خروجا عن مبادئ الإسلام نهاية المعتصم

28/09/2016 - 10:52:32

بقلم - رجائى عطية

لم تقتصر «مفارقات» أو «متناقضات» الخليفة المعتصم محمد بن هارون، على هذه الحوادث الفردية، التى تحدثت إليك عن بعضها، وإنما مضت فى سياسته العامة للدولة، ولم يتعظ بأنه يحكم دولة إسلامية عربية، وأنه تولى دست الحكم فيها استنادًا إلى هذه الأرومة العربية، واستنادًا إلى أنه وأسرته من السلالة الشريفة، فتابع خطأ المأمون الذى أقصى العرب لصالح من احتضنهم من الفرس الذين كانت أمه «مراجل» تنتمى إليهم.


ولم يكن من الفطنة أو حسن التدبير، أن لا يتفطن «المعتصم» إلى الغضب المحبوس فى صدور العرب بعدما أسفرت عنه الفتنة بين الأمين والمأمون، من انتصار فى الواقع للفرس وتوليهم الزمام والمناصب والخيرات من دون العرب.. فإذا بالمعتصم يأخذ الأمور فى ذات الاتجاه مع إحلال «الأتراك» محل «الفرس» واستمرار إقصاء العرب!


وكأن التاريخ يعيد نفسه، فقد كانت أم المعتصم تركية، وأورد الطبرى بسنده أنه كان يقال لها: «ماردة السُّعدية» أو«ماردة سُعدية» وكان أبوها قد نشأ بالسواد، وأعقب منها الرشيد أولاده أبا اسحق ( محمد المعتصم )، وأبا إسماعيل وأم حبيب واثنين آخرين لم يعرف اسماهما.


فلما تولى المعتصم الخلافة، أهمل العنصر العربى والعنصر الفارسى، واعتمد على الأتراك الذين كانوا من خلائط شتى فكان من بينهم المغاربة المستورين من مصر والمغرب، والقادمين من هنا وهناك من بلاد الترك والخزر واتخذ منهم حرسًا وجندًا له، وحاباهم بإسناد مناصب الدولة إليهم مثلما فعل أخوه المأمون ولكن مع الخراسانيين والفرس.


وفى تاريخ الخلفاء للسيوطى أن المعتصم اعتنى باقتناء الترك، فبعث إلى سمرقند وفرغانة وغيرهما من النواحى فى شرائهم، وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب، فكانوا يطلقون خيولهم فى بغداد، ويؤذون الناس، حتى ضاقت بهم البلد، فاجتمع أهل بغداد إلى المعتصم، وبلغوا فى شكايتهم إليه أن قالوا له: أن لم تخرج عنا بجندك حاربناك. فسألهم كيف؟ قالوا: بسهام الأسحار، فقال المعتصم: لا طاقة لى بذلك، وكان هذا سبب بنائه مدينة «سُرَّ مَنْ رَأَى» وتحوله إليها.


وذكر المؤرخون أن المعتصم استكثر من الأتراك، فقويت شوكتهم، وكانوا يؤذون العوام ببغداد مدينة السلام، بجرى الخيول فى الأسواق، وإلحاق الأذى بالضعفاء والصبيان، حتى ضج منهم الناس، وأورد الطبرى فى تاريخه أن سبب خروج «المعتصم» من بغداد إلى «القاطول» ـ كان بعد أن تعدد العثور على غلمان الأتراك واحدًا بعد الآخر قتلى فى أرباض بغداد مما دَلَّ على أن غضب الناس منهم قد بلغ الغاية، ونقل الطبرى بسنده أنه وقد تأذت العامة منهم، تصادف أن كان المعتصم راكبًا منصرفًا من المصلى يوم عيد، فاستوقفه شيخ بادر الجند ليضربوه ويبعدوه، فكفهم المعتصم عنه، وسأل الشيخ عما به، فقال للخليفة مجترئًا عليه: «لا جزاك الله من الجوار خيرًا! جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج (الجفاة وأصل الكلمة تعنى الحمر الوحشية الشديدة) فأسكنتهم بين أظهرنا، فأيتمت بهم صبياننا، وأرملت بهم نسواننا، وقتلت بهم رجالنا!».


