مصر- أفريقيا وإمكانيات بناء نظام عالمي جديد

28/09/2016 - 12:30:50

  السيسى بين زعماء العالم يشكل إنطلاقة جديدة لمصر فى بناء نظام دولى مغاير السيسى بين زعماء العالم يشكل إنطلاقة جديدة لمصر فى بناء نظام دولى مغاير

بقلم: د. السيد فليفل

منذ أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية اعتذارها عن الضربات الجوية ضد القوات الحكومية السورية وخروج تصريح مباشر من الكرملين يعلن أن الولايات المتحدة تتصرف كما لو كانت أقرب إلى داعش منها إلى الالتزام بمقررات القانون الدولي وباتجاهات العمل داخل مجلس الأمن، وبصفة خاصة بعدما أعاقت إحدى الجلسات المكرسة في هذا المجلس لبحث مسألة الهدنة في سوريا، راحت كثير من الدوائر الدولية تتحدث عن انهيار في الأسانيد القيمية للسياسة الخارجية الأمريكية على نحو جعل أقرب المقربين إلى الولايات المتحدة يشعر بالخجل من الانتماء إلى هذا النمط من السياسات الغربية التي ثبت عدم التزامها بقواعد القانون الدولي وبالمبادئ الإنسانية والأخلاقية.


ولم يكن هذا جديداً على الإنسانية أن تلاحظ ماذا تصنع الولايات المتحدة. فالحقيقة الساطعة أن الولايات المتحدة الأمريكية أثبتت على حد قول بعض المفكرين الأمريكان أنفسهم أنه لا يوجد تهديد معين يستهدف الولايات المتحدة بل إن الولايات المتحدة ذاتها هي التهديد.


وقد تزايدت في الآونة الأخيرة مشاعر الإدراك بأن ١١ سبتمبر ٢٠٠١ هي صناعة أمريكية وأنها إحدى أدوات الاستخبارات الأمريكية لحشد العالم خلف القيادة الأمريكية، بعدما بدأ الدور المستقل لكل من الاتحاد الروسي والاتحاد الأوروبي في التبلور، وبعدما أخذت القوة الصينية في الصعود بحيث أدت ١١ سبتمبر إلى جذب العالم مرة أخرى خلف القيادة الأمريكية. وقد تتبع كثير من المراقبين- وبصفة خاصة من الأوروبيين والروس والصينيين- كيف وظفت الولايات المتحدة الحدث في الانتشار استراتيجيا حول العالم، وكيف أصبح لها وجود مباشر في مناطق النفط في الشرق الأوسط، كما تابعوا برامج تفتيت المناطق السياسية المتماسكة لاسيما في كتلتي العراق والشام، وفي اليمن، وفي ليبيا. كما تابعوا ما جرى من سياسة أمريكية تجاه حكم الرئيس مبارك في أخريات أيامه، حيث باعته الولايات المتحدة لحلفائه السياسيين السابقين من أصدقاء الولايات المتحدة من الإخوان المسلمين، وهو الموقف الذي وصفه أحد المحللين الإسرائيليين بأن الولايات المتحدة أفقدتهم كنزا استراتيجيا ووقعت على كنز آخر. ويذكر المصريون كيف جاءت هيلاري كلينتون إلى ميدان التحرير كأنما جاءت تجمع الغنائم وتكسب من الموقف وتتابع الاجتماع مع النشطاء والمتدربين السابقين من دعاة المجتمع المدني، لكنها جنت أيضا كثيرا من البيض وكثيرا من الطماطم قذفها بها مصريون أبرياء لا يعلمون ما يدور من وراء الحجب، وفي المكاتب المكيفة.


