مصر وأمريكا بين هيلارى وترامب .. بين المبادئ الخادعة والقوة الجارفة

28/09/2016 - 1:06:43

  السيسى وترامب .. الأخير أبدى إعجابه غير المحدود بشخصية ودور السيسى فى محاربة الإرهاب السيسى وترامب .. الأخير أبدى إعجابه غير المحدود بشخصية ودور السيسى فى محاربة الإرهاب

بقلم: د. حسن أبوطالب

حسنا فعل الرئيس السيسى، وافق على مقابلة كل من هيلارى كلينتون ودونالد ترامب مرشحى الانتخابات الأمريكية المتنافسين، اللذين طلبا مقابلته على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتقى بهما وشرح لهما ما يجرى فى الساحة المصرية ومواقف مصر تجاه العديد من الأزمات والقضايا التى تهم البلدين، لم يكن متصورا أن يترفع الرئيس عن اللقاءين أو يكتفى بأحدهما، اللقاءان معا يجسدان حصافة دبلوماسية وسياسية لا تغيب عن مصر ومؤسساتها المختلفة.


لقاءان وتعليقات مختلفة


اللقاءان كانا فرصة مهمة للتعارف الشخصى المباشر كمسئولين رفيعى المستوى يصنعان القرار ويؤثر كل منهما على مصالح الطرف الآخر، فضلا عن الإجابة على التساؤلات، وأيضا معرفة الأولويات التى يتمسك بها كل مرشح رئاسى أو على الأقل الأولويات التى يمكن أن تلعب دورا رئيسيا فى تحديد علاقة مصر مع الولايات المتحدة فى السنوات الأربع المقبلة بداية من يناير ٢٠١٧ وحتى نهاية ٢٠٢٠. اللقاءان كانا طريقين فى اتجاهين متقابلين وليسا فى اتجاه واحد، كانا تفاعلا إيجابيا وليس حوارا من طرف واحد، والدليل أن حملتى المرشحين الرئاسيين أصدرا تعليقات رسمية على اللقاء مع الرئيس السيسى، لم تخلُ من الإشادة بشكل عام بشخصية السيسى وبأفكاره، وبينما جاء تعليق حملة المرشحة هيلارى كلينتون مقتضبا ومشيرا إلى اهتماماتها بشأن حرية المجتمع المدنى، وتأكدها أن مصر دولة قانون ومؤسسات (فى رد غير مباشر على تصريحاتها السابقة أثناء مواجهة منافسها الديمقراطى ساندرز بأن فى مصر ديكتاتورية) كان تعليق حملة المرشح ترامب أكبر نسبيا حيث أشار إلى توافق الرؤية بشأن مواجهة الإرهاب وتقدير ما تقوم به مصر فى هذا المجال، والوعد بأن تكون علاقات مصر وأمريكا فى عهده أكثر قوة، وأن تكون الولايات المتحدة حليفا قويا للقاهرة وصديقا وفيا، ووعد آخر بأن تتم دعوة الرئيس السيسى لزيارة الولايات المتحدة زيارة رسمية، وفى تعليق ثانٍ للحملة الانتخابية لترامب تمت الإشارة إلى توافق الكيمياء الشخصية بين المرشح الرئاسى والرئيس السيسى، وأن الأول يتوق لزيارة مصر ذات الحضارة، مع ملاحظة أن التعليق الثانى جاء بعد أن عبر السيسى فى لقاءات صحفية عن اعتقاده بأن ترامب سيكون قائدا قويا، وأن كثيرا من المواقف التى يدلى بها فى الحملة الانتخابية (يفترض أنها تتعلق بمواقفه تجاه المسلمين الذين طالب بعدم دخولهم الولايات المتحدة كخطوة لمواجهة الإرهاب الذى قد تتعرض له بلاده) قد تتغير بعد تحمل المسئولية الفعلية والاستماع إلى آراء الخبراء، ومشيرا– أى السيسى - أيضا إلى الخبرة السياسية للمرشحة هيلارى فى إطار أن الأحزاب الأمريكية لا تسمح بالوصول إلى الترشح للرئاسة إلا لمن لديهم خبرات سياسية عريضة.


أيهما الأفضل لمصر؟


وبغض النظر عن تعليقات حملتى المرشحين الرئاسيين على وقائع اللقاءين وما حملته من مؤشرات مهمة، فنحن أمام تساؤل كبير يمكن تبسيطه فى أيهما أفضل لمصر ومصالحها؟


قبل الإجابة هناك ثلاث ملاحظات يجب ألا تغيب عن أذهاننا وهى، أولا أن الولايات المتحدة دولة عظمى ومؤثرة فى السياسات العالمية ولها مصالحها التى تشمل العالم كله، وأنه من الخطأ أن يتصور المرء إمكانية عزوف مصر عن التعامل مع الولايات المتحدة مهما كانت تحفظاتنا أو اعتراضاتنا على الكثير من مواقفها التى تتناقض مع مصالحنا ومع طموحاتنا وأيضا مع مصالح وقضايا عربية مهمة كالقضية الفلسطينية والأزمة السورية، وغيرهما كثير جدا.


