د. منى الجرف رئيس جهاز حماية المُنافسة: دورنا ليس منع الاحتكار!

28/09/2016 - 12:28:41

  الزميلة أميرة جاد أثناء حوارها مع الجرف عدسة: إبراهيم بشير الزميلة أميرة جاد أثناء حوارها مع الجرف عدسة: إبراهيم بشير

حوار: أميرة جاد

تصاعدت خلال الفترة الماضية أزمات «الأرز والسكر وكروت شحن المحمول والأدوية وألبان الأطفال»، وأغلب هذه الأزمات أرجعها مراقبون للاحتكار، وهو ما دعا البعض للتساؤل أين دور جهاز حماية المُنافسة ومنع المُمارسات الاحتكارية من ارتفاع الأسعار.. أين القرارات التى تمنع الاحتكار وتنقذ المصريين من ناره؟ «المصور» التقت الدكتورة منى الجرف رئيس الجهاز، للحديث عن دوره فى مُراقبة الأسواق والسلع. لكن الدكتورة «الجرف» أكدت أن القانون لا يُجرم الاحتكار، وإنما يُجرم المُمارسات الاحتكارية، لكنها قالت إن «الاحتكار ليس السبب الرئيس لارتفاع الأسعار، بل هُناك أسباب أخرى».


«الجرف» أعلنت عن أن الجهاز يدرس أن يكون لديه هيئة قضائية لإسراع الإجراءات، وحتى يكون القرار القضائى نابعا من الجهاز نفسه، لافتة إلى أن طول فترة الإجراءات فى قضايا الممارسات الاحتكارية يضُر كافة أطراف السوق.


ماهو دور جهاز حماية المنافسة فى ظل أوضاع السوق الحالية؟


عمر الجهاز ١١ عامًا فقط، وهو عمر قصير مُقارنة بأجهزة المنافسة على مستوى العالم، وهى الاجهزة التى انشئت فى ظل تحول الاقتصادات العالمية من اقتصاد تسيطر عليه الدولة لاقتصاد يسمح بنشاطات القطاع الخاص، بهدف اتاحة المنافسة بين المنتجين الراغبين فى مُمارسة الانشطة الاقتصادية، وحماية المنافسة هنا تنعكس حتما على أوضاع السوق، إذ تساهم المنافسة فى دخول مستثمرين كثيرين، وبالتالى زيادة فى الانتاج، وبالتبعية تراجع للأسعار، وهو ما يعود على المستهلك فى النهاية بجودة عالية وسعر منخفض.


ولكن هُناك انتقادات كثيرة توجه للجهاز والبعض يصفه بأنه رقابة على الورق فقط.. ما تعليقك؟


دعونا نسمى الأمور بسمياتها الحقيقية، لأن جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية ليس دوره منع الاحتكار، والقانون لا يجرم الاحتكار، إنما يٌجرم المٌماسات الاحتكارية الناتجة عن وجود كيان واحد مسيطر على نشاط واحد، والاحتكار من هذا النوع قد يكون نتيجة طبيعية لقوانين الدولة أو قراراتها، فمثلا الدولة لدينا هى التى تسمح لجهات معينة بأنشطة معينة مثل المصرية للاتصالات مثلا، ومرفق الكهرباء، لذا فدور الجهاز هنا تطبيق القانون، وهو قانون جنائى يقوم على الادلة، وانا هنا جامعة أدلة واسانيد ثم احيلها للنيابة، لابد أن تكون الصورة واضحة للجميع، أنا لا أقاوم الاحتكار ولا أمنعه، ولكن أقاوم إذا نتج عن هذا الاحتكار مُمارسة احتكارية.


وهل المُمارسات الاحتكارية الحالية هى السبب وراء ارتفاعات الأسعار فى الفترة الراهنة؟


هُناك جزء من ارتفاعات الأسعار طبيعى ومنطقى ولا يمكن أن أدافع عنه وناتج عن الاجراءات الاصلاحية التى تتخذها الحكومة تطبيقا لبرنامجها الذى وافق عليه البرلمان فى بداية انعقاده، والتى تتضمن تطبيق الضريبة على القيمة المضافة، وكذلك رفع الدعم عن بعض بنود الطاقة، إلى جانب نقص العملة الاجنبية وتراجع قيمة الجنيه، كما يوجد عوامل غير مُباشرة لارتفاع الأسعار أغلبها نفسى، إذ إن أغلب أصحاب المهن الحرة يقومون برفع أسعار خدماتهم، كنتيجة طبيعية لارتفاعات الأسعار الاخرى.


لكن انعدام الرقابة أيضًا سبب رئيسى لارتفاعات الأسعار.. فما هو رأيك؟


لا يُمكن أن نُنكر أن غياب الرقابة سبب لارتفاع الأسعار، وقد يكون غياب الرقابة ناتجا عن تشريعات ليست فاعلة للاجهزة الرقابة أو تقييد صلاحياتها لسبب أو لاخر، ولكن لا يمكن أن نلقى بالعبء كله على الرقابة، فاسباب ارتفاعات الأسعار ليست مقصورة على غياب الرقابة، وخاصة فى ظل ارتفاعات اجبارية للأسعار لاسباب عديدة من بينها الجشع والطمع ولكن الجشع والطمع لا يخضع لقانون.


