فن صناعة الغضب الكاذب

28/09/2016 - 1:57:48

بقلم - العميد:خالد عكاشة رئيس المركز الوطنى للدراسات الأمنية

طوال أشهر الصيف الذى يستعد للرحيل هذه الأيام وربما قبله قليلا بداية من العام ٢٠١٦، كانت المشاهد تتحرك فى اتجاه واحد دوما مما لفت الانتباه لكثير من المواطنين والمتابعين للحالة العامة، فقد كانت المشكلات الحياتية للمواطن العادى لا تنتهى إحداها حتى تتفجر غيرها بصورة متتابعة ومتلاحقة دفعت لإثارة العديد من التساؤلات، أين كانت تلك المشكلات قبلا ؟ هل هى تراث قديم موجود بالفعل وقامت ثورتان متتابعتان لنسف جذورها واقتحام مسبباتها، أم أنها منتجات جديدة تعبر عن حالة حقيقية ونهج خاطئ للحكومة الحالية تعجز عن السيطرة عليها ولا تملك علاجات شافية لها؟


إجابات المتخصصين عن تلك الأسئلة دارت فى معظمها حول أن العديد من المشكلات «المحورية منها» هى تراكم أعوام طويلة من التخبط والتعثر فى صياغة السياسات العامة، وسبب تفاقم المعظم منها هو امتداد المرحلة الانتقالية إلى فترة ليست بالقصيرة (ثلاثة أعوام منذ ثورة يناير ٢٠١١م، وبعدها عام فيما بعد ثورة يونيو ٢٠١٣م)، وهذه الفترة التى توصف بالجمود كطبيعة المراحل الانتقالية الاستثنائية وهى كذلك بالفعل كفيلة بتفجير أزمات متنوعة أشهرها اقتصاديا، بالنظر إلى مساحة الركود وانخفاض معدلات الانتاج إلى أدنى مستوياتها كطبيعة مفهومة للمرحلة المشار إليها، وبمتابعة آراء هؤلاء المتخصصين والخبراء المحايدين المتعقلين كان التقييم الصادر من معظمهم يتحدث عن احتياج الحالة المصرية العامة لفترة زمنية معقولة كى يمكن استرداد المؤشرات الإيجابية والمعدلات السابقة، وذكر البعض منهم مدة العامين كفترة تقريبية والبعض ذهب بالفترة الزمنية لنحو أربعة أعوام تقريبا، وكانت عناوين ما تحدث عنه هؤلاء يتعلق على سبيل المثال باسترداد معدلات التدفق السياحى المرتبط بخلق الوظائف والرواج السلعى فضلا عن تأثيره الايجابى على سوق العملات الأجنبية وسعر الصرف للعملة المحلية، ومثال آخر عن رفع معدلات انتاج السلع والمنتجات المخصصة للتصدير وضمنها الحاصلات الزراعية والخامات، والكثير من تلك الاشارات قد يكون خبراؤها بأقدر منا على ذكر علاجاتها والمطلوب والمنتظر من تطوير تلك النشاطات، لكن ما لفت الانتباه بشدة «لى شخصيا ولكثيرين معى» أنه كان هناك أكثر من مرة يتردد ممن هم بداخل تلك النشاطات وأسواقها ودروبها المتعددة أنه فى الواقع ليست هناك مشكلة حقيقية، وربما الأكثر لفتا للانتباه من الزاوية الأمنية أن هناك العديد من تلك المشكلات يغلب عليها طابع صناعة الأزمة، وفى جانب مما قيل وضع العراقيل الاصطناعية أمام تفعيل روشتات العلاج التى من السهل استخدامها حتى تدفع تلك المشكلات لأكبر قدر ممكن من التفاقم والتأثير، ولم يكن الحديث عن هذا الأمر نظريا بل ارتبط ببعض من النماذج التى أكدت بالفعل هذا الطرح حيث جاء على رأسها مشكلة النقد الأجنبى والعديد من السلع التموينية الاستراتيجية، وتدلل تلك النماذج على اختيار نوعية بعينها من المشكلات تكون لديها أكبر قدر من التأثير على الحالة العامة للسوق وترتبط (بنظرية الأوانى المستطرقة) بعدد كبير آخر من السلع والخدمات.


هذا الطرح والتحليل من الزاوية الأمنية لطبيعة تأثير تلك المشكلات المصنوعة عمدا والتى ليست لها علاقة بالحركة الطبيعية الاعتيادية للأسواق، لم تكن بعيدة عن تحركات الأجهزة الأمنية التى بدأت تتبع مثل تلك الخيوط فهذا الاصطناع لا يتم تلقائيا، ومن المفترض أن يكون هناك من يخطط له ويديره كى يصل إلى الهدف المراد تحقيقه، وهذا الهدف بحد ذاته يحتاج إلى تفسير أمنى تفصيلى كى يساعد هذا على اجهاض ذلك المخطط، النموذج الأشهر فى هذا الاطار والذى تابعه الجميع خلال أشهر الصيف الماضى هو الحملات الأمنية التى شنتها إداراة مكافحة جرائم الأموال العامة، واستطاعت الإدارة من خلال تتبعها للاتجار غير القانونى بالعملة الأجنبية وضبط الكثير من مرتكبيه أن توقف المضاربات والارتفاعات غير المبررة لسعر العملات الأجنبية، وجاء إجراء غلق العديد من شركات الصرافة التى كانت تتبع تنظيم الإخوان ليضبط بالفعل إيقاع السوق إلى حد كبير، وهذا النموذج يفسر ويدلل على أن هناك حقيقة حول منهجية صناعة الأزمة واستهدافا متواصلا لتشكيل حالة عامة من الغضب، تسمح لمن يريد استثمارها أن يعمل عليها ويوجها فى الاتجاه الذى يسعى إليه وليس بعيدا عن هذا النسق ما تم فى قضية الصوامع وتوريد القمح وما تم كشفه من فساد، وما كان يمثل الحلقة المراد تنفيذها وتعميمها بأكبر قدر ممكن هو عدم توفير الأموال المخصصة لسدادها إلى المزارعين مقابل توريدهم للقمح، ولا يخفى على أحد مساحة الغضب الممكن توقعه فى حال انتشار مثل تلك الممارسات والتى تخص القطاع العريض من الفلاحين الذين قضوا الموسم بكامله فى انتظار المقابل المادى لمحاصيلهم وتأثيره على حالتهم المعيشية.