وثانيا أن العلاقات المصرية الأمريكية لها امتدادات فى كثير من مناحى الحياة المصرية، بعضها قد يكون مفيدا ولا غبار عليه كما هو الحال فى القطاع العسكرى والأمنى، وبعضها الآخر قد يحمل ضغوطا غير مقبولة وتدخلات مرفوضة كما هو الحال فى ملفات التحول السياسى المصرى، ومع ذلك فلا سبيل لتطوير ما هو إيجابى والحد من تأثيرات ما هو مرفوض إلا من خلال الحوار والتعامل الصريح ووضع الأمور فى نصابها والدفاع المستميت عن مصالحنا دون أى ضرر.


وثالثا أن مصر تتعامل مع الدولة الأمريكية بمؤسساتها وبرئيسها المنتخب، سواء كان جمهوريا أو كان ديمقراطيا، ومهما كانت مواقف المرشح الرئاسى المقدر له الفوز تجاه مصر، إيجابا أو سلبا أثناء الحملة الانتخابية، فمن الحصافة والحكمة السياسية عدم الارتكان إليها باعتبارها حقيقة نهائية، فكل شيء قابل للتغير النسبى أو الكلى حسب الضغوط الداخلية التى سوف يتعرض لها بعد تحمله المسئولية.


الملاحظات الثلاث تعنى أن الأمر يتطلب من مصر، رئيسها ومؤسساتها وإعلامها ونخبتها السياسية، التعامل مع الولايات المتحدة بأعلى درجة من الحذر والتحسب للمواقف الصعبة المحتملة من جانب، وتطوير ملفات التوافق المشتركة كليا أو جزئيا بما يعمق فهم الدولة الأمريكية بحقيقة ما يجرى فى مصر من تهديدات وتحديات وسياسات وبرامج للتعامل مع هذه الضغوط.


مؤشرات الجمهوريين


ما سبق قوله لا يلغى أن مؤشرات التعامل مع عودة الجمهوريين للبيت الأبيض بقيادة دونالد ترامب تبشر بعلاقة أكثر استقرارا وتفاهما بين القاهرة وواشنطن، وأقل ضغوطا مما يمكن توقعه فى حال استمرار الديمقراطيين إذا فازت المرشحة هيلارى كلينتون، ولمزيد من الحذر فى التوقع يمكن القول بأن كثيرا من الملفات المتعلقة بمواجهة الإرهاب أمنيا وسياسيا، بما فى ذلك ملف جماعة الإخوان المسلمين فى الداخل الأمريكى وفى النطاق الدولى، وملفات أخرى تتعلق بالاستقرار الإقليمى وتهدئة حالات بعينها تمهيدا لتسويتها لاحقا، ستكون مؤهلة لتوافق تام وتعاون كبير للغاية بين القاهرة وواشنطن إذا ما عاد الجمهوريون وفاز ترامب بالرئاسة. وقد يشهد الأمر نوعا من التعاون النسبى لتحريك ملف السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما سيكون لرؤية القاهرة تجاه القضايا الإقليمية دور مؤثر أو على الأقل مسموع لدى الإدارة الأمريكية. وغالبا سيكون الدعم الاقتصادى الأمريكي لمصر أكبر مما هو عليه. أما قضايا التحول الديمقراطى بما فيها حقوق الإنسان وفقا للرؤية الأمريكية فالغالب أنها ستكون موجودة فى قلب أى تعامل بين البلدين ولكن من منظور تفهم ما يجرى فى الداخل المصرى وربما تقديم مساعدات دون تهديد فج أو ضغوط سياسية وإعلامية كما كان الحال فى سنوات إدارتى أوباما.


وعلينا هنا أن ندرك أن الجمهوريين الآن وبعد ثمانى سنوات من فقدان السلطة التنفيذية العليا فى البلاد ممثلة فى منصب الرئيس، ليسوا هم الجمهوريين فى عهد الرئيس بوش الابن، والذى ترافق وصوله إلى البيت الأبيض مع تبنى خطة سياسية طموحة ترى أن القرن الحادى والعشرين هو قرن أمريكى بلا منازع، وأن العالم سيكون محكوما بالقيادة الأمريكية وبالقوة الأمريكية بمعناها العام مع وضع خاص للقوة العسكرية الأمريكية غير المسبوقة فى التاريخ الإنسانى، وهى الخطة التى أسهمت فى عسكرة التحركات الأمريكية عالميا وعلى نحو فج كما حدث فى أفغانستان والعراق، أما الجمهوريون الآن وفقا لخطاب المرشح ترامب فتبدو عليهم نزعات الانغلاق على الذات والشعور بالخطر من تراجع القوة الأمريكية ومن صعود قوى أخرى فى النظام الدولى، كما يدركون أن هناك تراجعا حادا فى النفوذ السياسى الأمريكى العالمى، وأن مهمتهم هى استعادة هذا النفوذ من خلال التعاون مع حلفاء أقوياء، مع إصلاح منظومة الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المختلفة.


