نزار قبانى يروى فى مذكراته عن عبدالناصر: أوجعنى يا سيادة الرئيس أن تُمنع قصيدتى من دخول مصر

30/09/2014 - 10:47:41

نزار قبانى نزار قبانى

كتب: يوسف القعيد

فى كتابه: قصتى مع الشعر، سيرة ذاتية، التى صدرت طبعته التاسعة فى يناير سنة 2000 عن منشورات نزار قبانى، بيروت، لبنان. يورد فصلاً عن واقعة جرت بينه وبين جمال عبد الناصر. كان الفصل عنوانه: حزيران والشعر. حيث يروى ما فعله بهم حزيران الذى نقول عنه فى مصر يونيه 1967 بالشعر والشعراء. ويورد خلال كتابته حكاية شعره ما بعد يونيه مع جمال عبد الناصر.


يكتب نزار قبانى:


ولكى يكتمل هذا الفصل عن حزيران، وعما نالنى بسببه من صلب، ورجم، وتشهير، وتخوين، أجد أن الأمانة التاريخية تقتضى أن أسجل للرئيس الراحل جمال عبد الناصر. موقفاً لا يقفه عادة إلا عظماء النفوس. واللمَّاحون، والموهوبون الذين انكشفت بصيرتهم، وشفت رؤيتهم، فارتفعوا بقادتهم وتصرفاتهم إلى أعلى مراتب الإنسانية والسمو الروحى.


فلقد وقف الرئيس عبد الناصر إلى جانبى، يوم كانت الدنيا تُرعد وتُمطر على قصيدتى «هوامش على دفتر النكسة»، وكسر الحصار الرسمى الذى كان يحاول أن يعزلنى عن مصر، بتحريض وإيحاء من بعض «الزملاء» الذين كانوا غير سعداء لاتساع قاعدتى الشعبية فى مصر.. فرأوا أن أفضل طريقة لإيقاف مدّى الشعرى، وقطع جسورى مع شعب مصر، هى استعداء السلطة علىَّ. حتى أن أحدهم طالب وزارة الإعلام بمقال نشره فى إحدى المجلات القاهرية بحرق كتبى، والامتناع عن إذاعة قصائدى المغنَّاة من إذاعات القاهرة.ووضع اسمى على قائمة الممنوعين من دخول مصر..


شكوى الشاعر العربى الفصيح


وحين شعرت أن الحملة خرجت من نطاق النقد والحوار الحضارى، ودخلت نطاق الوشاية الرسمية، قررت أن أتوجه مباشرة إلى الرئيس جمال عبد الناصر، وبالفعل بعثت إليه بالرسالة التالية:


سيادة الرئيس جمال عبد الناصر


فى هذه الأيام أصبحت فيها أعصابنا رماداً، وطوقنا الأحزان من كل مكان، يكتب إليك شاعر عربى يتعرض اليوم من قبل السلطات الرسمية فى الجمهورية العربية المتحدة لنوع من الظلم لا مثيل له فى تاريخ الظلم.


وتفصيل القصة، أنى نشرت فى أعقاب نكسة الخامس من حزيران قصيدة عنوانها «هوامش على دفتر النكسة« أودعتها خلاصة ألمى وتمزقى، وكشفت فيها عن مناطق الوجع فى جسد أمتى العربية، لاقتناعى أن ما انتهينا إليه لا يعالج بالتوارى والهروب، وإنما بالمواجهة الكاملة لعيوبنا وسيئاتنا.


وإذا كانت صرختى حادة وجارحة، وأنا أعترف سلفاً بأنها كذلك، فلأن الصرخة تكون بحجم الطعنة، ولأن النزيف يكون بمساحة الجرح.


من منا يا سيادة الرئيس لم يصرخ بعد 5 حزيران؟


من منا لم يخدش السماء بأظافره؟


من منا لم يكره نفسه وثيابه وظله على الأرض.


إن قصيدتى كانت محاولة لإعادة تقييم أنفسنا كما نحن، بعيداً عن التبجح والمغالاة والانفعال، وبالتالى كانت محاولة لبناء فكر عربى جديد يختلف بملامحه وتكوينه عن فكر ما قبل 5 حزيران.


