إخوان مصر وإعادة تدوير القيادات القديمة

28/09/2016 - 2:01:42

  محمود عزت محمود عزت

بقلم : أحمد بان

فى الوقت الذى تضرب فيه جماعة الإخوان تطورات هىّ الأعنف عبر تاريخها، والتى انقسمت على إثرها إلى قسمين أو جماعتين تختلفان ظاهريا حول منهجين ثورى وإصلاحى، الأولى ترى ضرورة وحتمية التصعيد العسكري مع النظام السياسى، والتخلى عن هذا الوجه الإصلاحى الذين يرون أنه أضر بالجماعة وبحظوظها، ومكَّن خصومها من النيل منها وإخراجها بضربة واحدة من المشهدين السياسى والدعوى، بعدما كانت قد سيطرت على كل الساحات وأقصت الجميع


هذا الفريق الذى راهن على العمليات النوعية وشغل ماكينة العنف التى أودت بحياة أعداد كبيرة من شباب الجماعة، ولم تتعرض مسيرة العمل النوعى للتوقف إلا بفعل توقف الدعم المالى الذى تحتكره المجموعة الثانية، والتى كان على رأسها محمود عزت ومحمود حسين وإبراهيم منير، تلك المجموعة التى وجدت أن المضى فى مسارات العنف حتى لو كان محسوبا، سيحفر للجماعة مكانا مستحقا فى قاع الجحيم سجنا وتقتيلا وإنهاءً لوجود شرعى ظلت الجماعة تحلم به طويلا.


تنوعت مشاهد التلاسن والصراع بين الفريقين الذى تمسك كل منهما بالسفينة التى كانت على وشك الغرق، وإدعى كل منهما أنه صاحب الشرعية والممثل الوحيد للجماعة، وساهم هذا المشهد الذى أبرز حالة الانقسام والتشظى فى فقدان قطاعات واسعة من أعضاء الجماعة الثقة بالفكرة ذاتها، وهو الأمر الذى كان جديدا فى مسيرة الجماعة التى ظلت فكرتها محل اتفاق، سواء من انتظم فيها وأصبح جزءا من هياكلها وأقسامها وأدى قسم الطاعة لها، أو من شاركها أفكارها ودعم ممثليها فى أى إستحقاق إنتخابى، ترجمة لرصيد من الثقة راكمته الجماعة عبر عقود بحق أو بباطل.


من بين كل المشاكل البنيوية التى ضربت جماعة الإخوان تبقى مشكلة القيادة هىّ الأخطر عبر تاريخها، فقد فقدت الجماعة بوصلتها الهادية بموت حسن البنا صاحب القدرات الخلاقة الذى جمع بين العلم الشرعى والفقه الحركى، مع الوعى السياسى الذى مكنه من أن يكون الرقم الصعب فى وقت حافل بالمتغيرات والتعقيدات، واستطاع أن يدير علاقاته مع الجميع على قاعدة مصالح التنظيم، وبعيدا عن الأخطاء التى وقع فيها، إلا أنه كان الوحيد الذى يملك تأثيرا قويا على أنصاره ويتمتع بكاريزما، جعلت محمد التابعى الصحفى الشهير على زمنه هو وإحسان عبدالقدوس لا ينتبهان لساعات مرت عليهم وقوفا وهم يستمعون إليه وهو يخطب فى حديث الثلاثاء، هذه القدرات الخطابية والإدارية ومقومات الزعامة الحقيقية اختفت فجأة فى العام ١٩٤٩، أى بعد ٢١ عاما من ميلاد الجماعة لينشب أول صراع على القيادة بين فريق، قدم شقيق البنا عبدالرحمن الذى كانوا يعتبرونه الأكثر شبها بأخيه، أو صالح عشماوى أو أحمد حسن الباقورى أو حتى جمال عبدالناصر الذى احتج البعض بأن حسن البنا أوصى بأن يكون هو المرشد من بعده، مما يدل على فراسة الرجل ومعرفته بالرجال، لكن عجلة الاختيار تجاوزت كل هؤلاء لتقف على شخص لم يكن معروفا للصف الإخوانى أو لعالم السياسة حتى، وهو المستشار حسن الهضيبى هذا الرجل الصامت حتى إن حسان حتحوت أحد الرعيل الأوائل للجماعة عبر عن ذلك بقوله، «كان اختيار الأستاذ المستشار حسن الهضيبى لمنصب المرشد العام مفاجأة مذهلة، لم يكن من صفوف الإخوان بل لم يكن معروفا للغالبية العظمى منهم، وكان رجلا شديد الهدوء استماعه أكثر من كلامه بكثير، فمهنته من قاضٍ إلى مستشار بمحكمة النقض والإبرام، كانت مهنة إنصات وتفكير»، وبينما اعتاد الإخوان إلى حد الإدمان، الطاقة الخطابية الخارقة والحديث الذى يملك الأسماع والقلوب من مرشدهم حسن البنا، وجدوا رجلا يعتلى المنصة ليقول اعكفوا على تلاوة القرأن وتفهموه واعملوا به، وتكون هذه تقريبا هى الخطبة يقولها فى صوت خفيض متئد، كان اختيار الرجل ترويجا من النظام الخاص الذى وُجِد فيه شخص يستطيعون توجيهه وإدارة الجماعة من خلف ظهره، مع الإستفادة من الصورة الذهنية التى يصنعها وجود قاضٍ على رأس الجماعة، التى كانت قد حلت بقرار حكومى متهمة بالإرهاب.


