مكتب مكافحة العشوائية!

28/09/2016 - 1:20:53

بقلم : دكتور صفوت حاتم

عزيزي القارئ: ليس هناك خطأ في عنوان المقال .. فبعضنا قد سمع .. ولاشك ..عن ” مكتب مكافحة الشيوعية ”.. وقد كان هذا المكتب .. أحد المكاتب المهمة الملحقة بالأجهزة الأمنية منذ العهد الملكي .. ولازال حتى الآن .. على ما أظن!!


فقد كانت تهمة اعتناق الفكر الشيوعي أخطر تهمة تطال المعارضين لنظام الحكم ..حتى لو كانت مواقفهم أو كتاباتهم تنتقد النظرية الماركسية والفكر الشيوعي!!


ليست الشيوعية ولا مكتب مكافحتها مشكلتنا في هذا المقال .. فمشكلتنا الحقيقية في هذا البلد منذ زمن طويل هي مشكلة ” العشوائية ” التي ضربت أطنابها في كل ركن من أركان الدولة والمجتمع.


فمن حادثة ماسبيرو وبث حديث قديم لرئيس الجمهورية .. إلى حادثة مركب الصيد الغارقة ..مرورا بقوائم التوريد لصوامع القمح المزورة .. إلى وقائع تكدس السكر في مخازن شركات الدولة بسبب أباطرة الاستيراد ..أو نفاد الاحتياطي المخزون من لبن الاطفال واستغلال المستوردين أزماتنا الاقتصادية في السلع الغذائية وفي العملات الأجنبية .. ومرورا بعدم انضباط الأداء في مطاراتنا ومواقعنا السياحية التي تعرضت لضربات متتالية بسبب العشوائية ..وصولا لحالة شوارعنا التي تعج بكل ما يمكن تخيله .. أو عدم تخيله .. من مخالفات في البناء ومخالفات للباعة الجائلين وأصحاب الورش والمقاهي المخالفة .. مضافا لكل هذا الخطر الذي يتعرض له الأطفال والكبار على الطرق السريعة والمحاور المرورية من جراء مرور الشاحنات الضخمة المخالفة للسرعة وضوابط الأمان .. إلخ ..إلخ، مما لا يمكن إحصاؤه من التصرفات والسلوكيات التي تعكس استهانة واضحة بالنظام العام والقانون وسلطة الدولة .


ومع الوقت والزمن ..يتحول السلوك العشوائي إلى فكر سائد ونمط راسخ في الحياة ..يتبناه الكثيرون علانية ويجاهرون به .. ويشوه سمعة مصر والمصريين .


ولعل البعض لم يسمع بالكلمة المكونة التي يروجها الأجانب المقيمون في مصر عن شخصية المصري الذي يمكن اختصار سلوكه في ثلاثة حروف : ب .. أ ..م


والباء هي الحرف الأول من كلمة ” بكرة ” . .وتعني .. لديهم .. أن المصري لو طُلب منه موعدا محددا للانتهاء من مهمة معينة ..فستكون إجابته الحتمية ” بكرة ” .


فإذا شُدد عليه في جديّة الموعد .. فسيجيب بكل ثقة: ” إن شاء الله !!! ”


وعندما يمر ” بكرة ” .. وبعد بكرة ..وبعد بعده .. ولا يتم تنفيذ المهمة .. فتسأله : لماذا لم تنفذ ما وعدت به ؟؟!!


فتأتيك إجابته العبقرية: ” معلش !!! ”


والكلمات الثلاث ( بكرة .. إن شاء الله .. معلش) تختزل وتلخص سلوك معظم المصريين ..فرادى ..وجماعات ..ومؤسسات ..ووزارات ..وهيلمانات ..


فأنت لن تحصل في نهاية عمل غير متقن أو غير كامل إلا على كلمة: ” معلش ” !!


وإذا دققت في سلوك المصري في الشارع فستجد ما يغنيك من روايات وحواديت عن وقائع ” المعلش”.


خذ مثلا: السيارات والمركبات .. في شوارعنا .. تقف كيفما أرادت ..ومتى أرادت ..وحيثما أرادت .


أما المشاة فيعبرون الطرق الخطرة السريعة يتحدثون في تليفوناتهم المحمولة ..دونما أي التفات للسيارات أو سرعتها أو الخطر الداهم المحدق بها .


عادي جدا أن ترى المصريين يقودون سياراتهم غير عابئين بالشوارع المكتظة بالبشر والمركبات ..وغير معنيين بالعواقب الناجمة عن السرعة أو عبور عجائز مهدمين ونساء يحملن أطفالا .


مولد ..ساير ..داير ..ربك وحده هو العالم به !!!


