إعادة الروح للقطاع العام فى «قها»

28/09/2016 - 11:32:53

بقلم - نجوان عبداللطيف

عندما شاهدت حلقتى صنع فى مصر من برنامج صاحبة السعادة للمذيعة المتألقة إسعاد يونس، كنت أعتقد أن إعجابى بالبرنامج من قبيل أنه أحيا الذكريات القديمة، بالحديث عن منتجات القطاع العام بدءًا من الستينات وحتى بداية التسعينات حينما توغلت الدولة فى سياسة الخصخصة البغيضة، وباعت الغالى من المصانع بالرخيص وأهدرت ثروات من المصانع والشركات والأراضى التى فى حوزتها والتى كانت تدر أرباحًا كبيرة تضاف إلى ميزانية الدولة كل عام.


“باتا للأحذية” “وقها للصناعات الغذائية” من بين شركات قطاع الأعمال العام التى تناولها برنامج صاحبة السعادة، وقد أعلن رئيسا الشركتين أن مبيعاتهما تضاعفت بعد البرنامج الذى اطلع الجمهور على منتجاتهما المميزة رخيصة السعر عن مثيلاتها بأكثرمن النصف، وبعض الأحيان تنخفض عن قريناتها فى السوق بأكثر من ١٠٠٪ رغم أنها تتفوق عليها فى الجودة.


ما الذى يجعل مثل هذه الشركات العامة بعيدة عن أيدى المستهلك المصرى، خاصة صاحب الدخل المحدود والفقير الذى بحاجة شديدة إليها، ولماذا نضيع الدولارات الشحيحة لدينا فى استيراد مثيلاتها من الخارج الأقل جودة والأعلى سعرًا، ولماذا لا تدعم الدولة مثل هذه الشركات لتطور إنتاجها كمًا وكيفًا، وتدفع بها إلى السوق الداخلى وتفتح لها أسواقًا فى الخارج للتصدير؟


الجواب أن الدولة ورثت من نظام مبارك كراهية القطاع العام ومازالت ترى الحل فى الخصخصة، ولكنها حتى تمرر عمليات البيع أعلنت أنها ستبيع نسبة حوالى ٢٠٪ من الشركات والبنوك العامة ومنها بنك القاهرة والمصرف المتحد عن طرق طرح أسهمها فى البورصة، رغم أن هذه الشركات والبنوك تدر أرباحًا كبيرة مثل بنك القاهرة التى تجاوزت أرباحه ٢ مليار جنيه فى العام المالى الماضى.


حديث إسعاد يونس الرائع مع رؤساء الشركات فتح جراح الخصخصة، خاصة شركة قها للصناعات الغذائية...


مَن من جيلنا لا يعرف شكل الطباخ المرسوم على علبة قها الصفيح بكرشه الكبير على شكل برتقالة وذراعيه ورجليه على شكل أوراق النبات؟ من لا يتذكر مذاق أحلى عصير وأحلى مربى وأحلى شربات وأفضل صلصة فى السوق، بخلاف الفول المدمس والخضراوات المحفوظة، رئيس مجلس إدارة الشركة هانى أحمد مدحت قال إن منتجات الشركة طبيعية ولا يوجد بها مواد حافظة ولا ألوان صناعية وهى أول الشركات التى أنشئت فى مجال التعليب عام ١٩٤٠، حيث بدأت بمصنع واحد بمدينة قها بمحافظة القليوبية، وكان يعتبر المصنع الأول للتعليب ليس فى مصر فقط ولكن على مستوى منطقة الشرق الأوسط، وتمتلك الشركة الآن ٦ مصانع بكل منها خطوط إنتاج متكاملة (قها التحرير ١٩٦١، الطابية ١٩٦٥، أبو كبير ١٩٧١، ورشيد وقرين ١٩٧٢)، كما تبيع الشركة منتجاتها من صلصة الطماطم المركزة ولب الفاكهة لمصنعى المواد الغذائية، أى أن منتجى الصلصة الذين يسيطرون على الأسواق وينتشرون فى كل محال البقالة الصغيرة والكبيرة فى كل محافظات مصر يحصلون على الصلصة المركزة من شركة قها ثم يضيفون إليها المحسنات والألوان، ويبيعون برطمان صلصة بأكثر من خمسة جنيهات، بينما البرطمان المقابل من شركة قها لا يتجاوز الثلاثة جنيهات إلا بقليل. وتصدر شركة قها ٢٥٪ من منتجاتها إلى ٣٢ دولة. والشركة حاصلة على شهادة الأيزو لعدة سنوات.