بقى الرجل فى منصبه مرشدا عاما لإثنين وعشرين عاما حتى وفاته، وقد كان لطريقته فى إدارة الجماعة وطريقته فى التعاطى مع جمال عبدالناصر نصيب كبير فى اشتعال الصراع واحتدامه حتى وفاته، وتولى عمر التلمسانى منصب المرشد العام، وبالرغم أنه من المعروف أنه لم يكن مرشدا بصلاحيات كاملة داخل التنظيم، الذى احتفظ بالسيطرة عليه مصطفى مشهور وأحمد حسنين وباقى مجموعة النظام الخاص، خصوصا أنه لم يكن أى التلمسانى من رجال النظام الخاص، إلا أن الكثيرين يعتبرون التلمسانى هو المؤسس الثانى للجماعة بعد البنا، حيث خرج بها للعلن واستطاع أن يرمم صورتها ويجدد دماءها بشباب الجامعات المصرية كأبو الفتوح والجزار والعريان وغيرهم، ممن أعادوا تسكين الجماعة كرقم صعب من جديد فى المعادلة السياسية، الأمر الذى توافق مع مساعى السادات لتوظيفهم فى مواجهة الطيف المعارض من اليساريين والقوميين، وبوفاة التلمسانى فى العام ١٩٨٦ دانت الأمور تماما للنظام الخاص، الذى قدم محمد حامد أبو النصر الذى كان رجلا ضعيفا يفتقر لمقومات الإدارة أو الزعامة، غير أنه فقط كان من رجال النظام الخاص وكان المرشد الفعلى هو مصطفى مشهور، الذى خرج من السر إلى العلن ليتولى منصب المرشد فى العام ١٩٩٦ رسميا، واشتهر بالعديد من الأزمات التى كشفتها تصريحاته مثل حديثه عن ضرورة دفع أقباط مصر للجزية، وبقى النظام الخاص يدير الجماعة عبر مرشدين تولوا الأمر من بعده كمحمد مهدى عاكف ومحمد بديع القطبى.


ما أعنيه أن أزمة الفراغ القيادى ظلت قائمة حتى مع وجود شخصيات لها تاريخ داخل التنظيم، لكنها افتقرت لمقومات حسن البنا ومن ثم ظلت قضية القيادة هى مقتل الجماعة، وهو ما يقفز للواجهة من جديد مع إعلان ولد الددو القيادى الموريتانى فى لقاء مع أحمد منصور عبر فضائية الجزيرة، عن تكليف محمود عزت لإبراهيم منير بالنهوض بمهامه كمرشد مع تعيين أحمد عبدالرحمن مسئول مكتب المصريين بالخارح نائبا للمرشد ومساعدا للقائم بالأعمال، هذا السيناريو الذى كان مطروحا قبل عام مضى.


التنظيم فى النهاية حتى بعد القبض على معظم قياداته التاريخية أو القطبية لا يثق سوى فى رجاله، ومن ثم فقد اهتدى إلى إعادة تدوير القيادات القديمة، حتى لو بلغت من العمر عتيا، لذا تفقد التنظيم من تبقى من رجاله فلم يجد سوى إبراهيم منير، المتهم فى تنظيم ٦٥ وأحد رجال التنظيم القطبى والقريب من الإنجليز، فيعوم الجماعة عبر شخصية مقبولة لديهم من جهة ومن جهة أخرى يستوعب الغضب فى صفوف الجماعة، بتعيين أحمد عبدالرحمن نائبا بلا أى صلاحيات، كل هذا يجرى دون أى تشاور مع الصف الإخوانى، الذى يجلس فى إنتظار الخيط الأبيض على طريقة اختيار بابا الفاتيكان من بعض الكرادلة، ثم يبارك الشعب الكاثوليكى الاختيار ويبتهج به.


حتى الآن لا تبدو إعادة التدوير طريقة مقبولة داخل الصف الإخوانى، ومن ثم لا أتصور أن الجماعة ستستعيد وحدتها التنظيمية والفكرية من جديد، بعد حالة الإفلاس الفكرى والقيمى والإدارى، والأهم السياسى الذى ضربها فى العديد من المحطات، ومن ثم ما زلنا أمام مزيد من التطورات.