليل المحتوى الفكرى للرسائل، التى أراد الرئيس توجيهها للرأى العام الخارجى على نحو عام، والرأى العام الأمريكى على نحو خاص من مقر الجمعـية العامة للأمم المتحدة الكائنة فى قلب الولايات المتحدة، فإنه من المناسب توضيح مفهوم النظام السياسى الدكتاتورى أولا، وهو النظام الذى تتركز فيه السلطة فى يد فرد واحد هو الدكتاتور، وهو الفـرد الذى يتمكن من الاستحواذ على السلطة بمؤازرة حزبـه (الأوحد)، ثم بفضل كفاءته الشخصية، وكارزمية شخصيته القويـة، وبذلك يكون الفرد الدكتاتور هو المصدر الوحيد لجميع السلطات.


وتشير أدبيات العلوم السياسية إلى أن مفهوم النظام الدكتاتورى يُرادف مفهوم النظام الفاشى”Fascism “، ويُعـتبر مضادا لمفهوم النظام الديمقراطى، إذ يمكن ملاحظة أن هناك تطبيقات كثيرة للأنظمة الدكتاتورية فى تاريخ البشرية خاصة فى تاريخها الحديث والمعاصر، ولعـل أبـرز تلك الدكتاتوريات هى التى قامت فى إيطاليا “ الفاشية “، وانتقلت إلى ألمانيـا “النازيـة”، والاتحاد السوفييتى قبل انهياره “الماركسية” وتطبيقات أخرى كثيرة.


وبتحليل هذا المفهـوم إلى عناصره الأولية، يُمكن تحديد أبرز خصائص النظام السياسى الدكتاتورى، فهو يتميـز أولا بأنه يعـتبـر الفرد خادما للدولة، فالدولة فى هذا النظام هى التى تفـرض على الفرد الواجبات قبل أن تمنحه الحقوق، وبذلك تكون حياة الفرد رهنا للدولة، وحسبما يقتضى الصالح العام للدولة، وأن الدكتاتور هو الذى يحدد دائما الصالح العام وفقا لرؤيته، ويتميز ثانيا بأنه يقضى على حرية الفرد بخضوع جميع أنشطته للرقابة، خاصة تلك التى تتعـلق بحريـة الرأى، ولا يسمح فى هذا النظام بتكوين الأحزاب، أو بوجود معارضة حتى يحتكر الحزب الواحد شئون الدولة، ويقوم الإعلام بوسائله المختلفة بتمجـيـد الدكتاتور وحزبه، بل ونظام حكمه بجميع أدواته، ويتميز ثالثا بقيام الدكتاتور بتوجيه جميع السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية (إن وجدت) لصالح سياساته، خاصة السياسة التعليمية على مختلف مستوياتها حتى تتسق مع مبادئ نظامه وحزبه، وهكذا تتركز جميع السلطات فى يد الزعيم الملهم، وتتميز رابعا بمناهضة مبدأ اللامركزية الإدارية التى تُعـد أحد دعائم نجاح الحكم المحلى، حيث ترسخ اللامركزية استقلالية الأفراد والمشاركة فى إدارة شئونهم المحلية، فهل تنطبق هذه الخصائص على نظام الحكم الراهن فى مصر؟ !!