ولقد كان عدم الحياء الأمريكي في أجلى صوره عندما وقفت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة والمرشحة الحالية للرئاسة تتحدث عن الديمقراطية الموعودة، وهي في نفس الوقت التي كانت معارضة للتدخل الأمريكي في العراق. ويرى الكافة أي نمط من أنماط الديمقراطية ترعاه الولايات المتحدة في الوقت الراهن في كل من أفغانستان والعراق؟ وتزداد الدهشة عندما نراجع الاتفاق الأمريكي الإيراني الذي تم مباغتاً لكل من دول الخليج والعراق وأيضاً للدول الأوروبية الحليفة المباشرة للولايات المتحدة في في الناتو، حيث بدأت الدول الأوروبية تبحث كيف تنهي الحصار المفروض على إيران وكيف تستجيب للقرار الأمريكي باعتماد إيران وكيلا ً إقليمياً جديدا في نفس الوقت الذي كانت القواعد الأمريكية في دول الخليج موضع نظر من حكومات هذه الدول باعتبارها سنداً ودرعاً حاميا من إيران، فكيف -وقد أصبحت إيران حليفا للولايات المتحدة- تنظر شعوب الخليج لهذه القواعد: هل هي امتداد عبر الخليج لإيران؟ وبمعنى آخر هل القوات الأمريكية في هذه القواعد هي قوات احتلال إيراني من نمط أمريكي؟ وفي نفس الوقت فإن الحليف التركي في الناتو لطم لطمات متعاقبة وحوصر من قبل روسيا ثم أجبر على الاستجابة له والعمل معها بشكل جديد في سوريا بحيث أصبح يقبل بدور لبشار الأسد، ولاشك أن هذا الحليف التركي بعدما تعرض لمحاولة انقلاب مزعومة تدخلت القوات الأمريكية لإجهاضها على حساب تمزيق القوات الجوية التركية إرباً على نحو أثبت أن هذه القوات دون التكنولوجيا التي تبثها الولايات المتحدة على أجهزتها ليست أكثر من طائرات ورقية لا تعرف لنفسها اتجاها.


وفي الطرف الجنوبي الشرقي من المتوسط سارع وزير الدفاع المصري الفريق أول صدقي صبحي بزيارة موسكو وعاد من بعدها وقد تغيرت كافة ترددات العمل على أجهزة الرصد والطيران المصري بالقوات المسلحة، بما يمنع الولايات المتحدة من تكرار ما جرى في تركيا مع مصر حتى في الطائرات ذات الصنع الأمريكي، وقد كان المظهر الذي ظهرت به مصر خلال مشاركة الرئيس المصري في قمة العشرين التي دعيت إليها في الصين، بينما وزير دفاعه في روسيا ما يشكل ردا على كل المدعين بقرب حدوث انقلاب عسكري في مصر أو وجود عدم ثقة في الأداء السياسي للرئيس لدي المواطنين، أو حتى مجرد الشك في القدرة على إدارة الأوضاع الداخلية والسياسة الخارجية للبلد. لقد ثبت أنه رغم أن الرئيس في الخارج ووزير الدفاع في الخارج إلا أنه توجد في مصر دولة ذات مؤسسات وقوات مسلحة تمسك بخيوط تطورات الأوضاع الأمنية في كل أقاليم البلاد بقبضة حديدية، وفي نفس الوقت تنزل بالإرهابيين خسائر فادحة في البؤرة الشمالية الشرقية في سيناء.


وليت أن الأمر يخطر على بال أولئك المتقاعسين في الإعلام، وأولئك المترددين بين الوطن والدعاية الكاذبة، وأولئك المرجفين في المدينة من الذين أعياهم كسب المال لقاء تصريح يقولونه هنا أو بيان يدلون به هناك مما سقط معه اعتبارهم الوطني، ليت أن هؤلاء جميعا فكروا في هذا الذي يجري لكي يعلموا أن السيد الأمريكي لم يعد بالقدرة التي يظنون، وأنه لولا ما تدفعه قطر لأعياهم من أين يقبضون أموالهم الحرام.


