موسكو وواشنطن بين التوافق المنهار ومستقبل المنطقة وأمنها الإقليمى

28/09/2016 - 1:10:12

بقلم - سفير د. رضا شحاتة

بيد أنه أهمها وعلى رأسها جوهرة التاج، كما تسمى ضمن أقاليم العالم الاستراتيجية على كل المستويات، الموقع الحاكم والموارد والأسواق ومفاتيح طرق التجارة العالمية، وفى ظل الحرب الباردة، وما بعد الحرب الباردة، منطقة الشرق الأوسط، أو بالتحديد المشرق العربى بصراعاته وانقلاباته وثوراته، وثرواته منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.


ـ ولا يختلف المؤرخون على أن ثورة مصر عام ١٩٥٢ بقيادة الزعيم الوطنى عبد الناصر وإصراره على حرية القرار المصرى ورفض التبعية، ورؤيته القومية من منطلقات عسكرية استراتيجية قرأت تاريخ المنطقة قراءة واعية تدرك أبعاد الأمن القومى المصرى وارتباطه ارتباطاً لاينفصم بالأمن القومى العربى من منظور علمى جيوسياسى لا من منظور وجدانى عاطفى يكتفى باستلهام واسترجاع أمجاد التاريخ، من هذه الزاوية فهم عبد الناصر الارتباط الوثيق ـ ارتباط المصير بين الأمن القومى المصرى وتداعيات الهزيمة العربية التاريخية فى حرب فلسطين التى شهد عبد الناصر أخطر فصولها محاصراً فى “الفالوجا”مع جنوده حتى هدنة ١٩٤٩.


ـ هذه الرؤية كانت وراء سياساته العربية منذ حرب ١٩٥٦ ونكسة ١٩٦٧، وكانت أيضاً ومن منطلقات مصرية وقومية تتصل بأمن مصر ومستقبل المنطقة فى حرب ١٩٧٣ كما خاضتها مصر فى عصر الرئيس السادات.


ـ مصر عبد الناصر وثورتها الوطنية كانت هى البوابة الذهبية التى فتحت الطريق أمام دخول النفوذ السوفيتى، اقتصادياً وعسكرياً وأيديولوجيا إلى منطقة الشرق الأوسط فى خضم الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكى والرأسمالى الذى تمثل فى قيادة الولايات المتحدة للمعسكر الغربى والناتو، فى مواجهة شرسة على مصائر المنطقة من خلال سياسة استقطاب حادة لقوى الصراع العربى الإسرائيلى فى الحروب الأربعة ١٩٤٨ -١٩٥٦-١٩٦٧-١٩٧٣.


ـ ولعل نقطة التحول الكبرى فى علاقات مصرالخارجية وتوجهاتها الدولية تمثلت فيما أسميه بالانقلاب الاستراتيجى فى الاتجاه السياسى لمصر داخلياً وخارجياً بعد نتائج حرب ١٩٧٣ المعروفة، مروراً باتفاقيتى الفصل الأول والثانى بين القوات المصرية والإسرائيلية ١٩٧٤، ١٩٧٥ ووضع معظم أو كافة مفاتيح التحرك السياسى والدبلوماسى فى يد صناع السياسة الأمريكية ومهندسيها وعلى رأسها وزير خارجيتها ومستشار أمنها القومى فترة من الزمن “هنرى كسينجر” فكان انسحاب أو ربما تراجع الاتحاد السوفيتى من الشرق الأوسط ـ فى تقدير عديد من المحللين والمؤرخين مرتبطاً بالتحول فى التوجهات الاستراتيجية لمصرمن علاقات أقرب للتحالف مع الاتحاد السوفيتى منذ الخمسينات والستينات حتى منتصف السبعينات الى ما يسمونه “بالشراكة الاستراتيجية”العسكرية والسياسية والاقتصادية مع إدارات واشنطن المتتالية الديمقراطية أو الجمهورية، لا فرق ما دامت خيارات القاهرة قد استقرت على أن حرب أكتوبر كما وصفها الرئيس السادات هى آخر الحروب، رغم أن اسرائيل ـ حتى بعد اتفاق السلام ١٩٧٩ـ لم تتوقف عن خوض حرب خاطفة مرة ضد بغداد لقصف مفاعلاته النووية ووأد مشروعه النووى، ومرة ثانية بشن الحرب على عاصمة عربية لأول مرة فى تاريخ المنطقة واحتلال بيروت فى حرب ١٩٨٢ دون اعتبار “ لمناخ السلام واتفاق السلام”.


