انقلاب الشيخ ديفيد للتخلص من حكم السيسى

28/09/2016 - 2:33:04

بقلم - عبدالقادر شهيب

من أجل التخلص من حكم الرئيس السيسى، لجأ الكاتب الصحفى الشهير ديفيد هيرست فى مقاله الأخير إلى كل شىء أو حتى الأسلحة الفاسدة وغير المشروعة، بدءا من استعارة أمثال إنجليزية، وارتداء عمامة وإطلاق لحية للاستعانة بقصة قرآنية، ومرورًا بارتكاب الأخطاء المهنية التى تعيب الصحفى الصغير والمبتدئ ناهيك عن صحفى عجوز، ثم إثارة الشكوك ودق الأسافين فى علاقة السيسى بقادة دول الخليج، خاصة قادة السعودية والإمارات، وانتهاء.. وهذا هو الأخطر.. تحريض القوات المسلحة المصرية على رئيس الجمهورية، وهكذا الرجل الذى لم يكف حتى الآن عن نعت الإطاحة الشعبية بحكم الإخوان الفاشى بالانقلاب العسكرى يدعو بلا خجل إلى انقلاب عسكرى ناعم على السيسي!.. وعجبى على رأى عم صلاح جاهين!


أن ديفيد هيرست تجاوز ما فعلته مجلة الأيكونوميست، وكان أمرًا شاذًا صحفيًا، حينما طالبت السيسى بعدم الترشح لفترة رئاسة ثانية، وانطلق فى مقاله الجديد فى صحيفة “ميدل ايست أي”، الذى اختار له عنوانًا فجًا، ليروج إلى أن حكم السيسى قد انتهى بالفعل.. وأنه يتعين الاهتمام الآن بالبحث عمن سيخلفه فى الحكم.. الانتخابات الرئاسية الجديدة فى عام ٢٠١٨.


ومن أجل ذلك لجأ الصحفى الكبير الشهير بشكل فج إلى ارتكاب أخطاء مهنية جسيمة.. يلام عليها الصحفى المبتدئ والصغير إذا ارتكب بعضها.. فهو أورد فى سياق مقاله معلومات مغلوطة وغير صحيحة مثل القول بأن دول الخليج قدمت إلى مصر بعد تولى السيسى رئاستها نحو ٥٠ مليار دولار، بينما كل ما حصلت عليه مصر من هذه الدول ومعها تركيا منذ ٢٠١١ وحتى هذا العام بما فيها السنة، التى حكم فيها الإخوان لا يتجاوز ٣٠ مليار دولار، أقل من نصفها “١٣ مليار دولار” حصلت عليها مصر خلال السنتين، اللتين حكم فيهما السيسى.. وأيضًا مثل الادعاء أن الرواتب التى تم رفعها والسيسى رئيسًا للجمهورية كانت هى فقط رواتب العاملين فى القوات المسلحة والشرطة والقضاء، رغم أن الزيادة فى الرواتب شملت كل العاملين فى مؤسسات وأجهزة الدولة وشركات قطاع الأعمال العام، وأيضًا مثل الادعاء أن احتياطيات النقد الأجنبى تراوحت إلى أدنى مستوى لها فى يوليو الماضى منذ ١٦ شهرًا مضت، رغم أن هذه الاحتياطيات كانت أقل مما هى الآن “١٧ مليار دولار” عما كانت عليه، حينما تسلم السيسى مسئولية توليه مهام منصبه كرئيس للجمهورية، حيث سجلت وقتها “١٥ مليار دولار”.