وهل الفساد سبب لارتفاع الأسعار؟


طبعًا الفساد عامل أساسى لارتفاعات الأسعار، فمثلا قضية مثل «لبن الاطفال»، أنا إلى هذه اللحظة كرئيس جهاز المنافسة لا اعلم من يحتكره، بالرغم من محاولاتى المستميتة جمع المعلومات والبيانات حول القضية، لذا لابد أن نسمى الامور بمسمياتها، هل أزمة الالبان ناتجة عن احتكار أم فساد أم جشع وطمع؟، فالاحتكار كلمة جديدة نطلقها أصبحت سببا لكل الازمات وهذا غير منصف بالمرة، فأصبحت كل الظواهر سببها الاحتكار.


لكن حدثت حالات كثيرة لشركات فى قطاعات ولم يُتخذ ضدهم أى إجراء؟


هذه ليست مسئوليتى، نحن وضعنا قضايا عديدة فى يد النيابة، فمثلا قضية مثل الدواجن هى محل تحقيق من النيابة منذ أربع سنوات، والآن نحن ندرس أن يكون لدى الجهاز هيئة قضائية لاسراع الاجراءات وحتى يكون القرار القضائى نابعا من الجهاز نفسه، نظرا لأن طول فترة الاجراءات فى قضايا الممارسات الاحتكارية يضر كافة أطراف السوق.


وهل تداخل الدولة فى قطاعات عديدة بالسوق المصرى يُعرقل مُكافحة المُمارسات الاحتكارية؟


الأسواق التى تتداخل فيها الدولة بشكل مباشر تكون حماية المنافسة فيها صعبة للغاية، فمثلا سوق الادوية، الدولة تتداخل فيه بالتسعير، وبالنسبة للسكر مثلا هناك لجنة لتداول السكر برئاسة وزير التموين والتجارة الداخلية، وبها ممثلون عن شركات السكر وممثلو وزراء الزراعة، والصناعة والتجارة الخارجية، وجمعيات حماية المستهلك، وجهاز حماية المستهلك، ودورها تحديد سعر السكر والاستيراد والانتاج، ولذا لا يمكن لنا هنا أن نتحدث عن مُمارسات احتكارية، فهذا خارج عن سيطرتى، فلابد أن نعلم أن الاسواق التى تتداخل فيها الدولة بشكل مُباشر يكون دور جهاز حماية المنافسة ومنع المُمارسات الاحتكارية فيه استرشاديا فقط، وقمنا بهذا الدور فى أكثر من موقف وداخل أكثر من قطاع، فقد أرسلنا لوزير التموين والتجارة الداخلية بشأن لجنة تسعير السكر، وقلنا أن تجميع الشركات بهذا الشكل بمثابة اتفاق وهو ما يجرمه القانون، وليس من اختصاصى مراجعة قرار لوزير أو رئيس الوزراء، كما اننا خاطبنا جهاز تنظيم الاتصالات بشأن اجتماعاته مع شركات المحمول لحل ازمة تطبيق ضريبة القيمة المضافة على كروت الشحن، ونصحنا بضرورة أن يكون الاجتماعات مع كل شركة على حدة لا يحدث اتفاق يجرمه القانون.


وهل الفترة التى تسبق الحكم القضائى أو بت النيابة لا يكون للجهاز دور؟


لا، القانون يمنحنا صلاحيات لتدابير إدارية لتحسين الوضع حتى يصدر الحكم القضائى.


هُناك ملفات شائكة تتلامس وعمل الجهاز بشكل أساسى مثل الاتصالات.. هل يقوم الجهاز حاليًا بدراسة الملف لتحديد وجود مُمارسات احتكارية من عدمه؟


خلال عام ٢٠١٣ أحلنا شركات المحمول الثلاث إلى النيابة العامة بتهمة الاتفاق على تحصيل ضريبة الدمغة فى نفس الوقت وبنفس الكيفية، لكن القضية حفظت فى النيابة، وكذلك لنا قضية ضد المصرية للاتصالات، وتم التصالح فيها نظرا، لانها تسيطر على البنية الاساسية للبرودباند إنترنت كانت تقطع الخدمة من عملاء الشركات الاخرى، وقتها تحولها من الكابلات النحاسية إلى الفايبر، وهو ما يدفع العملاء للانسحاب من شركاتهم إلى المصرية للاتصالات للحصول على الخدمة، وسارعنا بالتحدث مع الشركة وكانت الشركة مُتفاهمة جدا، وبدأت بإزالة المُخالفة ودفعت الغرامات المستحقة عليها، ونحن نتابع الوضع حاليا عن كثب، وبالرغم من ذلك لا يمكن أن نجزم القول أن قطاع الاتصالات أو غيره لا يوجد به اتفاقات احتكارية، ولكن الكثير من الاتفاقات لا يمكن اثباتها ولا تنتظروا من الجهاز أو أى جهاز فى العالم أن يكون قادرا على اثبات كل الاتفاقات فى كل القطاعات، إذا لم يأت فرد ويعطينى المعلومات فلن استطع، الجهاز وحده لا يستطيع اثبات الاتفاقات بين المحتكرين، ولهذا ادخلنا تعديلات على القانون فى ٢٠١٤ يقضى باعفاء المبلغ من أى عقوبات أو التزامات.