وروى الطبرى أن المعتصم ظل يسمع ذلك كله، ثم دخل داره فلم يُر راكبًا إلى السنة التالية، فلما كان العام المقبل خرج فصلى بالناس العيد، ثم لم يرجع إلى منزله ببغداد، ولكنه صرف دابته إلى ناحية «القاطول»، ولم يرجع بعدها إلى بغداد!


تفاقم الموقف!!


من تزايد نفوذ الأتراك!!


لم يوقف ترك المعتصم لبغداد، من تزايد نفوذ الأتراك، وتزايد اعتماد المعتصم عليهم، وقد كان المعتصم ابن أمه التركية، أول خليفة عباسى يستعين بالأتراك بهذا الحجم، ويسند إليهم أهم مناصب الدولة.


وما لبث عدد هؤلاء الأتراك أن أربى ـ طبقًا لرواية المؤرخين ـ على الخمسين ألفًا، وظل هؤلاء يتدفقون وبلغوا أكبر المناصب فى البلاط العباسى، ورفع المعتصم أقدارهم حتى جعل بيدهم مصير ومستقبل الخلافة!


من هؤلاء «الأفشين حيدر بن كادس»، وله قصـة طويـلة، وهو تـركـى من «أشروسنة» ـ وهى كورة من بلاد ما وراء النهر، وكان فى حاشية المعتصم فى حياة المأمون، فلما استخلف المعتصم جعل الأفشين فى مقدمة قواده، وعينه سنة ٢٢٠ هـ/٨٣٥ م لحرب بابك الخرمى، وظل هذا الأفشين يصعد حتى دبر لإقناع المعتصم بعزل عبدالله بن طاهر وتوليته مكانه، واستأثر بكثير من الأمور، ولكن أخاه خانه وأرسل كتابًا للمعتصم يفشى إليه ما يفعله، وأحس الأفشين بتغير الخليفة فعزم على الهرب، وصار يدبر التدابير الشنيعة للفتك بالمسلمين، وجرت بينه وبين المعتصم خطوب لا يتسع لها هذا المجال.


ومن هؤلاء «ابتاخ» الغلام الخزرى، الذى اشتراه المعتصم ورآه صاحب بأس فرفعه وولاه بعد أن تولى الخلافة ـ إمارة «سامرا» مع اسحق بن إبراهيم أمير بغداد منذ عهد المأمون، واستمر «ابتاخ» هذا على منصبـه وزعامتـه مـدة «الواثق»، وقتـل لأول عهـد «المتوكل» سنة ٢٣٥ هـ.


ومن هؤلاء «أشناس» وهو غلام تركى اشتراه المعتصم ورقاه، وجعله على
مقدمة الجيش فى غزوة عمورية، واستخلفه مرة على «سامرا»، وزاده رفعة سنة ٢٢٥ هـ ووشحه بيده وزوج ابنته لابن الأفشين فى عرس كبير حضره عامة أهل
«سامرا».


وكان من اندفاع المعتصم وراء إعجابه بهؤلاء المجلوبين، أن ولاّهم زمام ملك آبائه، وحجب العرب عما كان لهم قبل ذلك من قيادة الجيوش، ثم ما لبث بعد حين أن أحس بما وقع فيه من خطأ ولكن بعد فوات الأوان، وطفق يشكو إلى إسحق بن إبراهيم ـ أن أخاه المأمون كان أوفر حظًّا منه فى اختيار قادته وأعوانه، بينما فشل هو فى اختيار من اختارهم وعانى منهم!


ويرى الأستاذ محمد الخضرى أن «المعتصم» يتحمل تبعة معظم ما حل بالعباسيين من بعده، من اضطراب أمرهم وضعف سلطانهم، وما حل بالأمة العربية من غلبة هذا العنصر الدخيل عليها!


تآمر العباس بن المأمون


مع بعض القواد على قتل عمه المعتصم!


أورد الطبرى بسنده، أن بداية انقلاب «العباس بن المأمون» على عمه «المعتصم» خلافًا لما كان بينهما من مودة ومحاباة المعتصم له، كانت حين تأثر بتوبيخ «عجيف بن عنبسة» ـ أحد قادة المعتصم فى غزو الروم، ولومه له على ما تقدم منه عند وفاة أبيه المأمون من مبايعة «إسحق بن إبراهيم»، وجعل يحرضه ويشجعه على الانقلاب على هذه الأوضاع وأن يتلافى ما كان منه ويصحح هذا الوضع.