بل إن ديفيد هيرست اضطر للكذب المكشوف فى مقاله مثلما ادعى أن الحكومة المصرية لم تفعل شيئًا بالنسبة لبعض الأمور الاقتصادية كضريبة القيمة المضافة والدعم الحكومى وتخفيض الجنيه، رغم أن قانون القيمة المضافة صدر وبدأ تنفيذه بالفعل، والدعم الحكومى للكافة وخدمات أخرى مثل المياه والصرف الصحى ثم تخفيض السنة الثانية على التوالى، أما تخفيض الجنيه فقد تم بقرار من البنك المركزى قبل بضعة أشهر مضت، وأعلن البنك المركزى أنه ينتهج سياسة مرنة لسعر الصرف.. وأيضًا حينما وصف المؤتمر الاقتصادى، الذى عقد فى شرم الشيخ بأنه مؤتمر للمانحين، بينما كان مؤتمرًا لجذب الاستثمارات الأجنبية، وهناك اتفاقات وقعت بالفعل، وبعضها بدأ تنفيذه عمليا وأبرزه ما يخص المشروعات البترولية ومشروعات الطاقة، التى نجحت مصر فى حل مشكلتها والتى كانت تتمثل فى انقطاع لساعات طويلة فى الكهرباء، واختناقات حادة فى البنزين والسولار والبوتاجاز.. وكذلك حينما ادعى ديفيد هيرست أنه تم إغراق الأسواق المصرية بلحوم الحمير، والغريب أنه لم يستنكف كتابة ذلك مستندا لتقارير مجهولة، والأغلب أنه استند فى معلوماته إلى انطباعات ولدتها أنباء راجت عن اكتشاف آثار حمير مذبوحة يتم الآن الاتجار فى جلودها بالتصدير أو الأصح التهريب، ولكى يجمع ديفيد هيرست ما يتيسر له من شواهد ليؤكد بها استنتاجه، الذى استهل به مقاله حول أن حكم السيسى انتهى، لجأ وهو الكاتب الكبير المخضرم - إلى ربط أمور ببعضها البعض لا علاقة أصلًا بها.. والمثال الصارخ هنا حديثه عن أن أزمة الدولار، التى ترتب عليها الموقف المفاجئ الخاص باستيراد القمح الروسى.. وهو هنا يشير إلى قرار وزير الزراعة الخاص بتعديل المواصفة المصرية لاستيراد القمح من الخارج بحيث تخلو بأى نسبة من خطر الإرجوت، وهو القرار الذى ترتب عليه رفض شحنات من القمح ليس الروسى فقط، وإنما الأمريكى أيضًا.. ولم يكن شح الدولار هو السبب، كما لا يغيب عن أى متابع للشأن المصرى، وليس متربصًا بالحكم المصرى مثل ديفيد هيرست.. ولو راجع الرجل ما كتبه هنا لقام بحذفه إذا كان حريصا على سمعته المهنية، خاصة أن مصر بعد عدم تقدم موردين لثلاث مناقصات متتالية لاستيراد القمح من الخارج اتفقت بالفعل على استيراد كميات من القمح الروسى ودفعت ثمنها بالفعل.. فالبنك المركزى يعطى أولوية لاستيراد السلع الضرورية، التى لا يمكن الاستغناء عنها.. لكن يبدو أن حرص كاتبنا على التخلص من حكم السيسى يفوق حرصه على الحفاظ على سمعته المهنية ومصداقية ما يكتب لذلك ارتكب كل هذه الأخطاء المهنية الفجة والسافرة مثلما دأب فى مقالاته السابقة، والأغلب مثلما سيفعل فى مقالاته القادمة أيضًا من أجل تحقيق هدفه، الذى لا يخفيه منذ وقت طويل.


ومن أجل تحقيق هذا الهدف، أى التخلص من حكم السيسى، سعى ديفيد هيرست ليس فقط لاستعارة مثل إنجليزي عن الرجل الميت الذى يمشى على الأرض أو ارتداء عمامة والاستعانة بقصة قرآنية حول “الملك سليمان الذى مات واقفًا متكئًا على عصاه”.. وإنما سعى فى مقال للقيام بما يتعارض مع سلوك الحكماء، الذين صاغوا الحكمة فى الأمثال الشعبية أو المشايخ، الذين يتلون القرآن ويستشهدون به فى أحاديثهم.. فهو سعى إلى دس أسافين فى علاقة الرئيس السيسى بقادة الخليج وتحديدًا بعلاقة كل من السيسى وقادة كل من الإمارات والسعودية، وإثارة الشكوك فى نواياهم تجاه الرئيس المصرى.