الحلقة الأحدث للجهود الأمنية فى هذا الاطار والضربة المؤثرة والكاشفة لما يقوم به تنظيم الاخوان للدفع فى اتجاه صناعة الغضب الشعبى الكاذب، جاءت فى بداية هذا الاسبوع وعنها أصدرت وزارة الداخلية بيانا تفصيليا وأذاعت على وسائل الإعلام المرئية مقاطع مصورة، لتضع الرأى العام أمام التفصيلات والحقائق والشكل الخططى الذى ينتهجوه هؤلاء فى طريقهم لإشعال الشارع المصرى بما هو غير حقيقى أو واقعى، ونص البيان الرسمى لوزارة الداخلية بما يحويه من معلومات غاية فى الخطورة أجده أهم ما يمكن نشره اليوم بالقدر الذى يستلزم منا الوقوف بقوة أمام هذا النشاط، وإلى نص البيان المشار إليه حيث ذكر ما يلي:


بيان وزارة الداخلية


ـفى إطار جهود الوزارة الرامية لكشف مخططات جماعة الإخوان الإرهابية الهدامة، وملاحقة قياداتها وإجهاض تحركاتهم فى أوساط المواطنين التى تستهدف إفشال جهود التنمية، والنيل من مقدرات الدولة واستنزاف مواردها وضرب الاقتصاد المصرى، فقد توافرت معلومات لقطاع الأمن الوطنى بشأن تشكيل قيادات التنظيم الهاربين خارج البلاد كيان تحت مسمى (وحدة الأزمة)، يتمثل دوره فى إيجاد وسائل جديدة لاختلاق وإثارة الأزمات من خلال كوادره داخل البلاد، وتنفيذ مخطط يستهدف الإضرار بمقدرات الدولة الاقتصادية، والسعى لإيجاد مناخ تشاؤمى من خلال اصطناع الأزمات بدعوى فشل الدولة فى تنفيذ خطط التنمية.


ـ تم رصد أحد اللقاءات التنظيمية لعناصر هذا التحرك ومقر انعقاده بمركز شبين القناطر – محافظة القليوبية – لتدارس التكليفات الصادرة بشأن تنفيذ هذا المخطط، وباستهداف الوكر المعد لعقد اللقاء التنظيمى (عقب إستئذان نيابة أمن الدولة العليا) تم ضبط القيادى/ شعبان جميل عواد السيد (مطلوب ضبطه فى القضية رقم ٤٨٢٩/٢٠١٦ إدارى قسم العبور) وعدد ١١ من العناصر القيادية الإخوانية، بالإضافة لعدد خمسة آخرين اضطلعوا بتأمين اللقاء المشار إليه من الخارج وعثر بحوزة أحدهم على «فرد خرطوش محلى الصنع وعدة طلقات».


ـ اسفر تفتيش مقر اللقاء عن العثور على الآتى:-


ـ مبالغ مالية وقدرها (٧٠,٤٠ ألف دولار أمريكى، ١٠٥,٩٧٥ ألف جنيه مصرى).. كانت معدة للتوزيع على مسئولى لجنة الأزمة لتفعيل آليات عملها.


ـ مطبوعات تنظيمية تحتوى على هيكل وحدة الأزمات وآليات تحركها (إعلاميا وجماهيريا) والمؤسسات والكيانات وكافة شرائح المجتمع التى تستهدفها الجماعة، من خلال تصعيد المطالب الفئوية فى أوساطهم واستثمار القرارات الاقتصادية الأخيرة للتشكيك فى قدرة الاقتصاد القومى وحث المواطنين على الوقوف فى وجه عملية الإصلاح الاقتصادى.


ـ اعترف المذكورون تفصيلا (تم توثيقها بالصوت والصورة) بأبعاد هذا المخطط، والقائم على المحاور السابق الإشارة إليها (تصعيد أزمة ارتفاع سعر الدولار، ترويج ونشر الشائعات، تقديم بلاغات وهمية، تصعيد المطالب الفئوية لبعض العاملين بالمؤسسات المختلفة).


ـ تم اتخاذ الإجراءات القانونية وإخطار النيابة لمباشرة التحقيقات.


ـ هذا وتؤكد وزارة الداخلية عزمها الشديد على المضى قدما فى أداء واجبها، لحماية المقدرات الاقتصادية للبلاد، فى ظل استمرار الجماعة الإرهابية فى نهجها المضاد، ومحاولات كوادرها النيل من الاستقرار الداخلى وزعزعة أمن البلاد.