شبكة مُمتدة بين المحافظات.. ومطروح الأولى فى تسهيل عمليات الهروب السماسرة.. وكلاء «عزرائيل» فى الأرض

28/09/2016 - 2:30:34

تحقيق: نور عبد القادر - أشرف مصباح- سارة زينهم

محمد الجندى.. طالما لم تأت على خاطرك فكرة الخروج غير الشرعى من البلاد، فذاكرتك لن تحمل هذا الاسم، وظيفته لن تكون ذات أهمية لديك.. ومن المؤكد أن ما يفعله صباح مساء لن يصيبك بالحزن كثيرا مثلما أصاب الحزن غالبية من تعاملوا معه.


السيرة الذاتية لـ«الجندى» تشير إلى أنه من محافظة دمياط، ليس هذا فحسب، لكنه صاحب مركب «موكب الرسول» التى غرقت مؤخرا فى مياه البحر المتوسط، وأودت بحياة أكثر من ١٦٠ مصريا كانوا يحاولون الخروج من البلاد بصورة غير شرعية، وإلى جانب المركب الغارقة يمتلك «الجندى» أيضا مركبا ثانيا يطلق عليها «البعلاوى»، ويستخدمها هى الأخرى فى عمليات نقل المهاجرين غير الشرعيين، وهو المركب ذاته الذى تم احتجازه مرتين فى المياه الإقليمية التركية وتحديدا فى عامى ٢٠١٠ و٢٠١٤.


ويُعد «الجندى» من أكبر مُهربى البشر على مستوى مصر، بالتنسيق مع عدد من السماسرة من قرية الجزيرة الخضراء، التى غرق منها وحدها على متن المركب المنكوب ٢٨ شابا وقرية برج مغيزل بكفر الشيخ الواقعتين فى مركز مطوبس بكفر الشيخ.


«الجندى» لم يكن الوحيد ذائع الصيت فى سوق «الموت»، حيث تبين أن السوق يضم أيضا كلا من، «حنفي.أ.ف»، من برج مغيزل، ومقيم بالإسكندرية، و«عيد.م.ا»، و«فهيم.م»، و«أشرف.س»، و«يوسف.م»، جميعهم مقيمون بقرى برج مغيزل والجزيرة الخضراء والسكرى بمطوبس.


لو ابتعدنا كليومترات قليلة من «برج مغيزل»، التابعة لمحافظة الفيوم، لتصل أقدامنا إلى مطرح التى تتصدر قائمة المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية، يتضح أن عمليات التهريب يقوم بها سماسرة من أبناء القبائل تعيش فى جبال وصحراء الحدود الغربية، التى لا تعرف سوى جمع الأموال وغابت عنهم الرحمة لم تؤثر فيهم مشاهد الأشلاء المتناثرة والجثث المنتفخة التى تحملها الأمواج وتقذف بها على شواطئ الحدود الغربية.


«سماسرة مطروح» على عكس أشباههم فى كفر الشيخ، لا يوجد لهم مكان محدد، ولا عنوان معروف، حيث إن أهالى المحافظة يتبرأون منهم، ويضعونهم فى خانة القتلة، والفئة الضالة التى تجاوزت العادات والتقاليد.


وبتتبع خيط «عمل سماسرة مطروح» يتضح أن عددا من أبناء البدو هناك، وتحديدا العارفين بالدروب الصحراوية والمدقات الجبلية على الحدود الغربية لمصر بتجارة البشر وتسهيل هجرة الشباب من مصر إلى ليبيا بطرق غير مشروعة مقابل مبالغ مالية تصل إلى ١٠ آلاف جنيه للرأس الواحد.. حيث يأتى الشباب إلى السمسار قبل الأخير بمطروح ويتقاضى منه مبلغ ٣ آلاف جنيه و٧ آلاف أخرى «باقى المبلغ» قبل تسليمه لسمسار السلوم، الذى يتقاضى منه ٣ آلاف أخرى لتوصيله إلى زوارق الموت على الحدود الليبية مع مصر ومنها إلى دول إيطاليا واليونان القريبة من السواحل الليبية.. فهم يدفعون بالشباب، وأيضا نساء بل وأطفال لم تتجاوز أعمارهم ١٥ عاما إلى طرق غير معلومة قد تؤدى إلى الموت ويعرضونهم إلى فناء أرواحهم دون رحمة أو ضمير.


