الهروب القاتل

28/09/2016 - 2:18:46

بقلم - عبداللطيف حامد

من المؤكد أن حادث مركب رشيد لن يكون الأخير فى تراجيديا الهجرة غير الشرعية، فرغم أن عداد الضحايا كل يوم فى تزايد بحكم أن المركب كان يحمل من ٣٠٠ إلى ٤٠٠ شخص نجا منهم ١٦٤ فقط، والباقى يا ولداه ابتلعهم البحر، وقبله مآسٍ لا حصر لها بطول سواحل البحر المتوسط على امتداد ١٠٥٠ كيلو متراً من مدينة رفح شرقا إلى السلوم غربا، فلن تتوقف محاولات الهجرة من البلد إلا بعلاج أسبابها من الجذر، وليس مجرد التصريحات الحكومية العنترية لحفظ ماء الوجه أمام هول المصيبة، وفداحة الكارثة كما تعودنا فى كل المصائب والمحن.


لابد أن تعترف الحكومة أنها مسئولة عن هذه الأرواح البريئة التى أجبرتها الظروف المعيشية الصعبة إلى اتخاذ قرار السفر إلى إيطاليا وأخواتها بحرا، مع أن احتمالات الموت أقل من الأمل فى الحياة بمراحل بطول المسافات بين السواحل المصرية ونظيرتها الإيطالية، وحتى بعد الوصول المشكوك فى أمره يمكن الوقوع فى فخ الخفر الإيطالى ليعودوا من حيث جاءوا على وعد بتكرار المأساة من جديد عندما تحين الفرصة، فالغالبية من هؤلاء المخاطرين بأعز ما يملكه بشر وهو النفس هم شباب يأسو من إيجاد حياة كريمة فى الوطن، فلا وظيفة مناسبة لكسب لقمة العيش بالحلال، ولم تشفع لهم الشهادات الجامعية أو المتوسطة، فما بالك بحملة الدبلومات، ولن ينكر أى مسئول أو عضو برلمان أو رجل أعمال أن طلبات التوظيف والتوصيات تنهال عليه فى مختلف الأماكن التى يتردد عليها من الراغبين فى العمل، فيقف مكتوف الأيدى مع رشة وعود يعلم أنه لن يفى بها، ولا شقة يعتبرها الشاب بوابة التقدم لبنت الحلال مؤقتا على ما تفرج بالشغل، فالأوراق المطلوبة تحتاج إلى مفردات مرتب، وضمانات، وطبعا مقدمات مالية لا طاقة لهم بها خصوصا لو فكر أو خطر بباله التقدم للإسكان المتوسط أبو نصف مليون للشقة، وكل مرحلة فى الطالع، وهنا يجد الشباب لا محالة الهروب من الموت البطىء سوى حلم الوصول إلى ايطاليا واليونان وغيرها من العواصم الأوربية، طالما هناك ناس جربوا ونجحوا، وقبل كل شيء وبدون الدخول فى دوامة الحسابات الأقدار بيد الله متناسين أن الإنسان مأمور بعدم إلقاء نفسه فى التهلكة.


طبعا سيسارع البعض من الذين يضعون أيديهم فى المياه الباردة وليست نار العوز والحاجة، ويقولون من الخطأ أن يبيع الشاب مصاغ الأم، ويجبر أهله على السلف والدين بمبالغ تصل إلى عشرين أو ثلاثين ألف جنيه، إلى جانب كتابة شيكات على نفسه رغبة فى الهجرة غير الشرعية، فى حين الأفضل أن يفتح مشروعا ليعيش منه، علما أن هذه ليست الصورة الكاملة، فكثيرا ما تدفع الأسر خصوصا فى الريف أبناءها لخوض التجربة المريرة فى ظل تعدد العاطلين فيها، وتزايد الأعباء والمسئوليات كل يوم كاقتراب زواج البنات، أو إصابة الأب أو الأم بمرض يتطلب مصاريف كبيرة بينما الحالة ضنك، والمستشفيات العامة لا تداوى وجعا، بل تجلب قائمة طويلة من الأمراض البدنية والنفسية، ويجد الشاب المسكين نفسه المخلص لأسرته من العذاب، ولا سبيل إلا التضحية، وكما يقول المثل الشعبى «يا صابت يا اتنين عور»، أما عن حكاية تجاهل الشباب للمشروعات الصغيرة، فحدّث ولا حرج، فالأمر يستلزم تراخيص لها أبواب خلفية، ورأس مال بمئات الآلاف ، والسنوات بتجرى، وربنا يديك طول العمر، والانتظار أحر من الجمر، ومياه البحر أرحم وأوسع، وأرجوكم لا يتحدث أحد المسئولين مع الشباب عن مبادرة الرئيس السيسى لتخصيص ٢٠٠ مليار جنيه لهذه المشروعات لأن الروتين، والتعقيدات التى يفرضها موظفو البنوك قتلتها فى مهدها، وأطالب البنك المركزى بإعلان المبلغ الذى تم إقراضه منها حتى الآن بشرط توضيح قائمة المقترضين .


والأخطر أن الكثيرين وفى مقدمتهم الشباب يدفعهم الفساد المنتشر فى مختلف القطاعات والمجالات إلى البحث عن مهرب للخارج، فهم يسمعون ويقرأون يوميا عن مافيا السطو على المال العام بالمليارات من الزراعة إلى التموين إلى الإسكان إلى الأوقاف حتى مال الله لا يسلم من النهب، والسرقة، وبالتالى يفكر هؤلاء الشباب فى الهجرة، المؤهل منهم تعليميا وماديا يطرق أبواب السفارات الأجنبية ليغادر بلا عودة، وهذه ليست مبالغة أو خواطر شخصية، فعلا هناك رغبة متصاعدة بين فئة غير قليلة للرحيل، وتشهد بذلك مناقشاتهم وصفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعى، وحواراتهم على المقاهى والتجمعات الشبابية لو يعلم السادة فى وزارة الشباب والرياضة، أما غير القادرين وهم كثر فلا سبيل لهم إلا الارتماء فى أحضان البحر، ومراكب الموت عسى أن الجرة تسلم ولو لمرة واحدة، فمتى تضع الحكومة استراتيجية متكاملة اقتصاديا، واجتماعيا للتصدى لظاهرة الهجرة غير الشرعية، ووقف نزيف أرواح شبابنا؟، والله أعلم.