الاتفاق الأمريكى الروسى فى مهب الريح

28/09/2016 - 1:12:02

عميد: طارق الحريرى

ما إن تلوح فى الأفق بوادر لحل الأزمة السورية حتى يعاود الوضع فى التعقد مرة أخرى، وربما كانت المحاولة الأخيرة بعد الاتفاق الروسى الأمريكى، الذى أدى إلى هدنة، دليل على أن الموقف مايزال يراوح مكانه فى إطار السعى نحو حل سياسى، كغاية عقلانية وواقعية للخروج من مستنقع الحرب ذات القتال العبثى فى كثير من الأحيان فوق الأرض السورية، التى بات من الصعب وصفها بالحرب الأهلية، لوجود عدد ضخم من العناصر الإرهابية من جميع أنحاء العالم تشارك فى العمليات العسكرية، وكلها مدعمة من قوى خارجية إقليمية ودولية من أجل تحقيق مكاسب لهذه الدول، أو إقامة إمارة إسلامية واقتطاع جزء من الأرض لتحقيق هذا المسعى الخائب الذى تسبب فى سقطة بالغة الغباء لبعض القوى فى الغرب، التى تصورت أنه بإقامة مثل هذه الإمارة يمكن اتقاء شر جماعات الإسلام السياسى، وهكذا تعقد الملف فى سوريا التى صارت ملعبا لقوى إقليمية غاشمة تنفخ فى نار الحرب لتحقيق أهداف ضيقة.


ازداد غموض الموقف الأمريكى بعد اتفاق وقف إطلاق النار الأخير الذى أبرم بين الولايات المتحدة وروسيا الفيدرالية، وكانت نقطة الخلاف الرئيسية فيما بدا من تشاحنات بين الطرفين، رغم ثبات الهدنة ونجاحها بدرجة كبيرة طوال الفترة التى نص عليها الاتفاق يتمثل فى التحديد الدقيق للمنظمات الإرهابية، حيث حددهما الاتفاق المعلن بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم فتح الشام (جبهة النصرة سابقا) أن كلا التنظيمين لايسعى لإسقاط الدولة السورية بحثا عن الديمقراطية أو تحقيق رغبات شعبية، بل هما يعملان على إقامة إمارة إسلامية تطبق المذهب الوهابى الذى يرى الغرب أخيرا أنه بدأ يشكل خطورة على الأمن والسلم العالمى، وأنه لا أمل فى التعايش مع هذا المذهب، الذى ينشر التطرف فى كل من يعتنقونه، وهو يمثل حجر الزاوية لكل الإسلاميين الذين ينتهجون العنف بكل أشكاله، ورغم أن الاتفاق نص على عدم تعاون التنظيمات الأخرى مع أى من داعش وفتح الشام، حيث يلزم الاتفاق الجماعات المعارضة التى تريد الحفاظ على «شرعية» معارضتها أن تنأى بنفسها بأى شكل من الأشكال عن «فتح الشام» وتنظيم «داعش»، وفقا لما صرح به كيري.


لكن تصريح كيرى بهذا الجانب من الاتفاق قوبل علنيا عن طريق المتحدث الإعلامى لتنظيم أحرار الشام ذي التوجه الإسلامى برفض الانصياع لما تقرر بين الولايات المتحدة وروسيا، وبالفعل ضرب التنظيم بالهدنة عرض الحائط وتمادى الكثير من التنظيمات الإسلامية فى خرق الهدنة فى أحيان كثيرة، وهنا بدا موقف الولايات المتحدة مائعا إزاء تنظيمات إرهابية تعمل على إشعال الأزمة السورية، وهى فى غالبيتها تفعل ذلك استجابة لأوامر خارجية من جهات لايرضى أصحابها بالاتفاق الروسى الأمريكى، ويعملون على إعاقة الحل السياسى الذى لايحقق أهدافهم، وهنا يتبدى التساؤل ما الذى يدعو أمريكا لتعزيز الحل السلمى ثم بعد نجاح أسبوع الهدنة وتراجعها عن استكمال الاتفاق؟ ويكمن السبب فى الآتى:


١ – اقتربت القيادة الأمريكية الجديدة من تسلم السلطة، وهى بالطبع سوف يكون لها توجهها بشأن الأزمة السورية، لهذا ترى القيادة الحالية أن تترك معالجة هذا الملف المعقد لسلطة الحكم القادمة، حتى يتاح لها أن تتصرف دون أن تتسبب القيادة التى توشك على الانصراف فى أوضاع يمكن أن تكون مدعاة إلى تعقيد الموقف عليها، وتضطرها للتراجع عن مواثيق أو تفاهمات أبرمتها، وهذا عرف أمريكى فى القضايا التى تخلو من التأثير المباشر أو الخطير على الولايات المتحدة.