وبالنسبة لعلاقة السيسى بالسعودية أورد الشيخ ديفيد هيرست فى مقاله رواية لم ينسبها إلى مصدر ولو حتى غير موثوق به.. وهى الرواية التى قال فيها إن الرئيس التركى أردوغان بحث أمر الحكم فى مصر مع خادم الحرمين الملك سلمان، الذى لم يعترض - كما يترك القارئ - يستنتج من الرواية لم يعترض على البحث عن رئيس جديد لمصر بدلًا من السيسى، ولكنه فقط يرى أنه ذلك قد يعطله عدم وجود بديل، وذلك عندما قال لأردوغان - كما يدعى الشيخ ديفيد هيرست فى روايته -أوجد بديلًا وكأن السعودية، التى سكتت على حكم الإخوان لمصر، رغم انزعاجها بشدة منه وقتها، قد فعلت شيئًا أو فكرت فى العمل على التخلص منه.. بل إن السعودية قدمت لمصر نحو ١.٥ مليار دولار عام ٢٠١٢، وهو العام الذى شهد سيطرة الإخوان على البرلمان، ثم سيطرتهم على رئاسة الجمهورية! أما بالنسبة لعلاقة السيسى بالإمارات فقد تعمد الشيخ ديفيد هيرست على وصف الفريق أحمد شفيق بأنه “مرشح الإمارات لرئاسة مصر” ناهيك عن وصف رجلها المفضل، وذلك يتضمن تلميحًا بأن الإمارات، التى يعيش فيها الفريق شفيق منذ أن خسر انتخابات الرئاسة عام ٢٠١٢ وطعن بالتزوير فيها، تسعى لأن يحل فى موقع رئيس مصر محل السيسى، وهكذا هو يتجاهل متعمدًا أن الإمارات رحبت بالسيسى رئيسًا للجمهورية وشارك ولى عهدها فى حفل تتويجه وخلال العامين اللذين قضاهما السيسى فى رئاسة مصر قدمت الإمارات لنا مساعدات سواء فى شكل قروض أو منح أو ودائع فى البنك المركزى المصرى تبلغ ٧ مليارات دولار كان آخرها ذلك المليار دولار، الذى قدمته الإمارات لنا الشهر الماضى كوديعة فى البنك المركزى المصرى. والأغلب أن ذلك كله لا يفوت على صحفى مخضرم مثل الشيخ ديفيد هيرست، ولكن، كما يقول مثل مصرى شهير “الغرض مرض”.. الرغبة فى التخلص من حكم السيسى فى مصر استولت على الرجل لدرجة أنه صار غير قادر على صياغة أكاذيبه فى شكل مرتب، أو كما يقول المثل المصرى الآخر “كذب من مساوى ولا صدق منعكش” أى غير مرتب، ياليت الرجل يفهم هذا المثل الشعبى المصرى مثلما يفهم فى الأمثال الشعبية المصرية. ولذلك أراد الرجل - بسبب هذه الرغبة الجامحة التى تسيطر عليه - أن يقدم عددًا من المرشحين كبدلاء للرئيس السيسى فى الانتخابات المصرية القادمة.. واللافت للانتباه أولًا أن الرجل سارع باستبعاد أى اسم ينتمى لجماعة الإخوان لأنها تلقت ضربة قاسية، ناهيك بالطبع عن استبعاد عودة مرسى، الذى مازال بعض الإخوان يحلمون بعودته مجددًا!.. واللافت للانتباه ثانيًا أنه أيضًا استبعد أسماء تداولتها مواقع إخبارية وأخرى للتواصل الاجتماعى مثل الدكتور عصام حجى، الذى أعلن إعداد مبادرة جديدة لإعداد برنامج رئاسى يتم على أساسه اختيار المرشح البديل للسيسى، أو مثل د. مصطفى حجازى مستشار رئيس الجمهورية السابق المستشار عدلى منصور، والذى حرص منذ أن فقد منصبه على تقديم نفسه كمعارض للحكم الحالى.. واللافت للانتباه ثالثًا هو حرص الشيخ ديفيد هيرست رغم استبعاده أى اسم إخوانى على أن تضم قائمة المرشحين شخصيات ارتبطت بعلاقات تحالف وتعاون مع جماعة الإخوان مثل أيمن نور ومحمد محسوب، لأنهما - كما قال - ينشطان فى مبادرات لإحياء المعارضة السياسية، مدعيًا أنهما لا علاقة لهما بالإخوان، وهو ادعاء يعرف الشيخ ديفيد أنه بالطبع كاذب حتى ولو لم تتطابق مواقفهما تمامًا مع كل مواقف جماعة الإخوان! أما الأخطر من ذلك كله فهو ما قام به الرجل فى مقاله لتحريض القوات المسلحة على السيسى، وإثارة الشكوك ودس الأسافين فى علاقة رئيس الجمهورية بقادتها خاصة كل من الفريق الأول صدقى صبحى، القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والفريق محمود حجازى، رئيس الأركان، والذى تربطه علاقة مصاهرة بالرئيس السيسى.