ـ هذه السياسات الإسرائيلية ـ بغض النظر عن الحزب الحاكم (العمل) (أو الليكود) جعلت من القضية الفلسطينية حقاً وبكل المعايير الاستراتيجية والأمنية والقومية هى جوهر الصراع العربى الإسرائيلى ومنذ كانت عند أول طلقة من سلاح عربى فى حرب فلسطين الأولى عام ١٩٤٨ حتى دخلت القضية الفلسطينية منذ ثمانينات القرن الماضى دورة تاريخية جديدة من الصراع الإقليمي والصراع الدولى وصولاً إلى الانتفاضة الأولى ١٩٨٧.


ولم يكن لأطراف الصراع كلها مخرج منها إلا تغيير البوصلة الاستراتيجية من معادلة الحرب الخاسرة لكل أطراف معادلة السلام الشامل التى تستحق الاستكشاف والمحاولة والتجريب خاصة بعد أن دخل العالم كله مرحلة ما بعد الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتى الداعم للقوى الثورية المناهضة للنفوذ الغربى (الإمبريالى) كما كان يسمى فى الأدبيات السوفيتية لنصف قرن من الزمن.


ـ لكن “ معادلة السلام الشامل” التى طرحتها واشنطن فى عهد الرئيس الأمريكى بوش ـ الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر فى مؤتمر مدريد للسلام أكتوبر ١٩٩١ ـ (فى أعقاب غزو العراق للكويت) وحتى وإن استمرت بقوة دفع ذاتية ثلاث أو أربع سنوات فى أطر ثنائية ومتعددة، تقول الكثير وتفعل أقل القليل، أو ربما لا تفعل، دفعت بالمنطقة كلها لتدور عاماً بعد عام وإدارة بعد إدارة وفى ظل الرئاسة التاريخية لقائد الثورة الفلسطينية وزعيمها الراحل ياسر عرفات حتى الانتفاضة الثانية عام ٢٠٠٠ وانتهاء ولاية كلينتون فى حلقة مفرغة فيما سمى بعملية سلام لا تنتهى تعدد فيها الوسطاء واللجان والتقارير والمبعوثون.


ـ وحتى اليوم بعد خمس وعشرين عاما لم تشهد القضية الفلسطينية حتى اليوم إلا انتشاراً فى بناء المستوطنات وتقلصاً يصل إلى درجة التآكل فى مساحة الأراضى الفلسطينية المحتلة فى الضفة الغربية وتنامى أعداد المستوطنين الإسرائيليين خاصة بعد هجرة الملايين من الاتحاد السوفيتى السابق، ومن دول شرق أوربا وغيرها، وإحاطة القدس الشرقية بطوق محكم من المستوطنات والمستوطنين و(بجدار عازل) خانق للاقتصاد الفلسطينى وللشعب الفلسطينى تحت الاحتلال فى الضفة، وفى غزة التى سقطت تحت سيطرة تنظيم “حماس” الذى تنكر لشرعية القيادة الفلسطينية سواء فى ظل عرفات أم فى ظل (أبو مازن)، رغم كل المحاولات والمبادرات المصرية لسنوات طويلة لتحقيق (المصالحة) (وتوحيد الصفوف) لمواجهة المفاوض الإسرائيلى الذى يتعلل بأنه لا يوجد له “شريك مفاوض” فى أى مباحثات محملة للسلام المراوغ وبعد مواجهات بين إسرائيل وحماس فى غارات واجتياحات دفع فيها الشعب الفلسطينى فى غزة المحاصرة ثمناً باهظاً مادياً وبشرياً.


ـ فى ظل هذا الخطر الكامن والقابل للانفجار فى أى وقت، الذى قد يتوهم بعض صناع السياسة الأمريكية أنه قد تراجع وانزوى فى ركن محدود داخل الأرض الفلسطينية المحاصرة بالاستيطان وبالسياسة الإسرائيلية التى كادت تقضى على احتمالات حل الدولتين إلى الأبد وتفرض بقوة القهر والبطش والتهديد لدول المنطقة الاعتراف (بيهودية) الدولة، حتى تنسف أى شرعية لفكرة وحق العودة الذى ترسخ فى القانون الدولى وفى قرارات الأمم المتحدة نصف قرن من الزمن .