إننى لم أقل أكثر مما قاله غيرى، ولم أغضب أكثر مما غضب غيرى، وكل ما فعلته أننى صغت بأسلوب شعرى ما صاغه غيرى بأسلوب سياسى أو صحفى.


وإذا سمحت لى يا سيادة الرئيس أن أكون أكثر وضوحاً وصراحة، قلت إنى لم أتجاوز فى قصيدتى نطاق أفكارك فى النقاء الذاتى، يوم وقفت بعد النكسة تكشف بشرف وأمانة حساب المعركة، وتعطى ما لقيصر لقيصر وما لله لله.


إننى لم أخترع شيئاً من عندى، فأخطاء العرب النفسية والسياسية والسلوكية، مكشوفة كالكتاب المفتوح.


وماذا تكون قيمة الأدب يوم يجبن عن مواجهة الحياة بوجهها الأبيض ووجهها الأسود معاً؟ ومن يكون الشاعر يوم يتحول إلى مهرج يمسح أذيال المجتمع وينافق له؟.


لذلك أوجعنى يا سيادة الرئيس أن تمنع قصيدتى من دخول مصر. وأن يفرض حصار رسمى على اسمى وشعرى فى إذاعة الجمهورية العربية المتحدة وصحافتها.


والقضية ليست قضية مصادرة قصيدة أو مصادرة شاعر. لكن القضية أعمق وأبعد.


القضية هى أن نحدد موقفنا من الفكر العربى. كيف نريده؟ حراً أم نصف حر؟ شجاعاً أم جباناً؟ نبياً أم مهرجاً؟


القضية هى أن يسقط أى شاعر تحت حوافر الفكر الفرعونى لأنه تفوه بالحقيقة.


والقضية أخيراً، هى أن نعرف ما إذا كان تاريخ 5 حزيران سيكون تاريخاً نولد فيه من جديد، بجلود جديدة، وأفكار جديدة، ومنطق جديد.


قصيدتى أمامك يا سيادة الرئيس، أرجو أن تقرأها بكل ما عرفناه عنك من سعة أفق، وبعد رؤية، ولسوف تقتنع، برغم ملوحة الكلمات ومرارتها، بأننى كنت أنقل عن الواقع بأمانة وصدق، وأرسم صورة طبق الأصل، لوجوهنا الشاحبة والمرهقة.


لم يكن بإمكانى وبلادى تحترق، الوقوف على الحياد، فحياد الأدب موت له.


لم يكن بوسعى أن أقف أمام جسد أمتى المريض، أعاينه بالأدعية والحجابات والصراعات.


فالذى يحب أمته، يا سيادة الرئيس، يطهر جراحها بالكحول، ويكوى - إذا لزم الأمر - المناطق المصابة بالنار.


سيادة الرئيس. إننى أشكو لك الموقف العدائى الذى تقفه منى السلطات الرسمية فى مصر، متأثرة بأقوال بعض مرتزقة الكلمة والمتاجرين بها. وأنا لا أطلب شيئاً أكثر من سماع صوتى. فمن أبسط قواعد العدالة أن يسمح للكاتب أن يفسر ما كتبه، وللمصلوب أن يسأل عن سبب صلبه.


لا أطالب يا سيادة الرئيس، إلا بحرية الحوار، فأنا أشتم فى مصر ولا أحد يعرف لماذا أشتم، وأنا أطعن بوطنيتى وكرامتى لأننى كتبت قصيدة، ولا أحد قرأ حرفاً من هذه القصيدة.


لقد دخلت قصيدتى كل مدينة عربية وأثارت جدلاً كبيراً بين المثقفين العرب إيجاباً وسلباً، فلماذا أحرم من هذا الحق فى مصر وحدها؟ ومتى كانت مصر تغلق أبوابها فى وجه الكلمات وتضيق بها.


يا سيدى الرئيس..


لا أريد أن أصدق أن مثلك يعاقب النازف على نزيفه، والمجروح على جراحه، ويسمح باضطهاد شاعر عربى أراد أن يكون شريفاً وشجاعاً فى مواجهة نفسه وأمته، فدفع ثمن صدقه وشجاعته.


يا سيدى الرئيس..


لا أصدق أن يحدث هذا فى عصرك.