كما يتضح أيضا أن سماسرة مطروح يتعاملون فيما بينهم وفقا لشفرات لا يعرف طريقة التعرف عليها إلى من يعملون معه، مع الأخذ فى الاعتبار أيضا أنهم ينشرون لهم عملاء فى محافظات وقرى مصر يستهدفون الشباب، الذى يبحث عن الثراء السريع ويلعبون على أوتار اليورو والدولار، وحينما يقع الشاب فى شباك إغراءاتهم الذى يقدمونها له يبيع ما لديه وتكون تكلفة السفر ٣٠ ألف جنيه فيقوم بتجميع أكثر من شخص ويحدد لهم السفر إلى محافظة مطروح, حيث الحلقة الأخيرة لرحلة الموت المتخفى فى كفن الثراء فهم يأتون إلى محافظة مطروح عبر سيارات أجرة مخصصة لخدمة هؤلاء السماسرة ويجلسون على أحد المقاهى المعروفة بتردد الراغبين فى الهجرة غير الشرعية عليها، وعند وصولهم يجدون من ينتظرهم دون معاناة ويصحبهم إلى احد المنازل للانتظار يوما أو يومين إلى أن يتجمع عدد من الشباب وتحملهم سيارات تابعة للمقاولات كأنهم عمال بناء إلى مدينة السلوم ويتم وضعهم فى أحد المنازل التابعة للسمسار بمدينة السلوم، وعند حلول المساء يتحركون عبر الدروب الصحراويةلمدة لا تقل عن اربع ساعات كاملة ولا احد ينظر خلفه وعند الوصول لوادى معروف للسماسرة يبيتون هناك إلى أن تحين ساعة الانطلاق فى زوارق صغيرة متجهه إلى السواحل ليبيا ومنها إلى إيطاليا واليونان.


أحد السماسرة – تحفظ على ذكر اسمه، قال: لا أبحث على من يريد السفر، بل العكس ما يحدث من يريد السفر هو الذى يبحث عنى، حيث يأتى إلى شباب من محافظات مختلفة عن طريق أصدقائى ومعارفى المنتشرين فى غالبية المحافظات، وكل ما أفعله أننى أتقاضى منهم مبلغا ماديا مقابل أن أرشدهم إلى أحد الأشخاص فى مدينة السلوم يتولى هو عملية إخراجهم من الأراضى المصرية وإدخالهم إلى ليبيا، سواء عبر الطرق الصحراوية أو عبر زوارق صيد صغيرة تنتظرهم على الحدود المصرية الليبية ومنها إلى دول أوربا.


وفيما يتعلق بـ«التسعيرة» التى يفرضها على الراغبين فى الوصول إلى «سمسار السلوم»، قال: المبالغ المالية تختلف طبقا للحالة الاقتصادية للشخص وتحدد من قبل السماسرة المتواجدين بالقرى والمحافظات فكل منهم يعرف الظروف المالية لكل شخص، كما أن الدولة التى يريد الشاب الرحيل إليها تلعب دورا هى الأخرى فى تحديد السعر.


من جانبه قال الشيخ عمر راجح، من أهالى سيوة: من يقومون بأعمال التسفير يرتكبون جرائم إنسانية خطيرة لأنهم يعلمون أنه طريق بلا عودة فهم يساعدون الشباب فى التسلل عبر الحدود والجرى فى الطرق الملغومة وشحنهم فى زوارق متهالكة ليبتلعهم البحر، ويتحصلوا على أموال دون وجه حق، وذلك لما يعلمه الجميع أن هؤلاء السماسرة يلعبون على ظروف الشباب ورغبتهم فى تحقيق الثراء السريع فيمارسون ضغوطا معسولة هى أقرب ما تكون إلى الابتزاز مع وعدهم بالجنة، التى سيجدونها فى البلد الذى يقصدونه بالهجرة.