وبتحليل المحتوى الفكرى لما أعلنه الرئيس فى كلمته من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة وفى لقائه التليفزيونى، فإنـه يُمكن استخلاص ثلاث رسائل قام الرئيس بتوجيهها، إذ يُمكن ملاحظة أن الرسالة الأولى كانت رسالة مركبة تتكون من عدة أجزاء، الجزء الأول منها كان موجها للقوى العالمية، حيث احتوى هذا الجزء على وصف دقـيـق للموقـف الإستراتيجى فى النسق الدولى، حيث وصفه بأنـه يموج بالصراع الدولى الناشئ من حركيـة الفعـل ورد الفعـل بين القوى العالمية (الولايات المتحدة وروسيا)، حيث انعكست تداعيات هذا الصراع على المنطقة العربية، فوجدت نفسها كرها أو طوعا فى علاقات تصارعية وأوضاع متوترة كانعكاس صريح لهذا الصراع، ووجه الجزء الثانى من الرسالة إلى القوى غير العربية فى منطقة الشرق الأوسط، الذى يُعتبر قلب العالم، فأصبح لا غنى عنه فى بناء إستراتيجيات القوى العظمى والكبرى التى نشأت على مر تاريخ البشرية حتى الآن، فافتقر إلى الاستقرار الأمنى والسياسى الإقليمى اللازم لإحداث التنسيق والتعاون والتكامل، والذى يضمن تنمية وتقدم وازدهار شعوب المنطقة، وأصبح لزامًا على جميع الوحدات السياسية فى المنطقة السعى حثيثا لتحقيق هذا الاستقرار المفقود، حتى تنشأ علاقات ذات صيغ تعاونية بدلا من العلاقات ذات الصيغ التصارعية القائمة على التوجهات الجيوبوليتكية الجائرة، تلك التوجهات، التى ترتكز على التوسع واستمرار احتلال أراضى الغـيـر لتحقيق الأهداف، أما الجزء الأخير من الرسالة، فهو موجهة إلى الفلسطينيين والإسرائليين على حد سواء، وللقائد السياسى الأمريكى القادم (التقى الرئيس مرشحى الرئاسة الأمريكية)، بضرورة إيجاد حل عادل ومتكافئ ودائم للقضية الفلسطينية باعتبارها السبب الرئيسى فى تأجيج الصراع العـربى الإسرائيلى على أساس حل الدولتين، وهو الحل الذى وعـد به أوباما، لكنه كالعادة حنث به، فقد وعد الجميع بكل شىء، لكنه لم يعـط أحدا أى شىء، وهو الحل العادل الأكثـر رشدا وحكمة، وهو ما نادى به الرئيس فى مبادرته السابقة فى مايو الماضى، والتى لاقت ترحيبا كبيرا من جميع الأطراف، حتى يسود الإستقرار والأمن المنطقة وهما العنصران المفقودان فى المنطقة منذ عقود طويلة من الزمان، وأن مصر تمد يدها بالسلام للجميع، ويمكنها أن تلعب دورا محوريا لمساعـدة أطراف القضية لتحقيق هذا الحل.


أما الرسالة الثانية التى وجهها الرئيس فى لقائه فتتعـلق بالوضع الداخلى لمصر، وهى موجهة للعالم بأسره خاصة إلى أولئك الذين يتعمدون وصف النظام الراهن فى مصر “بالنظام الدكتاتورى”، إذ يُمكن ملاحظة أن الرئيس قام بانتقاء مفردات هذه الرسالة بإتقان شديد، ودقة متناهية، حيث أوضح الرئيس أن الشعب المصرى “أراد” التغـيير فى ٢٥ يناير ٢٠١١، بينما “قرر” تصحيح إرادته فى ٣٠ يونيه ٢٠١٣، وأن مصر أصبح لديها دستور لا يسمح ببقاء الرئيس يوما واحدا بعـد انتهاء مدة رئاسته، وأنه جاء بانتخابات خضعت لجميع المعايير العالمية من حيث النـزاهة والـشفافية، وتفوق على منافسه بحصوله على ٢٣ مليونًا و٧٨٠ ألفًا و١١٤صوتًا بنسبة ٩٦,٩١٪ من إجمالى الأصوات الصحيحة، بعد استبعاد الأصوات الباطلة، وهو ما أكدته اللجنة العليا للانتخابات، بينما حصل المرشح الرئاسى المنافس على نسبة ٣,٠٧ ٪ من أصوات الناخبين المشاركين فى التصويت، وأن هناك انتخابات رئاسية قادمة سيتم إجراؤها بحلول منتصف ٢٠١٨، لانتخاب رئيس جديـد، أو إعادة انتخاب الرئيس، وبالتالى فإنه لا يوجد بمصر دكتاتور.


وفيما يتعلق بحقوق الإنسان فقد أكد الرئيس فى رسالته على أن كافة الأمور يتم التعامل معها فى إطار القانون، وأن هناك أكثـر من ٤٠ ألف منظمة غـير حكومية تعـمل فى مصـر تقـدم خدماتها للمجتمع المصرى وتشارك فى تحقيق التنمية المجتمعية، وأن مصر استطاعت أن تحافظ على استقرارها السياسى والأمنى، وسط محيط إقليمى شديـد التوتر والاضطراب بفضل تماسك مؤسساتها، ووعى شعبها الذى استطاع الحفاظ على دولته الوطنية بما يعنى أن يحمل وجدانه الجمعى والتراكمى فرص الإصلاح والتقدم والإزدهار.