وما الملفات التى يبحثها الجهاز حاليا؟


لا يمكننى الافصاح حاليا عن الحالات التى يجرى بحثها لسرية البحث لحين الانتهاء منه ودراسة الحالة واثبات مخالفتها، ولكن يمكن أن نفصح عن القطاعات نحن حاليا نبحث حالات فى قطاع الخدمات الصحية، وكذلك قطاع الخدمات الغذائية وقطاع الاسمدة فيها مشكلة كبيرة جدا جار بحثها، وأوشكنا على الانتهاء منها وتتلخص مشكلة الاسمدة فى أن هناك شركتين انتاج و٢٤ شركة توزيع هذه الشركات اتفقت على أسعار أسمدة السوبر فوسفات، وهذه قضية يُضاف إليها أن هُناك ٤ شركات من الـ ٢٤ رفضت الافصاح عن بيانات ومعلومات، وهذه مُخالفة أخرى، لذا أصبح لدينا قضيتان فى قطاع الأسمدة الأولى اتفاق على سعر، والثانية تخص اربع شركات توزيع رفضت الافصاح عن البيانات ورفضت التعاون مع الجهاز، نحن نركز بالفعل على قطاعات مهمة، وبالرغم من ذلك يتم اتهامنا بالتقصير فى قطاعات مثل السكر والزيت والارز وكلها سلع مدعمة.


وهل تتم دراسة الحديد والأسمنت حاليا؟


مواد البناء من القطاعات التى درسناها كثيرا، ولم نثبت فيها مُخالفات، كما أنه لا يوجد مشكلة فيها حاليا، وعدم وجود مُنافسة فى سوق الأسمنت ناتج عن عدم منح الدولة للتراخيص الجديدة، ولذا حل المشكلة فى منح التراخيص، أما الاعتراضات على هامش الربح المرتفعة فى قطاع الاسمنت فهى نقطة ايجابية وليست سلبية لأنها تعتبر محفزا استثماريا جيدا.


وماذا عن سوق التأمين ألا يوجد فيه مُخالفات؟


كان لدينا أكثر من حالة فى تأمين السيارات والتأمين الصحى والتأمين على المشروعات الهندسية الكبرى وتمت دراستها كلها بالتعاون مع الدكتور شريف سامى رئيس هيئة الرقابة المالية والاتحاد المصرى للتأمين وتمت مُعالجة الامور كلها بعدد من التدابير الادارية وكل الحالات تم حلها.


بالرغم من كل هذا الدور للجهاز إلا أن المواطن لا يشعر بدوره.. لماذا؟


أنا نفسى لا اشعر بدور الجهاز، وهذا ناتج بشكل اساسى عن طول فترات الدراسة وجمع الاستدلالات والتحقيق فى النيابة والتقاضى ايضا، نحن نأخذ القرار وحتى يصل أثره للمستهلك يكون هُناك متغيرات جديدة استجدت على السوق، وهذه نُقطة ضعف حقيقية لدى الجهاز، ولن يستشعره المواطن، إلا بعد ارتفاع كفاءة الاداء فى الجهاز، وزيادة وعى المواطن بدور الجهاز الحقيقى، حتى لا يُحاسب الجهاز على أزمات ليست من اختصاصه.


وما الأدوات التى يحتاجها الجهاز لرفع كفاءته؟


نحن نحتاج لتعديلات تشريعية تُتيح أن يكون للجهاز رقابة مُسبقة على الاندماج والاستحواذ، إذ إن القانون بوضعه الحالى لا يتيح هذه الراقابة، وانما ينص فقط على الاخطار بعد اتمام صفقة الاستحواذ، وكذلك نحتاج لتحرير الجهاز من القيود الادارية فى التعيينات، فمنذ توليت المسئولية وأنا احاول استكمال الهيكل الإدارى، ولم يحدث ذلك، إلا انه منذ ٣ أشهر مع تولى المستشار محمد جميل جهاز التنظيم والادارة، والذى وافق على استكمال الهيكل.. ونحن الآن ٤٥ فقط ١٦ منهم باحثون، وجامعو البيانات والاستدلالات، ونحتاج الدعم بالعناصر البشرية الجيدة.


وهل يحتاج الجهاز لدعم مادى من الموازنة؟


لا نحن مكتفون بما تقدمه الموازنة الآن، ولكن كل ما نحتاجه الكفاءات البشرية.


فى تصورك.. هل نحن فى حاجة لتغليظ عقوبة الاحتكار؟


يُطالب البعض بعقوبة الحبس، وأنا لا اميل لهذه العقوبة، وخاصة أن العالم كله لا يتجه للعقوبات البدنية فى القضايا الاقتصادية، لكن تغليظ العقوبة المادية هو الأنسب.


 



آخر الأخبار