وسرعان ما استجاب «العباس» لهذا التحريض، ودسّ رجلًا يقال له «الحارث السمرقندى»، وصيَّره رسوله وسفيره لدى قواد «المعتصم» من الأتراك، واستطاع السمرقندى أن يأتلف بعضًا منهم، وتآمر العباس وإياهم على أن يثبوا على «المعتصم» ويقتلوه، ويقيموا «العباس بن المأمون» خليفةً مقامه، ولم يمنعهم من هذا التآمر أنهم كانوا يخوضون آنذاك مواجهةً وحربًا مع الروم، ولا منع «العباس» أن
«المعتصم» كان يصطنعه ويتألّفه ويغدق عليه النعم، ولكنه عشق السلطة !


بيد أن المعتصم أحيط علمًا بالمؤامرة، ومن العجيب أن الذى دله عليها هو نفسه
«عجيف بن عنبسة»، ونجح المعتصم فى استدراج «العبا » حتى أفشى سر من معه من القادة الأتراك، فطفق المعتصم يتتبعهم حتى قبض عليهم جميعًا، وأخِذ معهم
«عجيف» الذى أحاط به مكره، ودفع بهم المعتصم إلى «ابتاخ» و« أشناس»، حيث ضُربت أعناقهم.


أما «العباس بن المأمون»، فقد ألقاه المعتصم بالسجن، وظل سجينًا حتى مات بسجنه من شدة الأذى، وذكر الطبرى أنه كان فى قبضة «الأفشين»، وأنه لما أكله الجوع وسألهم الطعام، دفعوا إليه بطعام كثير حتى امتلأ، فلما عطش وطلب الماء منعوه عنه حتى مات ظمًا، ذلك الذى دبر لقتل عمه المعتصم ليثب إلى الخلافة، فارتد إليه تدبيره وقُتل صبرًا !!


انتفاض العرب


لم تكن المؤامرة لخلع المعتصم التى أجهضت، هى كل ردود فعل العرب من المهانات والمظالم التى لحقت بهم من تحكم الأتراك فى الدولة، وإنما كان لتزايد اعتماد المعتصم عليهم أثر على العرب فى الأمصار، فثاروا فى بلاد الشام تحت زعامة «أبى حرب المبرقع اليمانى» بفلسطين، فخرج وغيره على السلطان الخليفة.


وأورد الطبرى بسنده، أن سبب خروجه على المعتصم، أن بعض الجند الأتراك أرادوا النزول بداره فى غيابه، فلما رفضت زوجته، قام أحدهم بضربها بالسوط فأوذيت، فلما عاد زوجها «أبو حرب» وشكت إليه ما ارتكبه الجندى التركى، ثار ومضى إلى الجندى فقتله، وخشى من المغبة، فتخفى وهرب إلى الأردن، ومازال يحث الناس ويحرضهم هناك حتى استجاب له قوم من تلك الناحية وأهل القرى، ولكن المعتصم تمكن فى النهاية من هزيمته وأسره، وقتل من أصحابه نحوًا من عشرين ألفًا فى رواية الطبرى.


طىّ صفحة المعتصم !


وكما لا تدوم السلطة، فإن العمر لا يدوم، وأصيب المعتصم بمرضٍ لم يتحدث المؤرخون بنوعه، ولم يطل به فقضى عليه فى ربيع الأول سنة ٢٢٧ هـ، ورثاه وزيره محمد بن عبد الملك الزيات بأبيات قال فيها إنه كان الحفيظ على الدنيا، ونعم الظهير للدين، وهى أوصاف تجرى بها مدائح الشعراء، دون أن تصادف ظلًا من الحقيقة !