ـ فى ظل هذا التراجع والقبول الأمريكى بالأمر الواقع (حتى لو تضمنت كلمات الرئيس أوباما المتناثرة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورتها الحالية الواحدة والسبعين) “ أن الاحتلال الاسرائيلى للأراضى الفلسطينية لا يمكن أن يدوم إلى الأبد”. فى أكثر ما قاله الرؤساء الأمريكيون، وما أبلغ كلماتهم عن “ شرور الاحتلال” وآثاره وماأكثر مبعوثيهم وتصريحات قادتهم ، لكن القضية الفلسطينية كانت وستظل بؤرة الصراع الحقيقى الدامى بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل بين الشعوب العربية وإسرائيل، والتى تقف حائلاً دون تحقيق سلام شامل وعادل ودائم أو كما يقال (مصالحة تاريخية) بين العرب وإسرائيل كما تمناها البعض يوماً ما (بعد حرب أكتوبر) ١٩٧٣.


ـ هذه المخاطر الجسيمة التى يتعرض لها الأمن والاستقرار الإقليمي (خاصة بعد عواقب الربيع أو الفجر العربى الكاذب) وتتعرض له المصالح الاستراتيجية والحيوية للدول الكبرى روسيا ،الولايات المتحدة، دول الاتحاد الأوربى، والدول الإقليمية بتحالفاتها وأوضاعها الداخلية المتوترة، فرضت على بعض القادة فى الدول الكبرى بعض التحرك والمبادرة للتصدى لأسباب الإرهاب وبؤرة ومصادره ، من إحباطات سياسية عميقة أهمها ما أصاب الشعوب فى المنطقة من حرمان وإنكار لحقوقهم المشروعة وفى مقدمتهم الشعب الفلسطينى، بل وربما كثير من الشعوب الإسلامية التى أضحت للأسف أرضاً خصبة لغرس دعاوى التطرف والإرهاب تحت رايات ( الجهاد الكاذبة) التى سميت) زوراً(بالجهاد الإسلامى) (العراق وتجربته المريرة بعد الغزو الأمريكى ٢٠٠٣) لكن الإحباط الفلسطينى والعربى اليوم، وهو ما يتعين أن يدركه قادة الغرب والشرق معاً قد تبحث عن متنفس لإحباطاته المزمنة، وقد لا يجدها فى ظل غياب أى أفق أو أمل فى حل عادل وعاجل إلا فى اللجوء إلى العنف الأعمى والإرهاب الأسود الذى تعانى منه اليوم كل الشعوب .


ـ مبادرات قادة دول كبرى مثل “روسيا بوتين” بالدعوة لاستئناف الحوار الإسرائيلى الفلسطينى فى موسكو فى محاولة قد تكون الأخيرة على هذا المستوى الدولى تكراراً لتجربة (مؤتمر مدريد) منذ ربع قرن من الزمن وإن كانت هذه المرة هى موسكو التى أخذت زمام المبادرة وكان من الطبيعى أن يتجاوب هذه المبادرة وتتلاقى مع مبادرة مصرية تنسجم مع المبادرة الروسية فى أهدافها ودوافعها بعد أن بادرت القيادة المصرية بإيفاد وزير الخارجية “شكرى” إلى إسرائيل لتمهيد السبيل إلى جولة جديدة من المفاوضات المجمدة منذ سنوات كما تجاوبت المبادرة الروسية الأخيرة مع مواقف فرنسية تمثلت فى إعلان الرئيس الفرنسى عن مبادرة تتلاقى مع المبادرتين المصرية والروسية أيضاً فى الأهداف والدوافع وتسابق الزمن فى الاتصالات بين الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية .


ـ ويبدو أن توافقاً أو شبه توافق “ إقليمى وأوربى يكاد يكتمل ولكن ينقصه عنصرهام وربما هو العنصر الأخطر ذلك هو انضمام (واشنطن) إلى هذا التوافق البارع حتى يكون توافقياً إقليمياً وأوربياً (فرنسا وروسيا) وأمريكياً ومن قبل فلسطينياً ( بعد التنسيق المصرى بين الرئيس السيسى وأبو مازن، والتنسيق الروسى مع أبو مازن، ومن خلال مبعوث الرئاسة الروسية السفير(ميخائيل بوجدانوف) خبير الشرق الأوسط والشئون العربية فى الخارجية الروسية.


فهل تتيح واشنطن لموسكو الانفراد بهذا الخيار الاستراتيجى فى أجواء السباق الساخن المسيطر على انتخابات الرئاسية نهاية العام،وإن لم تكن (القضية الفلسطينية) للأسف من الأولويات العاجلة فى مناظرات ومناقشات المرشحين الرئيسيين للانتخابات، (هيلارى كلينتون)،(دونالد ترامب).