٢ – تورطت الإدارة الحالية فى تقديم الدعم لكثير من التنظيمات الإسلامية التى تحارب فى الداخل السورى سواء كان هذا الدعم مباشرا أو غير مباشر، عن طريق أطراف أخرى تدير هذه المنظمات المتطرفةعن طريق الحرب بالوكالة؛ لذلك يصبح من الأسهل أن ترفع الإدارة الحالية الحرج عن نفسها حتى لاتبدو متراجعة عن أدوار سابقة، وإذا رأت الإدارة الجديدة أن الأصوب اتخاذ مواقف مختلفة، وربما على هى النقيض فإن الإدارة الحالية تكون بعيدة عن نكوصها حيال التزامات اتخذتها على نفسها وتخفف عن الدولة العظمى نقيصة التحول والتذبذب فى سياستها.


٣ – بعد الاتفاق مع روسيا ونجاح الهدنة أصبحت الخطوة التالية هى المقاربة الدبلوماسية، بعد إقامة مركز التخطيط المشترك لتبادل المعلومات لفرض الحل السياسى بإدارة عمليات مشتركة ضد القوى المناوئة عسكريا، وهى الخطوة التى تعطلت بإعاقة دخول مساعدات الإغاثة إلى حلب، عندما رفضت جبهة النصرة إخلاء مسافة بعيدا عن طريق مرور قافلة الإغاثة حيث تنص وثيقة الاتفاق المعلنة على أن ينسحب الطرفان من طريق الكاستيلو شمالي مدينة حلب الذي يعتبر طريق إمداد رئيسيا. وإيجاد منطقة منزوعة السلاح في محيطها كما يتعهد الطرفان بالسماح بعبور المدنيين والمساعدات والحركة التجارية عبر منطقة الراموسة جنوب غربي حلب، وبعد أن استجابت قوات النظام السورى لمضمون هذا البند اضطرت إلى العودة إلى منطقة الكاستيلو فى مواقعها التى انسحبت منها لإفساح مرور آمن للقوافل، بعد أن أصبحت المواقع التى تم إخلاؤها معرضة للاحتلال من التنظيمات الإرهابية، وخلال هذه الأحداث اتسم الموقف الأمريكى بتجاهل هذا الوضع وتلككه بضروة السماح بدخول قوافل االمساعدات، رغم علم واشنطن باستحالة حدوث ذلك نتيجة تجاوزات التنظيمات الإرهابية فى مسار القوافل.


٤ – فى أعقاب انتهاء الهدنة عاود الطيران الروسى والسورى قصف التنظيمات الإرهابية، وكان هذا القصف عنيفا بدرجة لم تشهدها ساحة الحرب فى سوريا، وبدا واضحا بعد إفشال الاتفاق الأمريكى الروسى أن العودة السريعة وبقوة للحل العسكرى أصبحت حتمية بين أطراف الصراع لتحقيق مكاسب على الأرض، وهنا جاءت الخطوة الأمريكية المحسوبة لدفن الاتفاق مع روسيا، وهى الخطوة التى تمثلت فى قصف عنيف متواصل لمدة ساعة من قوات التحالف التى تقودها أمريكا وتمدها بالإحداثيات، مما يعنى مسؤولية ومشاركة القيادة الأمريكية فى قصف موقع الجيش السورى فى منطقة دير الزور الذى أدى لخسائر جسيمة فى قوات النظام السورى، لكن الجانب الروسى السورى لم يبتلع الطعم رغم قسوة ذلك عليه ليفوت على واشنطن نسف الاتفاق.


٥ – فى محاولة أخرى من الجانب الأمريكى لاستكمال مسلسل دفن الاتفاق، قامت بعض التنظيمات الإرهابية بضرب قافلة إغاثة، مما أدى إلى وقوع خسائر بشرية ومادية فى القافلة ذات الطابع الأممى، وعلى الفور تم توجيه أصابع الاتهام إلى قوات النظام السورى، واتهامها بأنه قامت بالقصف الجوى للقافلة ذات الجانب الإنسانى فى ريف حلب الغربى، وتماديا فى الاتهام ادعت واشنطن والقنوات الإعلامية الموالية لها أن الطائرات الحربية الروسية قصفت بطائرات السوخوى وفى رواية أخرى الادعاء بأن طائرات النظام السورى ألقت مع القنابل براميل متفجرات، وأكدت ذلك عناصر من أصحاب القبعات البيضاء التى تتطوع للقيام بأعمال الدفاع المدنى فى المناطق المنكوبة، والتى غالبا ما تتواجد إثر العمليات الهجومية المخططة من التنظيمات الإرهابية، وأدان تصريح»بنرودس» نائب مستشار الأمن القومى بالبيت الأبيض موسكو لافتا إلى إن الولايات المتحدة تحمل روسيا مسؤولية ضربة جوية على قافلة مساعدات إغاثة، فى سوريا مشيرا إلى أنها «مأساة إنسانية هائلة» لكن من سوء حظ الولايات المتحدة أن روسيا قدمت أدلة دامغةعلى كذب ادعاء القصف الجوى، مما اضطر الأمم المتحدة إلى تعديل صيغتها الأولى بشأن ما تعرضت له القافلة؛ لتنفى أنها قصفت من الجو، ثم قدم الروس أدلة أخرى تثبت أن الإرهابيين هم من قاموا بمهاجمة القافلة بأسلحة أرضية؛ لتحوم الشبهات بأن هذه العملية تمت بإيعاز من واشنطن لإلصاقها بالجيش السورى فى محاولة للتغطية على الهجوم على القوات السورية ونفض يد أمريكا عن الاتفاق الأخير مع روسيا.