كما للشركة مصنع حربي والمعروف أن قها كانت المورد الأساسى للأغذية المحفوظة للجيش المصرى على مدى تاريخها.


شركة قها من أوائل شركات القطاع العام التى تم خصخصتها عام١٩٩٨ ببيعها لرجل الأعمال حسن عوف وعادت بالكامل للحكومة عام ٢٠٠٧ ضمن الشركة القابضة للصناعات الغذائية بسبب فشل المستثمر فى إدارة الشركة. وأن الشركة قبل الخصخصة كان رأسمالها بالموجب وعند عودتها أصبح رأسمالها بالسالب وحققت مجمع خسائر ١٢٦ مليون جنيه. وكانت الشركة قد بيعت إلى عوف كمستثمر رئيسى بمبلغ ١٦٠ مليون جنيه بنسبة ٩٠٪ من الشركة، فى حين أن الدراسات أثبتت أن الشركة تملك من الأصول والأراضى ما يتجاوز أضعاف هذا المبلغ (مساحة الأرض المقام عليها المصنع فى مديرية التحرير ٣٠ فدانًا قيمتها وقت البيع ١٢٦ مليون جنيه غير باقى الأراضى والمصانع التى فى حوزتها فى الإسكندرية ٦ أفدنة وفى قها ٢٠ فدانا ورشيد ٦أفدنة والقرين ٦ أفدنة أيضا وأبوكبير٢٠ فدانًا)، وفوق كل هذا تم البيع بالأجل، أى بالتقسيط بخلاف عدم تقديمه ضمانات حقيقية.


وبعد حوالى عشر سنوات قررت الجمعية العمومية الطارئة للشركة القابضة للصناعات الغذائية اتخاذ الإجراءات التنفيذية للتسوية النهائية لوضع شركة قها والمتضمن قيام الشركة القابضة بسداد مبلغ ٥٣ مليون جنيه تمثل ديوناً تراكمت بسبب إدارة المستثمر الفاشلة وعجزه عن الوفاء بالتزاماته، وما ترتب على هذا من حكم المحكمة من فرض الحراسة وتعيين رئيس القابضة حارسًا قضائياً عليها منذ عام٢٠٠٢ واتخاذ كافة الإجراءات لإعادة تبعية قها للشركة القابضة عام٢٠٠٧


شركة قها هى واحدة من شركات القطاع العام التى تمثل خصخصتها شاهدًا على فساد عمليات الخصخصة التى جرت فى عصر الرئيس المخلوع حسنى مبارك والتى أهدرت ثروات هائلة لصالح حفنة من رجال الأعمال لتعود عليهم بالمليارات، ومنها حديد الدخيلة والمراجل البخارية وشركات المياه الغازية والأسمنت، وللأسف مازال مسلسل استنزاف القطاع العام وتخسيره مستمراً.. فمصنع الحديد والصلب بحلوان رغم زيارة رئيس الوزراء السابق له محلك سر ولا تطوير ولا حل للمشاكل، ومصانع المحلة نفس الحال، فالهدف التخسير ثم البيع أو بأسلوب جديد بيع الأصول من الأراضى التى تمتلكها هذه الشركات، وطرح نسبة من ملكيتها للبيع كأسهم فى البورصة وهو الأمر الذى أعلنته الرئاسة منذ عدة شهور.


لكن برنامج إسعاد يونس أعاد للناس الإحساس بفخر صناعتهم الوطنية والتى مازال يمتلك بعضها القطاع العام، ليقدم منتجات عالية الجودة رخيصة السعر، وليفضح التواطؤ بين منافذ التوزيع والشركات المنتجة للسلع المنافسة، حتى لا يقوم بعرض وبيع هذه المنتجات، ولكن الشباب على مواقع التواصل الاجتماعى يدعون لترويج هذه المنتجات لتتضاعف عمليات البيع خلال أيام ويقول هانى أحمد مدحت، رئيس مجلس إدارة شركة «قها»، إن وكلاء من الدول الأجنبية «إسبانيا وأنجولا ونيجيريا وكينيا» يطلبون منتجات الشركة.


لتكف الحكومة يدها عن بيع القطاع العام مرة أخرى تحت أى مسمى جديد ولتعرف أن الصناعة الوطنية هى السبيل للخروج من أزمتها الاقتصادية وليست القروض.


شكرًا لإسعاد يونس هى وطاقم العمل معها على أن أعادت الروح لـ«باتا» و«قها» وللقطاع العام.