هيلارى وضغوط منتظرة


أما تصور العلاقة مع الرئيسة هيلارى فى حال فوزها فإنه يحمل الكثير من الاختلافات عما يمكن توقعه إذا فاز المرشح ترامب. ومن المرجح بقوة أن يظل المفهوم الأمريكى عن حقوق الإنسان وعلاقته بالتحول الديمقراطى كما كان فى سنوات إدارتى الرئيس أوباما هو المحدد الرئيسى الذى تتمسك به إدارة هيلارى كلينتون فى علاقتها بالقاهرة وعواصم عربية أخرى. وربما تطرح مرة أخرى مفهوم التغيير الذكى فى بلدان الشرق الاوسط، أى أن تقود الولايات المتحدة صنع بيئات تموج بالتغيير، وأن تترك مهمة التغيير لمواطنى كل بلد على حدة. ومن هنا فإن مدخل حقوق الإنسان سيظل حاضرا بقوة.


وغالبا سوف يستمر التعاون العسكرى بين البلدين ونوع من الحوار الاستراتيجى، ولكنه قد يتعرض لمطبات بين الحين والآخر وفقا للضغوط التى سوف تراها إدارة هيلارى بين مرحلة وأخرى لتوصيل رسائل للقاهرة بعدم الرضاء عن التحولات الداخلية أو ما قد يحدث من مواجهات مع قوى سياسية معينة، وعلينا أن نلاحظ هنا أن عدم حديث المرشحة هيلارى مع الرئيس السيسى عن مستقبل أو وضع جماعة الإخوان الإرهابية فى مصر لا يعنى إطلاقا أنها تسلم بوجهة النظر المصرية فى هذا الشأن، بل غالبا تجاهلت الحديث عن هذه القضية تحديدا حتى لا تبدو أمام أنصارها المتعاطفين مع الجماعة أنها تخلت عما تعتبره القيم الديمقراطية. والغالب أيضا أنها فى حال فوزها بالرئاسة سوف تفتح هذا الأمر كما هو الحال فى إدارة أوباما، وقد نشهد بعضا من الضغوط الإعلامية المُرتبة جيدا فى البيت الأبيض.


كما علينا أن نلاحظ أن مصر مقبلة على الانتخابات الرئاسية بعد حوالى ٢٠ شهرا من الآن، وقتها ستكون الإدارة الأمريكية سواء فى عهدة هيلارى أو ترامب فى منتصف عمرها تقريبا، وغالبا ما ستكون انتخابات الرئاسة المصرية فرصة لتعليقات وتدخلات أمريكية مباشرة أو غير مباشرة، وإذا كانت المواقف التى عبرت عنها حملة المرشح ترامب بشأن تقدير ترامب الشخصى لجهود الرئيس السيسى ثم العمل على دفع علاقات البلدين إلى علاقة تحالف قوية هىّ الأساس الذى ستصير عليه رئاسة ترامب حال فوزه، فمن المرجح أن تكون هناك بعض التلميحات التى تؤيد استمرار السيسى كرئيس منتخب لمصر لفترة رئاسية ثانية، وغالبا لن نشهد مثل هذه التلميحات فى حال فوز هيلارى كلينتون، بل ربما نشهد عكسها يصاحبها مدخلات إعلامية غير منصفة.


وفى حال صحة ما ذكر سابقا، فمن اليسير القول بأن فوز ترامب قد يحمل الكثير من التفهم لما يجرى فى مصر ومساعٍ متعددة لتطوير علاقات القاهرة وواشنطن، مع الأخذ فى الاعتبار أن توجهات ترامب مليئة بالإشارات العدائية تجاه المسلمين وتحديدا مسلمى دول الشرق الأوسط، وهو ما سيمثل ضغطا على مصر بشكل أو بآخر، اللهم إلا إذا تراجع ترامب كرئيس عن هذه التوجهات العدائية تجاه الآخر، أما فى حال فوز هيلارى فالمرجح أن تشهد علاقات القاهرة وواشنطن نوعا من البرود الذى تتخلله بعض فترات لضوء الشمس، ومع ذلك فالمفاجآت واردة بقوة.