ـ يبدولى أنه ثمة قضايا دولية مستعصية ، تشابكت مع قضايا إقليمية أشد استعصاءً، فقد تشابكت قضية الاستيلاء الروسى على شبه جزيرة القرم فى(أوكرانيا) مع تعقيدات الدور الروسى فى الأزمة السورية، وأزمات المهاجرين واللاجئين السوريين فى أوربا مع أزمات الإرهاب (الإسلامى) فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوربا ، حتى أصبح (الارتباط) أوثق وأوضح ما يكون بينها جميعاً كما يتجلى فى بيانات الرؤساء فى الجمعية العامة للأمم المتحدة أم فى مجلس الأمن هذه الأيام.


ـ ودون تحقيق (توافق دولى) واضح وصريح لفض (الاشتباك) والارتباط بين قضايا أوربية وقضايا عربية وقضايا (أمنية) (الإرهاب) قد لا تجد (قضيتنا الفلسطينية) للأسف فرصتها حتى فى التعبير عن إحباطاتها ومخاوفها وردود فعل شعبها الذى ينكرون عليه أبسط حقوقه فى الحياة الحرة الكريمة بل وقد يكون نهايتها الضياع مثلها مثل العديد من الفرص الضائعة للسلام العادل والدائم فى الشرق الأوسط كثمن باهظ يدفعه العرب والفلسطينيون لتصديقهم (البرىء) عشرات السنين منذ عام ١٩٤٨للنوايا والمبادرات الأمريكية.


ـ السياسة الأمريكية منذ عام١٩٤٨ حزمت خياراتها الاستراتيجية سراً وعلناً بالانحياز المطلق لإسرائيل (جزيرة الديمقراطية) فى الشرق الأوسط (الضامنة) للمصالح الحيوية للولايات المتحدة وخاصة اليوم فى “ مشرق عربى تصدعت أركانه،وتفككت أوصاله ولم تبق منه إلا مصرنا) التى لم تزل منيعة مستعصية محروسة بأمر الله تعالى من كل سوء مهما تآمر البعض فى الداخل أو الخارج لصالح استراتيجية إعادة رسم خريطة المستقبل للشرق الأوسط والمعدة والمعلنة من قبل خبراء الاستراتيجية والتخطيط العسكرى الأمريكى منذ سنوات ما قبل ثورات ما سُمى “الربيع العربى”استنساخاً لثورات شرق أوربا “ البرتقالية” فى سياق تغلغل أمريكى وغربى فى قلب المصالح الروسية الاستراتيجية.


ـ مؤشرات عديدة متكررة أمام عيون المحللين وصناع السياسة مليئة بالنذر التى تنبئ بمرحلة بالغة الصعوبة والتعقيد فى العلاقات الدولية نرى مشاهدها فى إخفاق مدوٍ لمحاولة تحقيق هدنة) أو وقف العدائيات فى سوريا وإنقاذ مئات الآلاف من السوريين المحاصرين من مرضى وجرحى وجوعى فى حلب والحدود السورية التركية والسورية العراقية .


ـ القراءة الكاشفة للأسباب الحقيقية وراء هذا الإخفاق تقول بوجود صراع شرس بين السياستين الروسية والأمريكية وسباقاً بات مكشوفاً حول أولوياتها فى الشرق الأوسط وروسيا إذ عادت من جديد للمنطقة ولا تقبل بالخروج كما حدث من قبل للاتحاد السوفيتى فىالسبعينات والتسعينات ، كما عادت إلى شرق أوربا (أوكرانيا) ووسط آسيا وتستعيد مواقعها شرقى المتوسط والقوقاز.


ـ أما الاستراتيجية الأمريكية فقد اختارت (الحرب السورية)كرقعة شطرنج وتحاول فيها فرض التراجع على (روسيا التى كسرت عملياً طوق العزلة لكن العواقب تكمن فى أن أزمات أخطر وأعمق تهدد أمن واستقرار المنطقة (الشرق الأوسط) منذ سنوات، وتوشك أن تقلب أوضاعها رأساً على عقب كما نرى الآن من تصدعات للدول القومية فى سوريا والعراق وليبيا وليس لبنان بالبعيد عن تلك الآثار، بعد استشراء سرطان الإرهاب والفوضى وتنظيمات القتل باسم الإسلام.