وﻷن ” ربك كبير وبيستر ” .. فستجد أن المصريين يرتكبون كل المخالفات المهلكة دون أن يرمش لهم « رمش « .. ابتداءً من السرعة الشديدة في الطرقات المزدحمة .. مرورا بالقيادة الخطرة بين السيارات والولوج بينها فيما لو أتيح له ” خرم إبرة ” .


فإذا مرت بسلام فهي الشطارة والفهلوة !!


وهكذا .. إذا تسبب في حادثة مهلكة : ” فمعلش ..ربنا قدر وهذه مشيئة الله ” .


وتسأل نفسك: ما علاقة علاقة التهور والحمق والغباء ..بمشيئة الله وقدره ؟؟!!


ولو حاولت أن تُفهم المواطن المصري خطأه .. لن يقتنع .. فهو لا يخطئ أبدا .. فالخطأ يقع دوما من الآخر .. وإذا ثبت للمواطن خطأه .. فتوقع: المعلش !!


ومعلش هي كلمة السر لديه يتخلص بها المواطنون من أي خطأ أو إحراج .


وتلك عقلية ” قدرية ” بغيضة ..ترمي بأخطائها على مشيئة الله ..سبحانه وتعالى ..أو على أخطاء الآخرين ..حتى لو كان الخطأ واضحا وفاضحا ومجلجلا .. فهناك دوما مجال للتملص والشطارة والفهلوة .


ولا يتوقف هذا السلوك عند حدود المواطن الفرد .. فكثيرا ما تراه متكررا يتكرر على مستوى الدولة بوزاراتها ومؤسساتها وأجهزتها .


فلا عجب أن ترى .. مثلا .. طريقا محفورا وأحشاءه تطل للخارج بعد انتهاء أعمال حفر وصيانة للمواسير والأسلاك جرت في بطنه .


ولاعجب أن نصدر قوانين وقرارات ..ونتحمس لها ..أسبوعا .. أو بضعة أسابيع ..ثم ننساها ونتركها للإهمال والفوضى ..أو نتركها للتجاهل والرشوة وإغماض العين!!


خذ مثلا: مشكلة الباعة الجائلين وبلطجية الأرصفة الذين يحتلون الشوارع ويفرضون الإتاوات على راكبي السيارات ويجنون الآلاف من الجنيهات أمام بصر الدولة وممثليها ولا تستفيد منهم الدولة شيئا .. اللهم إلا البلطجة والعشوائية .


وكالعادة ..يتحمس المسئولون .. لدينا .. لبضع ساعات .. ويطبقون القانون واللوائح ..ثم ” تعود ريما لعاداتها القديمة ” ..


فالكل يعلم أنها هبات مفاجئة للدولة أو المسئول الجديد .. ويعلم المخالفون أن ” لكل غربال شدّة ” ... فصبر جميل .. ستمر العاصفة ..ستمر حتما .. بالصبر أو بالرشوة!!


على سبيل المثال: كم مرة أصدرت الحكومة قرارا بمنع مرور الشاحنات في أوقات معينة من النهار .. تفاديا للحوادث وحرصا على أرواح أبنائنا في أوقات المدارس ؟؟!!


أيام قليلة .. وتعود الدنيا « لقلبتها «!!


خذ مثلا: ما حدث في ماسبيرو .. تعددت الأخطاء .. وتغيرت القيادات ..فهل تم عمل إصلاح جذري في النظام والعقلية السائدة ؟؟!!


أبدا .. عادت المياه لمجاريها .


والإعلام المصري لا يشارك في تقويم سلوك المواطنين وإرشادهم .. على العكس .. ”يرغي ويزبد ” كل ليلة في أخطاء الحكومة .. ويتجاهل سلوكيات وانحرافات المواطنين ؟؟!!


هل من المعقول ..بعد كل هذه السنين ..من وجود مترو الأنفاق ..لا يعرف المصريون كيف يصعدون « للمترو « وكيف ينزلون منه وكيف يقفون أمام شباك التذاكر ؟؟!!!


مع أنها عملية مسألة بسيطة لا تحتاج لشهادة جامعية أو دكتوراه في الفيزياء !!!


ماهو دور الإعلام ..والبرامج الحوارية ..والدراما ..والسينما ..والمدرسة ..في تقويم سلوك المواطن؟؟!!


على أية حال : أعتذر للقارئ الكريم عن الحدّة في نقد سلوك المواطنين والأجهزة الحكومية ..


وأختم كلامي بأمنية: أن يتغير سلوكنا ..بكرة ..إن شاء الله ..


وإذا لم نتغير ... مفيش .. معلش!!!