يبدو العالم إذن يتشكل على نحو جديد، فقمة العشرين تألقت فيها الصين إلى المستوى الذي جعل الجميع يراهن عليها، وجعلها تربح ثقة الجميع والرغبة في التعاون معها. وفي لقاء مع باحث روسي أبدى دهشته من قدرة الصين على تجاوز الخطوط الحمراء الأمريكية وعلى الوقوف مباشرة في مواجهة الولايات المتحدة، كما أن الصين لم تشأ أن يبدأ مؤتمر العشرين دون أن تستعرض قواها البحرية في بحر الصين الجنوبي وأن تدشن مناورات مشتركة مع روسيا في تحدِ للإجراءات الأمريكية الجديدة في الشرق الأقصى، ومن الواضح أن الصين لن تترك أحدا يعبث في هذا البحر ضد مصالحها وأن روسيا لن تترك حليفا كالصين لكي تبتلعه هذه القوة أو تلك.


ولهذا فإن وجود الرئيس المصري في الصين شكل في حقيقته نوعا من البحث الصيني عن حلفاء إقليميين راسخين في الشرق الأوسط والمنطقة الأفريقية. وفي هذا فإن مآلات الحركة السياسية الخارجية المصرية التي بدأت بمسارات مباشرة دشنها كل من رئيس الدولة ووزير الخارجية ووزير الدفاع تؤكد أن لدى مصر إدراكا واضحا بأهمية صياغة عالم لا تهيمن عليه قوة واحدة. وأن الصين وروسيا وفرنسا تحتل مكانة واضحة في مسارات الحركة للرجال الثلاثة. وأن ذلك ظهر واضحا ليس فقط في صفقات السلاح على نحو ما يرى البسطاء من المحللين، ولكن وهذا هو الأهم في التفاهمات الاستراتيجية الكبرى التي يمكن أن تؤشر إلى الرغبة في بناء نظام عالمي حقيقي يقوم على تشارك القوى الفاعلة وعلى فرص المكافحة الحقيقية للإرهاب وحصاره عبر تفاهم القوى الأرثوذكسية (روسيا) والقوى الإسلامية ذات التوجه الحضاري (مصر- الأزهر) والقوى الكونفوشوسية (الصين)، وأن هذه القوى بما لها من حضارات قديمة تستطيع أن تضع تصوراً لمستقبل إنساني يقوم على التعاون ومنع افتئات القوة الغاشمة التي تمثلها الولايات المتحدة: الولايات المتحدة- هيروشيما، الولايات المتحدة- فيتنام، الولايات المتحدة- حرب يونيو، الولايات المتحدة- أفغانستان ٢٠٠١، ضرب العراق١٩٩١، الولايات المتحدة-احتلال العراق ٢٠٠٣، الولايات المتحدة ومخطط تفكيك الشرق الأوسط: الصراع بين السنة والشيعة، رعاية الإرهاب الداعشي بقيادة قطر تميم، وتركيا أردوغان، وفلول الإخوان المسلمين في العراق وسوريا واليمن وليبيا.


في كل ذلك بات واضحا أن الولايات المتحدة قد وصلت نهاية السياسة التي أعلنها جورج بوش تجاه ستين دولة في العالم، وهي سياسة استهدفت عسكرة الأداء الخارجي الأمريكي عن طريق غطرسة القوة، وهي السياسة التي استمر عليها أوباما ووزيرة خارجيته كلينتون وفق نهج جديد لا يقوم على إرسال الجنود إلى الخارج ولكن يقوم على تحريض الطيف الاجتماعي الشرق أوسطي وتسليحه تسليحا كبيرا؛ لكي ينطلق إلى تخريب الشرق الأوسط بأيدي أبنائه مع تمويلهم بتمكينهم من حقول النفط في كل من العراق وسوريا وليبيا، وبهذا أصبح ما يسمى بداعش وهو في حقيقته مجموعات من المتسللين الأجانب الذين جرى تدريبهم بمعرفة الولايات المتحدة وبتمويل قطري على الأراضي التركية والقطرية وأصبحوا يقومون بما كان يقوم به من قبل المرتزقة الأجانب في أفريقيا، وأصبحت جماعاتهم التي تنتمي إلى دول تنتشر من الفلبين إلى الشرق الأوسط إلى أوروبا إلى الولايات المتحدة، ويشكلون خليطا يتعذر تخيل تعايشه إلا عبر هذا التمويل الذي كان يملأ خزائن الدول بعائدات النفط فإذا به في أيدي أفراد يتسلحون بأسلحة غير موجودة في عدد من دول المنطقة، سواء من الأسلحة الثقيلة أو الأسلحة ذات النوعية المتقدمة.