ـ دلالات هذا كله أن مبادرات روسيا الأخيرة لمحاولة إحياء عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية قد لاتراوح مكانها رغم توافق أهم أطرافها ، القيادة الفلسطينية حتى فى ظل التفوق العسكرى الكاسح للحكم فى إسرائيل، ولسيطرة اليمين الليكودى،وسياسة الاستيطان التى لم تتوقف، وبرغم الانخراط الإسرائيلى فى(حوار) مع موسكو فى ضوء اتصالات مكثفة ربما تنتهى بعقد (قمة) موسكو وقد تكون فيها “ القوة التفاوضية” لإسرائيل راجحة بكل المقاييس.


ـ لكن الصراع الروسى الأمريكى الخفى والمكشوف فى نفس الوقت حول مصير النظام السورى ومصير الكيان السورى ذاته يكاد يجهض حتى تلك المبادرة الروسية ويحرم القيادة الفلسطينية من إحدى الفرص الثمينة لنقل القضية المحورية إلى (الإطار الدولى) ليحقق القدرالأدنى من التوافق حول أسس التسوية لا سيما وأن “حل الدولتين” الذى طرح منذ سنوات قد يفقد عملياً كل دلالة أو معنى.


ـ هذا الصراع الروسى الأمريكى الخفى والمكشوف معاً إذ انعكس على المسألة الفلسطينية، فله أيضاً انعكاساته وامتداداته إلى العلاقات الأمريكية الخليجية من زاوية علاقة روسيا الاستراتيجية (بإيران) التى ترى فى منطقة الخليج وثرواته وشعوبه مجالها الحيوى .


ـ وفى تقديرات المحللين وكثير من الباحثين أن الاستراتيجية الأمريكية، إذا أعادت توجيه بوصلتها إلى آسيا والشرق الأقصى، لن تبالى كثيراً باتساع النفوذ الاستراتيجى لإيران إلى قلب منطقة الخليج خاصة أن إيران قد أمنت فى نفس الوقت تحالفها الاستراتيجى مع روسيا من خلال التنسبق السياسى والعسكرى فى المشرق العربى(الحرب السورية وحتمية بقاء نفوذ النظام العلوى للأسد فى سوريا ولبنان(حزب الله)، والتعايش مع النفوذ الروسى فى وسط آسيا.


ـ أما الحديث عن آفاق جديدة للسلام فى الشرق الأوسط من خلال مبادرات لروسيا، أو مبادرات لفرنسا، أو حتى الإعلان المصرى المتكرر بدعم الحقوق الفلسطينية وقيادة السلطة الفلسطينية فقد أصبح كل ذلك مرهوناً بتسويات استراتيجية لابد وأن تتم بين موسكو وواشنطن على مستوى الأزمات الإقليمية كلها، فى الشرق الأوسط، وفى شرق أوربا، وربما فى الشرق الأقصى (الصين وكوريا الشمالية واليابان) وليس من المتوقع أن تكون أجندة قادة الدولتين فى موسكو (انتخابات الرئاسة ٢٠١٨) أو فى واشنطن بعد تولى إدارة جديدة (٢٠١٧) جمهورية كانت ديمقراطية تعيد ترتيب أولوياتها وتحديد مناطق نفوذها ومصالحها وترسم أو تعيد رسم تحالفاتها الجديدة فى المنطقة فى ظل موازين إقليمية تختلف اختلافاً جذرياً عما نشاهده فى الوقت الحاضر فى شكل قوى جديدة حاكمة ومؤثرة فى أقدارالشرق الأوسط.


ـ أول هذه القوى الجديدة المحاور غير العربية، إيران وتركيا وإسرائيل ، تقابلها قوى عربية متداعية تآكلت قوتها الشاملة، قوة الدولة والكيان السورى، ثم قوة الدولة والكيان العراقى، ثم كيان عربى فى شمال إفريقيا لم يحسم بعد مصيره استقراراً أو انهياراً (ليبيا وصراعاتها الداخلية) ثم قوة مصر الشاملة عسكرياً واقتصادياً، وهى القوة الوحيدة الباقية التى لم تزل تحاول الصمود والنهوض فى مواجهة استراتيجيات كبرى حتى وإن أدركت أخيراً أن مصر هى ميزان الأمن والاستقرار فى المنطقة ، لكنها لم تزل تصر أيضاً على أن نظامها وقيادتها الوطنية لابد أن تكون أداة طيعة لتنفيذ أهدافها فى السيطرة والهيمنة على المنطقة التى ظلت تمتلك مفاتيحها وثرواتها وتحكمت فى سياساتها عقوداً طويلة ، فهل تترك مصر تحبط استراتيجياتها؟