ما الذى تستفيده مصر من جولات الرئيس الخارجية؟

28/09/2016 - 1:08:01

بقلم: د. حسيـــن عيســـى

يعبر عنوان هذا المقال عن سؤال كثيرًا ما تردد خلال الأسابيع الماضية «بخبث ومكر شديدين» عن مدى الاستفادة، التى تعود على مصر نتيجة جولات الرئيس الخارجية مع إشارة إلى تعدد وكثرة هذه الجولات ودعوات لأن يهتم الرئيس بالشأن الدخلى قدر اهتمامه بالشأن الخارجى. والحقيقة أن تناول هذا التساؤل يرتبط بالمستوى الثقافى والفكرى «المتواضع»، الذى أصاب معظم من ينتسب إلى ما يسمى بالنخبة المصرية..


فاليوم وبعد كل التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التى تمر بالعالم.. يأتى من يفصل بين الشأن الخارجى والشأن الداخلى ويتعامل مع الأحداث بالقطعة دون أن يشعر ويتدبر أن هناك إستراتيجية كونية شاملة تعبر عنها العولمة الجديدة تصنع أدوارًا ومهام لكل دولة، وقد تتعارض هذه الأدوار والمهام مع المصالح العليا لهذه الدولة، وهنا يأتى الدور التاريخى لرئيس الدولة ومن معه فى حماية مقدرات ومصالح الدولة العليا فى إطار العلاقات والتشابكات الدولية القائمة، والتى يصعب الهروب منها وإلا نكون قد خرجنا من التاريخ بإرادتنا وقد حدث ذلك للأسف لدول عربية عديدة.


وبالتالى فإن جولات الرئيس الخارجية تعبر عن أن هناك دولة محورية إقليمية قوية هى مصرنا الحبيبة، والتى يجب أن نعمل جميعًا على حماية مقدراتها ومصالحها العليا، ولذلك فلابد من إثراء الحوار وتبادل وجهات النظر حول مختلف القضايا المحلية والإقليمية والدولية، وذلك حتى نبقى دائمًا رقمًا مهمًا فى القضايا الدولية التى تهمنا وتهم العالم العربى والأفريقى والإسلامى من حولنا.. وهناك نتائج ومجالات للاستفادة من جولات الرئيس على المستويات الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والاجتماعية.


وعلى المستوى الإستراتيجى فإن مصر تمر بمرحلة تحول خطيرة بعد ثورتى ٢٥ يناير و٣٠ يونيه وكانت ثورة ٢٥ يناير بمثابة احتجاج شعبى قوى على بقاء نظام رئاسى أكثر من ٣٠ سنة وهو أمر لا يتوافق مع أبجديات الحرية والديمقراطية ثم جاءت ثورة ٣٠ يونيه، التى قالت بقوة لا للحكم الدينى ولا لتحكم وتجبر قوى الإسلام السياسى وآن أوان بناء الدولة المدنية الديمقراطية الحرة المستقلة.. بعد هاتين الثورتين استقبلت مصر ردود أفعال عالمية متباينة ما بين التأييد والتآمر، وكان لابد من جولات خارجية لرئيس الجمهورية لمختلف دول العالم لشرح المواقف وبيان وجهات النظر تجاه الأحداث الجارية وتثبيت شرعية الحكم مما يحقق العديد من الأهداف والغايات الإستراتيجية للدولة، وفى تصورى أن هذه الجولات قد نجحت إلى حد كبير فى إعطاء صورة ذهنية إيجابية عن مصر.. تلك القوة الإقليمية الواعدة التى ترغب فى العيش فى سلام مع إحترام قواعد المجتمع الدولى، وأن هناك قيادة جديدة تبذل كل الجهد من أجل بناء الدولة على أسس راسخة من الحرية والديمقراطية تحقيقًا لهدف إقامة الدولة المدنية الديمقراطية الحرة المستقلة.


وعلى المستوى السياسى فقد كان من المهم تدعيم العلاقات السياسية مع مختلف دول العالم فمصر لها محيطها العربى والأفريقى والإسلامى والشرق أوسطى هذا بخلاف أننا إحدى دول البحر المتوسط ولنا علاقات تاريخية مع أوربا وآسيا وأمريكا الشمالية والجنوبية.. كان لابد للرئيس السيسى من القيام بجولات خارجية مخططة بدقة للدول الهامة فى كل هذه المناطق الجغرافية لدعم العلاقات السياسية وشرح المواقف وبيان وجهات النظر حول القضايا الدولية المختلفة، وبالتالى نضمن الدعم السياسى لقضايا المنطقة العربية عندما تعرض فى المحافل الدولية.