ولقد عبرت كلينتون قبل أن تودع منصب وزير الخارجية عن هذه الحقائق في لقاء بالكونجرس عندما قالت عن الدواعش: نحن من جندنا هؤلاء، ونحن من سلحنا هؤلاء، نحن خلقناهم، ونحن لم نعد قوة غبية كما كانت أيام جورج بوش بحيث ترسل جنودها لقتال أعداء الولايات المتحدة في الخارج، إنما أصبحنا نخطط لكي يقتل أعداؤنا بعضهم بعضا، وهذا هو الذكاء في إدارة السياسة الخارجية الأمريكية.


هكذا إذن كانت هذه الرقطاء قادرة على تجسيد ملامح السياسة الحقيقية للولايات المتحدة في لحظة من لحظات الصدق التي لامها كبار المحللين الأمريكان بعدها كأنما كشفت سرا غير معروف.


إذا انتقلنا إلى القارة الأفريقية سوف نجد أنها الوحيدة التي لا تمتلك بنية موحدة قادرة على التفاعل الخلاق مع هذه المتغيرات، ولهذا كان التركيز المصري على أفريقيا في الفترة السابقة من القوة والتسارع في وتيرته بحيث شهدنا اجتماعات لمسئولي الدفاع والأمن في دول الساحل والصحراء، وشهدنا تنسيقا بين التجمعات الاقتصادية الإقليمية وشهدنا محاولة لصياغة موقف أفريقي يرعاه الرئيس المصري حول البيئة والتفاوض الدولي بشأنها، وأخيرا أتى اجتماع نيويورك لمجلس الأمن والسلم الأفريقي برئاسة الرئيس المصري باعتبار أن مصر ترأس المجلس في الوقت الراهن. وهذا يدل دلالة واضحة على أن أفريقيا رغم أنها لم تنجح في بناء اتحاد أفريقي متماسك يعتمد على نفسه بعد إلا أنها في سبيلها إلى ذلك.


ويأتي الإعداد لاجتماع البرلمان الأفريقي في شرم الشيخ خلال شهر الانتصارات شهر أكتوبر القادم كي يجسد عدة أمور:


أن مصر قد عادت وبقوة إلى الاتحاد الأفريقي.


أن النواب الأفارقة سوف يكونون ضيوفا على مدينة السلام في شرم الشيخ في وقت بدأت فيه عود السياحة الدولية إليها.


الأمر الثالث أن أفريقيا سوف تحتفل مع مصر بمرور مائة وخمسين عاما على تأسيس أول برلمان مصري وعربي وأفريقي.


الأمر الرابع أن القاهرة التي كانت منشئة الحضارة منذ بداياتها الأول والتي رعت العقائد والفلسفات والأديان على مدار تاريخها والتي قادت العالم لتثبيت نظرية بناء الدول، والتي قاومت الاستعمار وقادت حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار الغربي للأرض العربية والأفريقية، مصر هذه أيها السادة عادت من جديد كي تلتقط خيوط الدور التي كان مبارك قد أفلتها من يده، مصر هذه أيها السادة تعود شمسها الذهب ويعود جيشها المناضل وتعود هي ولا يملك أحد إلا أن يحيي هذه العودة، وأن يتطلع إلى غد تنتهي فيه المركزية الأوروبية بجناحيها الأوروبي والأمريكي، ويقبل فيه العالم بناء نظام عالمي حقيقي تجسده الأمم المتحدة.


ولعل أوباما إذ يراوح مكانه يصحب معه بان كي مون كآخر أمين عام للأمم المتحدة، يقبل أن تدير إدارة الأمم المتحدة في وزارة الخارجية الأمريكية شئون المنظمة الدولية، فإذا ذهبا معا فإنه على دول العالم أن تحسن اختيار الأمين العام للأمم المتحدة رجلا قادرا على التمييز بين ما يريده العالم وبين ما تريده «المركزية» الأمريكية.