وأما الرسالة الثالثة التى وجهها الرئيس فتكمن فى أن الإعلام لا يقدم الحقائق بشكل دقـيـق، حيث تقع مصر بين شقى الرحى، بين إعلام خارجى مغرض، وإعلام داخلى يفتقر إلى المهنية «إلا فيما نـدر»، وهذه الرسالة موجهة لجميع القوى القائمة على تنظيم تلك الحملة الإعلامية المحمومة للتصعـيـد ضد مصر، والتى تهدف إلى التأثير بالسلب على جموع الشعب المصرى، وإفقاد هذه الجموع الثقة فى قياداتها ومؤسسات الدولة، وتعجل من إسقاطها من الداخل، حيث تعاقدت هذه القوى مع شركات عالمية متخصصة فى إعـداد وتسويق الخطط الإعلامية، ورصدت لها أموالا طائلة لتشويه الصورة الذهنية لكل ما هو مصرى على نحو عام أمام الرأى العام العالمى والإقليمى والداخلى فى مصر، وصورة القائد السياسى والجيش والقضاء على نحو خاص، وقامت بالاختيار الدقيق لوسائل الإعلام العـالمية التى تتمتع بمعدلات نشر واسعة أو معدلات مشاهدة عالية مثل BBC البريطانية وCNN الأمريكية وقناة الجزيرة، وهى القناة العـربية الوحيدة التى تبث رسائلها باللغة الإنجـلـيـزية لجماهـيـر إفريقيا وآسيا وأوربا وأمريكا، حيث قامت بوصف الانتخابات الرئاسية بـ»معركة اللجان الخاويـة»، والتركيز على بيان تحالف (صباحى ـ أبو الفتوح ـ خالد على)، الذى يشكر فيه الشعب على ما وصفـوه بالمقاطعة منقطعة النظير للانتخابات، وركزت أيضا على تصرح حمدين صباحى بأن الأرقام المعلنة لنسب المشاركة ليس لها «مصداقية”، ونشرت جريدة «نيويورك تايمز» واسعة الانتشار أن الإقبال على الانتخابات الرئاسية جاء مخيبا لآمال أنصار السيسى فى منحه شرعية جديـدة، أما صحيفة «التليجراف» البريطانية، فقد نشرت أن تمديـد التصويت جاء بعد أن «أحرج» انخفاض نسبة المشاركة أنصار السيسى، وأن ما شهدته اللجان كان أقل من المتوقع بكثير، كما أشارت إلى أن غياب الشباب كان بشكل ملحوظ.


أما فيما يتعلق بالإعلام الداخلى الذى أشار إليه الرئيس، فإنه يمكن ملاحظة أنه بالرغم من من تعـدد وسائله، وبالرغم من أنه يُعـد أحد أهم أدوات القوة الناعـمة للدولة، إلا أنه قـد ظل عاجزا حتى الآن عن بناء إستراتيجية إعلامية واضحة، تهدف إلى تشكيل وحشد الرأى العام الداخلى لصالح الأمن القومى للدولة، وإلى استعادة السلوك القويم، وإحياء القيم الأصيلة فى المجتمع المصرى، خاصة فى هذه المرحلة الراهنة التى تتسم بالحساسية والتعـقيـد، فجميع الوسائل الإعلامية تسعى إلى تغـليب مصالحها الآنية، فإفتقـرت إلى المصداقية، خاصة فى غياب المعايير الحرفية والضوابط المهنية التى تُنسق وتضبط حركية هذه الوسائل لصالح الأمن القومى المصرى


وفى يقينى أيضا أن هذه الرسائل الثلاث قـد وجهها الرئيس ليُذكر الرئيس الأمريكى الجديـد ـ بـعـد أن التقى المرشحين ـ إلى ضرورة الخروج من شرنقة القوة الوحيـدة التى وضع الرئيس أوباما نفسه داخلها طوعا، دون أن يشعـر بما يجرى خارجها من تحولات فى النظام الدولى، فألقت بضوئها الكاشف على وضع القائد السياسى الأمريكى والروسى، إلى الحد الذى أبرزت فيه مؤشرات استطلاع الرأى ارتفاع شعـبية بوتين إلى أعلى مستوياتها فى روسيا، بينما تدنت شعـبية أوباما إلى أدنى مستوياتها فى الولايات المتحدة، حتى أصبح يبدو وكأنه القائد السياسى الأكثر فشلا فى إدارة شئون أقوى دولة فى العالم.