كما أن زيادة مساحات التفاهم السياسى تساهم وبقوة فى دعم العلاقات الاقتصادية والتجارية وأستطيع القول بأن جولات الرئيس قد نجحت فى بلورة موقف مصرى واضح تجاه القضية الفلسطينية والأزمة العراقية والأزمات فى سوريا وليبيا ولعل حضور الرئيس لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرًا واللقاءات المتعددة التى تمت مع معظم قادة وزعماء العالم، وكذلك اللقاءات مع مرشحى الرئاسة الأمريكية قد ساهمت بقوة ووضوح فى بلورة الموقف السياسى لمصر فى مختلف القضايا، مما يؤكد أن مصر عائدة وبسرعة لتحتل موقعها الرائد كقوة إقليمية متميزة.


وعلى المستوى الإقتصادى نجد أن جولات الرئيس الخارجية قد فتحت آفاقًا اقتصادية جديدة غير مسبوقة كنتيجة لقوة العلاقات السياسية من جهة والمشروعات القومية الجديدة العملاقة، التى تسعى مصر إلى إقامتها من جهة أخرى.


جولات الرئيس الخارجية تركز دائمًا على الملف الإقتصادى من خلال لقاءات مكثفة مع المسئولين الرسميين للدول وجمعيات رجال الأعمال ورؤساء الشركات الكبرى العاملة فى تلك الدول، هذا بالإضافة إلى ممثلى الجاليات المصرية ذوى الصلة بموضوعات الملف الاقتصادى.. ومحصلة ذلك كله اهتمام معظم الدول بالشراكة مع مصر فى مشروعات الطرق والكبارى والإسكان واستصلاح الأراضى والمدن الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة وغيرها من المشروعات القومية الجديدة، وكذلك فتحت هذه الجولات آفاق التفاهم مع مؤسسات التمويل الدولية مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى وبنك التنمية الإفريقى وصناديق التنمية العربية، مما ساعد على إمكانية حصول مصر على التمويل اللازم لتنفيذ برنامج الإصلاح الإقتصادى الذى التزمت به الحكومة أمام البرلمان والشعب.. البعض يعتقد أن الملف الاقتصادى يعتمد فقط على دراسات الجدوى والحسابات الدقيقة للمكسب والخسارة وتعظيم المصالح والمنافع التجارية والاقتصادية.. كل العناصر السابقة غاية فى الأهمية، ولكنها لا تؤدى المطلوب فى غيبة العلاقات السياسية الجيدة وتوافق الرؤى الإستراتيجية والتفاهم حول القضايا الدولية، وكل ذلك يأتى محصلة هامة للجولات الخارجية.


وعلى المستوى العسكرى لا يخفى علينا أن الرئيس السيسى يعمل على إستراتيجية قوامها تحديث أسلحة القوات المسلحة المصرية وتوفير كل ما تحتاجه لكى تظل الدرع والسيف للدولة المصرية وللأمة العربية، وذلك تعويضًا لفترة سابقة غاب فيها هذا الهدف، وكان الضباب وسوء التقدير وفقدان الهمم يسود كل شىء. الجولات الخارجية للرئيس ساعدت وساهمت بشكل مؤثر وملحوظ فى تحقيق تقدم مذهل فى الملف العسكرى، فهناك تطور كبير حدث فى القوات البحرية وسلاح الطيران وغيرها من أفرع القوات المسلحة، وذلك اعتمادًا على الرؤية المشتركة مع دول الخليج الشقيقة والتوافق الاستراتيجى مع دول مثل روسيا والصين وفرنسا وكل ذلك لا يأتى من فراغ، بل الأمر يحتاج إلى جولات وجولات من المباحثات سواء فى مصر أو فى تلك الدول حتى يمكن بناء الأرض الصلبة للتوافق فى المجال العسكرى.


وبالنسبة للمستوى الأمنى فإنه وثيق الصلة بالمستوى العسكرى، وكذلك المستوى السياسى فجولات الرئيس الخارجية ركزت مع الدول العربية على قضية أمن الخليج وإنه جزء لايتجزأ من الأمن القومى المصرى.


كما أن أمن الدول المجاورة لمصر مثل ليبيا والسودان والأردن جزء أصيل من الأمن القومى المصرى بمفهومه الشامل.. كما ناقش الرئيس فى جولاته الخارجية مع قادة وزعماء أوربا وآسيا قضايا الإرهاب وكيفية رسم استراتيجية للتعاون المشترك فى مجال مكافحة تنظيمات الإرهاب الدولى.. كل هذه أمور كانت فى حاجة إلى جولات خارجية مكثفة حتى نصل إلى نتائج على أرض الواقع تحقق متطلبات الأمن والسلم الدوليين.