 الشيخ «راجح» واصل حديثه قائلا: يجب على الدولة وضع قوانين تجرم عمل السماسرة باعتبار أنهم ارتكبوا العديد من الجرائم، منها جرائم أخذ المال، ومساعدة أفراد فى تخطى الحدود دون تأشيرة مسبقة، ولابد أن توجه إليهم تهمة القتل بسبب المعدات والأساليب التى يتبعونها مع الشباب المهاجر دون تأمينهم ورعايتهم، مما يؤدى إلى موت الكثير منهم، فلابد من تفعيل القوانين على هؤلاء المجرمين.


فى ذات السياق قال عبد الله القطعانى، من أهالى مدينة السلوم: من يسهل سفر هؤلاء الشباب قلة قليلة من أبناء مطروح تربطهم علاقة بسماسرة المحافظات الأخرى فهم «مافيا» مترابطة متوغلة فى القرى والمدن المصرية ويعرفون مشكلات كل شاب ويحاولون إقناعه بفكرة السفر ويستشهدون بنموذج سبق له السفر، ويتعلق الشاب بالآمال وحلم الثراء ويبيع ما تبقى من أملاك أسرته المتواضعة للسفر, فيتجه الشباب إلى من فقدوا ضمائرهم بالفعل، فينهبون أموالهم، ثم يقتلونهم بدفعهم إلى السفر عبر زوارق متهالكة غير آدمية، أما الشباب فيعرضون حياتهم لخطر قائم على الوهم.


«القطعانى» أوضح – فى سياق حديثه- أنهم وجدوا خلال الشهر الماضى عشرات من الجثث المنتفخة ممزقة الأشلاء غير معلومة الهوية على شواطئ مطروح، وكانوا لا يحملون أى أوراق تثبت شخصيتهم أو جنسياتهم.


من جانبه أكد مصدر أمنى بمنفذ السلوم البرى أن معظم الشباب، الذى يتجه إلى الهجرة عبر الحدود الغربية للبلاد من قرى محافظات كفر الشيخ والغربية والمنيا وأسيوط وسوهاج، إضافة إلى مهاجرين من السودان وبنجلاديش وسوريا, وأن الأعداد ارتفعت بشكل ملحوظ فى السنوات الأربع الأخيرة بسبب عودة الأمن والسيطرة على حدود البلاد، كما يتم ضبط عدد من السماسرة الذين اعترفوا أنهم يقومون بتهريب المئات من الشباب شهريا وتقوم التحريات بمتابعة المتورطين فى الهجرة غير المشروعة ومحاسبتهم قانونيا.


وبعد التعرف على «سوق الهجرة»، التقت «المصور» أحد الشباب الذين حاولوا الخروج من البلاد بصورة غير شرعية، وهو من محافظة الدقهلية، وتحديدا «ميت الكرما»، وعن تفاصيل الرحلة قال: «ميت الكرما معظمها بيهاجروا لإيطاليا وده حال كل الشباب هنا، والبلد فيها أكتر من سمسار وأكتر من وسيط اللى بيسفروا الشباب, وإحنا كل اللى بنعمله إننا بنتفق مع الوسيط اللى بيكون حلقة الوصل بينا وبين السمسار أو السمسار مباشرة وبنتفق على مبلغ من ٢٠ إلى ٤٠ ألف جنيه.


الشاب أضاف قائلا: السمسار يجمع عددا كبيرا من شباب القرية والقرى المجاورة اللى عايزين يسافروا ويجمع منهم الفلوس وبعدين ياخدنا لإسكندرية أو كفر الشيخ بنقعد فى شقة لمدة يوم وبعد كده بنركب مركبين أو ٣ مراكب يوصلونا للمركب الكبير اللى المفروض هيودينا إيطاليا، وأنا حاولت الهجرة مرتين وللأسف فشلت ومش هحاول تانى لأنى بشوف كل يوم الناس بتموت وكمان دفعت كل اللى معايا للسماسرة اللى بينهشوا فى لحمنا وبيضحكوا علينا.