٦ – أعلنت الولايات المتحدة وروسيا فى بنود بيان الاتفاق «تنحصر العمليات الجوية في المناطق التي سيتم تحديدها للعمليات المشتركة الروسية الأمريكية في الطيران الروسي والأمريكي، ويمنع على أي طيران آخر التحليق فيها»؛ أى أن المسؤولية المشتركة بينهما فقط فى استخدام القصف الجوى للقضاء على التنظيمات الإرهابية، التى لابد أنه تم الاتفاق بينهما على تحديدها، والعمل على التخلص منها ونظرا لأن التنظيمات الإرهابية لا تنحصر فى تنظيم الدولة الإسلامية وجيش الفتح أى النصرة سابقا، فالأغلب أن البنود السرية فى الاتفاق تضم تنظيمات أخرى ربما تكون واشنطن قد استخدمتها فى مراحل سابقة من الصراع الدائر فى سوريا، وفى بعد آخر ربما تكون قد وافقت مع شركاء إقليميين على أن يكون لهذه التنظيمات دور فى الحرب الدائرة، وأن يحجز لها مقعد فى المفاوضات السياسية، مما يتيح للدول التى وكلت هذه التنظيمات فى الحرب أن تضع شروطا تحقق مصالحها على جثة الشعب السورى ومصالحه الوطنية، لهذا تضمنت الاتفاقية ملاحق سرية كثيرا ما لوحت موسكو بالكشف عنها نتيجة تراجعات الولايات المتحدة عن تعهداتها.


٧ – هنا يبرز تساؤل عن السبب الذى يدفع الولايات المتحدة إلى توريط نفسها فى اتفاق هى فى الأساس لن تعمل على إنجاحه؟ والإجابة على ذلك أنها ليس من المستبعد أن تعمل على الزج بروسيا أكثر فى المستنقع السورى مع فشل الاتفاق، مما يكبدها تكلفة مادية عالية ويزيد تورطها فى حرب عبثية، ومن ناحية أخرى ربما أرادت واشنطن أن تحسن صورتها أمام العالم فيما يخص دورها فى الملف السورى أملا فى فشل الهدنة، حيث لم تنجح أى هدنة سابقة فى الاستمرار، ومع نجاح هذه الهدنة على غير المتوقع قامت واشنطن بأساليبها المخابراتية بعمليات عن طريق أطراف عميلة لإفشال الاستمرار فى دفع اتفاقها مع روسيا إلى الأمام، لكنها لم تضع فى اعتبارها أن تقدم وسائل الرصد الروسية الأرضية والجوفضائية من طائرات بدون طيار وطائرات استطلاع وأقمار صناعية سوف تقف بالمرصاد لأى أعمال تستغل ضد روسيا والنظام السورى، وتكشفها حتى وإن لم تشر بأصبع الاتهام إلى الولايات المتحدة لكنها على أقل تقدير تفضح مزاعمها.


٨ – يطرح خبراء ومراقبون غربيون رأيا بأن الاتفاقات تتضمن بنودا غير معلنة، ربما تعمل على بسط النفوذ العسكري والأمني لكل من موسكو وواشنطن، حصرا بينهما فقط على الأراضي السورية وتهميش دور الأطراف الإقليمية أو الضغط عليها لتقليص نفوذها سواء في تسوية الأزمة أو فيما بعد انتهائها سعيا لمولد دولة جديدة ديمقراطية موحدة وعلمانية، وهنا يظهر إلحاح روسيا على الإفراج عن البنود السرية التى لاتريد الولايات المتحدة أن تغضب بها حلفاءها بينما يجنح راى آخر إلى أن واشنطن تماطل فى محاولة لتسوية مواقفها مع هؤلاء الحلفاء الذين عليهم أن يخرجوا من الساحة، وبالمثل على روسيا أن تحصل على موقف مماثل مع إيران.