وبوفاة المعتصم الذى امتد حكمه قرابة تسع سنوات, من عام ٢١٨ إلى ٢٢٧ هـ
( ٨٣٣ ـ ٨٤٢ م ), تولى الخلافة ابنه هارون: «الواثق بالله» الذى داوم محنة خلق القرآن , وبصورة أكثر حدة, بيد أنه بوفاة المعتصم, يكاد يكون قد أسدل الستار حقيقةً على ما يسمى بالعصر العباسى الأول، الذى كانت فيه الدولة على مهابة وقوة, وبدأ عصر التحلل وإن تراخى الانهيار الكامل عشرات السنين.


وقد كانت مقدمات تفكك الدولة العباسية قد بدأت قبل ذلك بسنوات, بظهور دويلات استقلت عن الدولة وإن احتفظت ـ فيما عدا دولة الأمويين بالأندلسـ بالتبعية الاسمية أو
«الشرفية» لدولة الخلافة, والتى تنقلت عاصمتها تبعًا لقوة الدول المنشقة عنها أو الموازية لها.


وحسبك أن تعرف أنه عاصر حكم «المعتصم», عدة دول ودويلات كانت اقتطاعًا من دولة الخلافة الأم:


ـ دولة الأمويين بالأندلس, وكان يحكمها عبد الرحمن الثانى ابن الحكم بن هشام رابع أمراء بنى أمية بالأندلس ( ٢٠٦ ـ ٢٣٨ هـ ).


ـ دولة الأدارسة فى المغرب الأقصى, وعليها محمد بن إدريس (٢١٣ ـ ٢٢١ هـ ) , ثم ابنه على بن محمد ( ٢٢١ ـ ٢٣٤ هـ ).


ـ دولة الأغالبة فى إفريقيا, وعليها زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب ( ٢٠١ ـ ٢٢٣ هـ ), ثم الأغلب بن زيادة الله ( ٢٢٣ ـ ٢٢٦ هـ ), ثم محمد بن الأغلب بن زيادة الله
( ٢٢٦ ـ ٢٤٢ هـ ).


ـ وكان على اليمن محمد بن إبراهيم الزيادى الذى ولاه المأمون ( ٢٠٣ ـ ٢٤٥ هـ ).


ـ وعلى خراسان الأمير عبد الله بن طاهر بن حسين الذى ولاه المأمون, حتى صارت للطاهريين دولة فى خراسان امتدت من سنة ٢٠٦ هـ أيام الأب طاهر بن الحسين, إلى سنة ٢٥٩ هـ. وجدير بالذكر أن هذه الإمارة المستقلة التى حافظت على علاقتها بدولة الخلافة, ظلت وراثية, إلى أن زالت على أيدى «الصفاريين» !


وسوف نرى كيف تمزقت الدولة العباسية, وتعددت الدويلات, ما بين الدولة الصفارية ( ٢٥٤ ـ٢٩٠ هـ / ٨٦٧ ـ ٩٠٣ م ), والدولة البويهية التى كانت اقتطاعًا حقيقيّا من الدولة العباسية, فى القرن الرابع الهجرى العاشر الميلادى, والدولة الحمدانية فى الموصل, والدولة السامانية التى بسطت نفوذها على ما بين سمرقند وطشقند, والدولة الغزنوية التى خلفت الدولة السامانية, ودولة السلاجقة, والدولة الطولونية فى مصر , والحمدانية فى الشام, والإخشيدية فى مصر, ثم الدولة الفاطمية فى مصر وغرب إفريقيا, ثم الدولة الأيوبية فى مصر, ثم دولة المماليك التى استمرت حتى هزيمة طومان باى وشنقه على باب زويلة, وأيلولة الدولة إلى العثمانيين.


ومن اللافت أن كل هذه الدول أو الدويلات , نهضت هى الأخرى على الوراثة والتوريث, وكان قوامها جميعًا الصراع على السلطة, وإراقة الدماء من أجلها.. وهو ما سوف نقتصر على تتبعه وبيانه فى المراحل التالية من هذه السطور، التى لا تسعى لكتابة تاريخ كامل لتلك العصور الممتدة، وإنما هى تسعى لاستخلاص أسباب وجذور العنف الذى اعتنقه طلاب الحكم، وهم يتوارون كذبًا وتضليلًا وراء الإسلام، وهم لا علم لهم به، ولا دين لديهم! وحتى صارت إراقة الدماء من أجل الحُكم والتمكين آفة متجذرة , امتدت من مئات السنين حتى الآن!