وأردف: «إحنا ساعات مش بنشوف السمسار ده ولا بيركب معانا المركب عشان يكون بعيد عن الشرطة ومحدش يعرف يوصله، الشباب مابيبقوش عايزين حاجة غير فرصة عمل تعيشهم حياة كريمة وبيبقوا عاملين زى الغريق اللى بيتعلق فى قشة مابيصدقوا يلاقوا حد يقولهم فى شغل كويس».


ولا زلنا فى قرية «ميت الكرما»، حيث تحدث إلينا أحد السماسرة القدامى والمعروفين فى القرية، وقال: «أنا اشتغلت فى المهنة دى لما لقيت معظم شباب القرية بيسافروا فقولت أهى سوبة ناكل منها عيش، مضيفا أن عملية الهجرة تكون حسب ثمن الدفع فمن يدفع أكثر يستقل مركبا بحالة جيدة ومن يدفع أقل يستقل مركبا بحالة ضعيفة.


السمسار، تابع حديثه قائلا: أحيانا أرد المبالغ المدفوعة إلى الشباب بعدما تصعب عمليات الهجرة من حيث توفير المراكب وترقب الأجهزة الأمنية، و«أنا بسفر الشباب بس مابركبش معاهم فى نفس المركب وبكون على اتصال دائم بالوسيط فى الإسكندرية وجمصة وحتى المياه الإقليمية لكى أعرف التفاصيل أولا بأول، كما أننى أعمل كحلقة وصل وأتقاضى أجرى من السمسار وينتهى دورى فى نقطة معينة عندما يصل الشباب إلى مكان التجمع وبدء الرحلة.


 (محمد - ع) شاب نجا من الغرق فى البحر عندما حاول الهجرة لإيطاليا، قال عن رحلته تلك: «شوفت يوم صعب فى البحر وكنت فاقد الأمل إنى أعيش تانى بس ربنا نجانى، ورحلة الموت بتبدأ لما بندفع ٣٠ ألف جنيه أو أكتر للسمسار، وبعد مابياخدهم مايعرفناش حتى ميعاد السفر هيكون أمتى أو إزاى غير قبلها بساعة, وبنركب عربية توصلنا أحيانا إلى اسطنبول وأحيانا إلى الإسكندرية وهناك بنتجمع حوالى ٤٠٠ أو ٥٠٠ شاب, وبيطلب مننا أحد الأشخاص التابعين للسمسار هناك دفع مبالغ مالية إضافية وإلا هنرجع لبلدنا من غير مانسافر».


«محمد» استكمل حديثه قائلا: «أصعب مرحلة بنمر بيها لما بنوصل للمياه الإقليمية عشان بنضطر للسباحة فى البحر مسافة تتعدى ٣ كيلو مترات وفى ناس مابتبقاش عارفة تعوم فمصيرها بيكون الموت، وبعد مابنوصل للشاطئ يستقبلنا شخص آخر تابع للسمسار بيمشينا وسط الجبال والصخور، وممكن نقعد باليومين هناك وعدد من الشباب بيتعبوا من الرحلة وممكن أن يتركهم الوسيط فى تلك المنطقة».


«السماسرة دول ماعندهمش قلب ولا رحمة كل اللى يهمهم الفلوس إنما حياة ولادنا ماتساويش حاجة عندهم»، بهذه الكلمات التى اصطحبتها الدموع وصف خالد مسعد، والد أحد الشباب الذين ماتوا غرقا فى عرض البحر ,السماسرة، وأكمل بقوله: «الشباب مضحوك عليهم وبيصدقوا وهم السمسارة وياريتهم لما بيشوفوا حد مات أو غرق أو مركب غرقت بيبطلوا يهاجروا لكنهم عايزين يسافروا عشان يجمعوا فلوس وخلاص.


«مسعد» فى نهاية حديثه طالب المسؤولين بعمل خطة سريعة لضبط سماسرة الهجرة غير الشرعية الذين يدمرون حياة الشباب وتوفير فرص عمل ومشروعات صغيرة ومتوسطة للشباب تقلل من رغبتهم فى الهجرة.