وعلى المستوى الاجتماعى والفكرى والثقافى كانت هناك جولات للرئيس نجحت فى تدعيم أنشطة التعاون بين مصر ودول عديدة فى مجالات مكافحة الإرهاب الفكرى، وكذلك دعم أنشطة التربية والتعليم والتعليم العالى والثقافة، ولعلى هنا أكتفى بذكر ثلاثة أمثلة هامة:


فى مجال التربية والتعليم كانت زيارة الرئيس لليابان محطة هامة نحو فهم منظومة التعليم فى اليابان ودراسة إمكانية إقتباس بعض الأفكار والنظم اليابانية ودراسة كيفية تطبيقها فى مصر لرفع مستوى التعليم ما قبل الجامعى.


فى مجال التعليم العالى كانت زيارة الرئيس للمملكة المتحدة محطة هامة فى سبيل دعم العلاقات بين مؤسسات التعليم العالى فى مصر وبريطانيا وتوقيع مذكرة تفاهم تحتوى على ١٤ مشروعا لدعم التعليم العالى المصرى بالتعاون مع كبرى مؤسسات التعليم العالى فى بريطانيا.


فى المجال الثقافى يأتى ترشيح السفيرة مشيرة خطاب كمدير لمنظمة اليونسكو كخطوة هامة نحو إستعادة البريق والوهج والتألق الثقافى لمصر.. ومما لا شك فيه أن هناك نتائج مبشرة لجولات الرئيس الخارجية تدعم هذا الترشيح، والذى نأمل جميعًا أن يصل إلى تحقيق الآمال والنتائج المرجوة.


ما ذكرته سابقًا قليلًا من كثير والنتائج والفوائد وأوجه الإستفادة من جولات الرئيس الخارجية عديدة ومتشعبة ومتشابكة وتبقى ثلاث ملاحظات:


الملاحظة الأولى تتعلق بالتعاون الإستراتيجى المشترك بين مصر وقبرص واليونان والدور المركزى شديد الأهمية لهذه الدول الثلاثة لحماية شرق المتوسط وتحقيق الأمن فى هذه المنطقة من العالم التى اكتسبت أهمية إستراتيجية كبرى بعد إكتشاف إحتياطيًات غير مسبوقة من الغاز مما ينبئ بتغيرات كبيرة فى اقتصاديات هذه الدول خلال السنتين القادمتين.. ومما لا شك أن الجولات الخارجية للرئيس لهذه البلاد قد لعبت دورًا مؤثرًا فى هذا المجال.


الملاحظة الثانية، تتعلق بالوفود الشعبية والإعلامية المصاحبة لجولات الرئيس الخارجية وبصرف النظر عن بعض الإنتقادات التى وجهت لهذه الوفود إلا أن الأمر كان يحتاج خلال السنتين الأولى من فترة الرئيس إلى جهد هذه الوفود من أجل إيضاح أبعاد الموقف السياسى المصرى وبيان مقومات الرؤية المصرية للعديد من القضايا الدولية.. إلا إنه وبعد النجاح الكبير، الذى حققته الجولات الخارجية الأخيرة أرى أننا لسنا فى حاجة إلى وفود بهذا الحجم فى الجولات المقبلة ويمكن اختصار العدد لتضم عددا محدودا من الكفاءات المتميزة والمختارة بعناية ووفقًا لمعايير محددة لتؤدى مهام وتحقق أهداف متفق عليها.


الملاحظة الثالثة، تتعلق بمدى استفادة الحكومة والأجهزة التنفيذية من جولات الرئيس الخارجية، وهنا علينا أن نعترف أن ضعف كفاءة الحكومة وسيادة البيروقراطية وترهل الجهاز الإدارى للدولة يحول دون تحقيق الإستفادة المرجوة من جولات الرئيس، فالعديد من الأفكار والمبادرات والمشروعات المقترحة لم تر النور ولم تدخل حيز التنفيذ للأسباب السابق ذكرها وهنا نحن فى حاجة ملحة إلى إنشاء وحدة إدارية للمتابعة مهمتها الأساسية متابعة عمليات تحويل نتائج الجولات الخارجية إلى واقع ملموس وذلك من خلال التنسيق بين الوزارات والهيئات المختلفة على أن تقدم تقريرًا شهريًا إلى رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء يوضح ما تحقق على الأرض والأهم أن يوضح ما الذى لم يتحقق والأسباب وراء ذلك وما يمكن اتخاذه من إجراءات لتلافى ذلك فى المستقبل.


جولات الرئيس الخارجية تحقق الكثير لمصر بشرط أن نستفيد من نتائجها ونوضح ذلك إلى الرأى العام بمنتهى الصراحة والشفافية، وعلينا أن ندرك أن تحقيق نتائج اقتصادية معتبرة من أنشطة التعاون الدولى ترتكز على عمق العلاقات السياسية وتوافق الرؤى الإستراتيجية وهو ما يتحقق من خلال الحوار المباشر وخلق مساحات التفاهم وتبادل الآراء، وهو ما يحدث من خلال الجولات الخارجية، التى تضع مصر فى مكانتها اللائقة إقليميًا ودوليًا.