فإن الشيخ ديفيد اهتم على أن يوضح أن البديل للرئيس السيسى سيكون رجلا عسكريا ابنًا للقوات المسلحة المصرية.. وهذا يتبدى بوضوح فإن الرجل.. هو الذى لم يكف منذ الثالث من يوليو ٢٠١٣ عن وصف إطاحة الشعب بحكم الإخوان أنه انقلاب عسكرى، يقدم بديلًا للسيسى من داخل -كما قال- المؤسسة العسكرية ويراه مناسبًا لقيادة ما أسماه مرحلة انتقالية.. ولكن دعنا من ذلك لما هو الأخطر فعندما قدم الشيخ ديفيد أربعة مرشحين من أبناء المؤسسة العسكرية المصرية تعمد أن يكون بينهم كل من وزير الدفاع ورئيس الأركان فى القوات المسلحة.. وتغافل الشيخ ديفيد ما أعلنه مؤخرًا الفريق صدقى صبحى فى وجود الفريق محمود حجازى مؤخرًا وسط جمع من الجنود والضباط أن القوات المسلحة تقف مساندة وداعمة للقيادة السياسية.. وهذا الكلام الذى حرص القائد العام للقوات المسلحة على أن يعلنه والرئيس السيسى فى نيويورك لحضور فعاليات اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، يترجم عمليًا فى الدور المهم والمتزايد الذى تقوم به القوات المسلحة المصرية فى دعم عملية التنمية من خلال مساهمتها الكبيرة سواء فى المشروعات الكبيرة أوفى المساهمة فى تخفيف حدة الأزمات والمشاكل الاقتصادية.. لكن الشيخ ديفيد تعمد عمدا إغفال ذلك لأنه يريد دق إسفين فى علاقة القائد الأعلى للقوات المسلحة بكل من القائد العام ورئيس الأركان، وبدا ذلك واضحًا وسافرًا ومكشوفًا عندما قال إن علاقة المصاهرة، التى تربط الأخير برئيس الجمهورية قد يتجاوزها الطموح فى منصب رئيس الجمهورية!


وهذا هو الأمر الخطير حقًا أن الرجل، الذى يهاجم ويرفض الانقلابات العسكرية يضبط متلبسًا فى مقاله الأخير بالترويج لانقلاب عسكرى أو على الأقل تمرد للقادة على قائدهم الأعلى.. والشيخ ديفيد فعل ذلك تحت ضغط رغبته الدفينة للتخلف من حكم السيسى، خاصة أن ذلك رهان قديم حاوله الإخوان مبكرًا بعد الإطاحة بهم من الحكم مباشرة، وظل يراود بعض الذين يقدمون أنفسهم على أنهم يرفضون أى دور للمؤسسة العسكرية غير حماية الأرض وتأمين الحدود. والذى يعزز استنتاجنا بأن الشيخ ديفيد يهدف بما كتبه دق إسفين فى علاقة الرئيس السيسى، بقيادة المؤسسة العسكرية، أن الرجل لا يخفى انحيازه من بين المرشحين الأربعة أبناء القوات المسلحة، الذين اختارهم بدلاء للسيسى لواحد منهم، وهو الفريق سامى عنان، رئيس الأركان الأسبق للقوات المسلحة، فرغم أنه وصفه بالتعلب، وقال إنه كان من الراغبين فى الانقلاب على مرسى، مع أنه ترك منصبه بعد تولى مرسى رئاسة الجمهورية بأسابيع قليلة، إلا أن الشيخ ديفيد يراه أنه يمكن أن يقود المرحلة القادمة فى مصر نظرًا لأنه تربطه.. من وجهة نظره - علاقات طيبة مع السعودية وأمريكا.. وهو هنا يفضله على المرشحين الثلاثة الآخرين، الذين قدمهم بمن فيهم الفريق شفيق، الذى قال عنه: إنه يتمتع بقطاع لا بأس به من الطبقة المتنفذة والأغلب أيضًا أن الشيخ ديفيد كان يبغى زيادة تعكير علاقته بالحكم فى مصر.


وهكذا يكاد المريب أن يقول خذونى “وهذا مثل شعبى عربى أيضًا”.. والمرعب أقصد الشيخ ديفيد يقول لنا هدفنا الآن إبعاد القوات المسلحة عن الرئيس السيسى ودق إسفين فى علاقته مع قادتها لحرمانه من أهم سلاح لديهم.. أفهمتم إذن؟!