بيروت فى 30 تشرين الأول أكتوبر نزار قبانى


رد عبد الناصر


ولم يطل صمت عبد الناصر، ولم تمنعه مشاكله الكثيرة، وهمومه التى تجاوزت هموم البشر، من الاهتمام برسالتى، فقد روى لى أحد المقربين منه، إنه وضع خطوطاً تحت أكثر مقاطع الرسال وكتب بخط يده التعليمات الحاسمة التالية:


1-لم أقرأ قصيدة نزار قبانى إلا فى النسخة التى أرسلها إلىَّ. وأنا لا أجد أى وجه من وجوه الاعتراض عليها.


2-تلغى كل التدابير التى قد تكون اتخذت خطأ بحق الشاعر ومؤلفاته، ويُطلب إلى وزارة الإعلام السماح بتداول القصيدة.


3-يدخل الشاعر نزار قبانى إلى الجمهورية العربية المتحدة متى أراد، ويُكرَّم فيها كما كان فى السابق


التوقيع: جمال عبد الناصر


بعد كلمات جمال عبد الناصر، تغيَّر الطقس، وتغيَّر اتجاه الرياح.. وتفرَّق المشاغبون وانكسرت طبولهم، ودخلت «الهوامش» إلى مصر بحماية عبد الناصر، ورجعتُ أنا إلى القاهرة مرة بعد مرة.. لأجد شمس مصر أشدَّ بريقاً، ونيلها أكثر اتساعاً، ونجومها أكثر عدداً..


إننى أروى هذه الحادثة التى لا يعرفها إلا القلة من أصدقائى، لأنها تتجاوز دائرة الأسرار الخصوصية، لتأخذ شكل القضية العامة.


فقضيتى مع الرئيس عبد الناصر ليست قضية شخصية، أى علاقة بين قصيدة ممنوعة ورقيب يمنعها. إنها تتخطى هذا المفهوم الضيق، لتناقش من الأساس طبيعة العلاقة بين من يكتب ومن يحكم. بين المفكر وبين السلطة.


فالعلاقة بين الكتابة وبين الحكم علاقة غير سعيدة، لأنها علاقة قائمة فى الأصل على سوء الفهم وانعدام الثقة.


لا الكاتب يستطيع أن يتخلى عن غريزة الكلام، ولا الحاكم يقبل أن يسمع صوتاً غير صوته، وإذا قبل أن يستمع فلا يطربه إلا صوت الكورس الرسمى..


ومنذ القديم كان الكلام يقف فى جهة، والمقصلة تقف فى الجهة المقابلة. ومع هذا لم يتوقف الكلام، ولم تتعب المقصلة.


وفيما يتعلق بالحاكم العربى، فقد تعوَّد - وراثياً - أن ينام على سرير من قصائد المديح والإطراء، وأن تُحمل إليه أشعار الشعراء على صوانى الفضة.


إنه مقتنع - بحكم العادة - أنه شمس .. وأنه كوكب .. وأنه ممطر كالسحاب، وكريم كالبحر، «فليتق الله سائله».


والحاكم العربى الحديث، هو ابن آبائه، يحمل ملامحهم النفسية، ونقاط ضعفهم، وقناعتهم بالتفرد والعصمة. ولا يتصور أن فى قاموس الحكم كلمة «لا»، لأن أذنه أدمنت كلمة «نعم»، ورنينها السحرى.


لقد كسر الرئيس عبد الناصر بموقفه الكبير جدار الخوف القائم بين الفن وبين السلطة، بين الإبداع وبين الثورة. واستطاع أن يكتشف، بما أوتى من حدس وشمول فى الرؤية - أن الفن والثورة توأم سيامى ملتصق، وحصانان يجرَّان عربة واحدة.. وأن كل محاولة لفصلهما سيحطم العربة، ويقتل الحصانين.


الصور المقترحة


صورة للرئيس عبد الناصر - صورة لنزار قبانى خصوصاً أنهما لا توجد لهما صورة مشتركة فنزار لم يقابل عبد الناصر أبداً، ويمكن الاستعانة بصور من الخامس من يونيو، ويمكن نشر غلاف قصيدة: هوامش على دفتر النكسة لنزار قبانى