ماسبيرو مات

28/09/2016 - 11:11:43

بقلم- طارق سعدالدين

لأكثر من ثلاثين عامًا ومنذ افتتاحه فى يوليه ١٩٦٠ ظل التليفزيون المصرى هو الجهاز الإعلامى الأكثر تأثيرًا وجماهيريًا وشهرة بين تليفزيونات المنطقة العربية، كانت برامجه بمختلف أنواعها الثقافية والدينية والترفيهية هى البرامج التى تتهافت على عرضها باقى التليفزيونات، ولما لا وهى البرامج التى تستضيف رموز الفن والثقافة وكبار أساتذة الأزهر ونجوم قراءة القرآن الكريم فى الوطن العربى كله.


كان التليفزيون المصرى هو تليفزيون جمال عبدالناصر بكل تأثيره وجماهيريته فى المنطقة العربية وتليفزيون العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ ويوسف إدريس، تليفزيون أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم وتليفزيون كل نجوم العرب فى الغناء فريد الأطرش وفايزة أحمد، ووردة وغيرهم الكثير، كان التليفزيون المصرى هو تليفزيون الشيخ الشعراوى وأحمد حسن الباقورى.


عندما بدأ عصر القنوات الفضائية كان التليفزيون المصرى هو أول تليفزيون فى المنطقة العربية ينشئ قناة فضائية، كان غرضها كما قال صفوت الشريف وقتها لحسنى مبارك وهو يفتتحها هو ربط الجنود المصريين المشاركين فى حرب الخليج الثانية بالوطن الأم.


لكن عصر الفضائيات أدخل تليفزيونات المنطقة فى منافسة مع بعضها، فمع رخص ثمن أجهزة الاستقبال للفضائيات بدأ عصر جديد لم يكن تليفزيون صفوت الشريف وحسنى مبارك مؤهلًا له.


كانت المنافسة بين التليفزيونات تقتضى تقديم محتوى إعلامى جاذب للجمهور يحترم عقله وتفكيره، وغير خاضع للمحاذير التقليدية التى تفرضها الدول ونظمها على البث التليفزيونى، انتبهت الدول العربية الخليجية الثرية لذلك فكررت تجربتها فى الصحافة اللندنية عندما مولت جريدتى “الحياة” و“الشرق الأوسط” لتصدرا من لندن بمعايير أكثر مهنية من الصحف التى تصدر من داخل الدول العربية، وفى نفس الوقت تحافظ لها على مصالحها فلا تهاجم نظمها ولا سياساتها فأنشأت قنوات MBC وART بأموال سعودية، ولكن خارج الحدود السعودية وكان تركيزها فى الأساس على المنوعات، ولكن بعد ظهور قناة “الجزيرة” الإخبارية القطرية والنفوذ الجماهيرى والثقل السياسى الذى أحدثته، تحركت دول خليجية مثل السعودية والإمارات لمواجهة هذا النفوذ بقنوات إخبارية منافسة مثل “العربية”، “سكاى نيوز عربية” ، بينما نحن فى مصر مازلنا واقعين فى براثن الشبكة، التى نصبها صفوت الشريف لحسنى مبارك كانت فكرة وزير إعلام مبارك العتيد أن المنافسة مع القنوات الفضائية العربية لا تكون بعمل قناة أو اثنتين ذات محتوى إعلامى محترم، ولكن المنافسة تكون بإغراق المشاهد المصرى بكم كبير من القنوات الفضائية المتخصصة والمحلية والأرضية التى بثت فضائيًا بمحتوى إعلامى فقير وهزيل وبلا إمكانيات تقريبًا، وبينما كانت الفضائيات العربية تصرف مئات الملايين من الدولارات على البرامج كان التليفزيون المصرى ينفق المليارات على أجور العاملين ومكافآت القيادات ورؤساء القطاعات حيث تحول ماسبيرو إلى دولة صغيرة يتجاوز عدد أفراد العاملين فيها ٤٥ ألف موظف، بينما المحتوى الإعلامى نفسه الذى يقدم فقير وهزيل وبلا إمكانيات.


الخطأ الأخير الذى حدث بإذاعة حديث قديم لرئيس الدولة ليس هو الخطأ الوحيد ولن يكون الأخير، فماسبيرو دولة من الفساد والإهمال والبيروقراطية تجاوزها الزمن من زمان، فالقنوات العالمية الآن تفكر فى تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعى على مشاهديها وتتحول إلى البث من خلال هذه الوسائل للتواصل، بينما ماسبيرو وأهله فلا يراهم أحد ولا يسمع عنهم أحد إلا إذا رفعت مذيعة كفتها على الشاشة، أو إذا استضافت أخرى مديرًا للمتاحف العسكرية لا يعرف شيئًا عن تاريخ بلاده، أو إذا أذاعت إحدى قنواته خطابًا قديمًا على أنه جديد.


يجب أن نعترف أن ماسبيرو مات.